ذهبَ السيّدُ الشهيدُ مُحمّد باقِر الصدر (قده)، إلى أَنَّ فائدةَ الغيبةِ الطويلةِ، راجعٌ إلى تكاملِ القائد، فقد أوكلَه اللهُ بمُهمّةٍ كبيرة، فيحتاجُ فيها إلى شحنٍ نفسيٍّ كبير بالشعورِ بالتفوّقِ تجاهَ الحضارات، ويحتاجُ أيضاً إلى الإعدادِ الفِكري، وتعميقِ الخِبرةِ القياديّة، مِن طريقِ مُعايشةِ تلكَ الحضارات، الواحدةِ تلوَ الأخرى، ومعرفةِ نقاطِ قوّتِها وضعفِها، ليتسنّى له القضاءَ على أعظمِ حضارةٍ يواجهُها. (بحثٌ حولَ المهدي)
نقولُ: هذهِ الفرضيّةُ جدليّةٌ، مبنيّةٌ على التنزّلِ، والتسليمِ جدلاً أنَّ هذا القائدَ غيرُ مَعصومٍ ومُسدّدٍ ومؤيّدٍ منَ السماء، وغيرُ مَمدودٍ بعلمٍ إلهيٍّ لدُني، ولذا يمكنُ أن يكتسبَ مِقداراً كبيراً مِن عِلمِه المُرتبِط بنجاحِ مشروعِه، منَ التجربةِ والمُعايشةِ الطويلة، وغيرُ مُهيّءٍ نفسيّاً ولا فكريّاً للقيادةِ والمهدويّة، لقلّةِ خبرتِه، وعدمِ تهيئتِه نفسيّاً لهذا المشروعِ الكبير!
وعليهِ: فالسببُ الداعي للغيبةِ يعودُ إلى الله! باعتبارِه أرسلَ قائداً غيرَ مُهيّء! وليسَ السببُ عائداً إلى سوءِ تصرّفِ البشرِ تجاهَ هذا القائد!
ولذا لا تُعالَجُ هذه الأطروحةُ الموضوعَ بالنظرةِ إلى واقعِها وحقيقتِها، مِن أنَّ المهديَّ إمامٌ معصومٌ نصبَه الله، وأيّدَه وسدّدَه ورعاه، وأمدَّهُ بعلمٍ خاصٍّ يفوقُ علومَ البشريّةِ كلّها، ويحملُ الكفاءةَ الكاملةَ وهوَ ابنُ خمسِ سنوات أن يملأ الأرضَ عدلاً، ويحكُمَ الكونَ كُلّه.
وإنّما حاولَ أن يُقدّمَ عِلاجاً جدليّاً لرفعِ الاستبعادِ مِن ذهنِ المُخالِف الذي لا يؤمنُ بالقضيّةِ المهدويّةِ بواقعِها الموضوعي، وإنّما يؤمنُ بالمهديّ كقائدٍ لا ارتباطَ له بمشروعِ السماء!
ولذا نرى أنّ هذهِ المحاولةَ ابتعدَت عن تقديمِ مُعالجةٍ مقبولةٍ تُناسِبُ واقعَ القضيّة.
مُضافاً إلى أنّ ألفاً ومئتا سنةٍ ألا تُعدُّ كافيةً للتكامُل، والتشبّعِ بالخِبرة، وازديادِ الوعي، والشحنِ النفسي؟!
وقد يُقال : إنَّ السببَ في طولِ غيبتِه (عجّلَ اللهُ فرجَه) يعودُ إلى عدمِ تهيّؤِ البشريّة، فإنّها لا زالَت رافضةً لمشروعِ السماء، المُتمثّلِ بالإمامِ المهدي وأجدادِه الطاهرين، فبما أنّهم يجهلونَ مقامَ الإمامةِ وعظمتِها ومكانتِها السامية، ولم يقتنعوا قلباً بأنَّ الخلاصَ حصراً عندَ أهلِ البيت، ولا زالوا يتطلّعونَ إلى الشرقِ والغرب، وينشدونَ الخلاصَ عندَهم! فلا بدَّ وأن تحكمَ كلُّ نطيحةٍ ومُتردّيةٍ، وكلُّ شرقيٍّ وغربيّ، وكلُّ أبيضٍ وأسود، وكلُّ شريفٍ ووضيع، وكلُّ مدنيٍّ ومتأسلِم، تأتي كلُّ هذه الجماعاتِ والأفرادِ والأحزابِ والفلسفاتِ والموجاتِ الصّاعدةِ والنازلة، فتحكمُ لنشرِ العدل، ولكنّها تفشلُ فشلاً ذريعاً ! ولن تجدَ البشريّةُ الخلاصَ عندَ أيّ واحدٍ مِنها ! حيثُ ينتشرُ الظُّلمُ والطغيانُ أكثر، فتقتنعُ البشريّةُ تدريجاً بمشروعِ السماء، وتتهيّأ لمجيءِ المُصلِح العالمي، وتطلبُه بقلبِها، وتدافعُ وتنافحُ عنه إذا ظهر.
روى النّعمانيُّ بسندِه عن هشامٍ بنِ سالم، عن أبي عبدِ الله (عليهِ السلام) أنّهُ قال: ما يكونُ هذا الأمرُ حتّى لا يبقى صِنفٌ منَ الناسِ إلّا وقد وُلّوا على الناسِ حتّى لا يقولَ قائلٌ: إنّا لو ولّينا لعدَلنا، ثمَّ يقومُ القائمُ بالحقِّ والعدل. (الغيبةُ للنعماني، ص282).
وروى الطوسيُّ بسندِه عن الإمامِ أبي جعفرٍ الباقر (عليهِ السلام) قال: دولتُنا آخرُ الدول، ولن يبقَ أهلُ بيتٍ لهم دولةٌ إلّا ملكوا قبلنا لئلّا يقولوا إذا رأوا سيرتَنا: إذا ملَكنا سِرنا مثلَ سيرةِ هؤلاء، وهوَ قولُ اللهِ عزَّ وجل: ( والعاقبةُ للمُتّقين ). (الغيبةُ للطوسي، ص472، ورواهُ المُفيد في الإرشاد: 2 / 385).
فطولُ مُدّةِ الغيبةِ تكونُ سبباً للتّكاملِ العقليّ للبشريّة، ورفعِ مُستوى الإدراكِ عندَهم، وتولّدِ القناعةِ بمشروعِ السماء، وازديادِ الوعي الفِكري، وتراكمِ الخِبراتِ عندَ البشر، ويتولّدُ عندَهم شعورٌ بتفوّقِ مشروعِ السماءِ على مشروعِ الأرض، وبذلكَ سيكونونَ خيرَ مُعينٍ لهذا القائدِ الذي كانَ ينتظرُهم منذُ مئاتِ السنين ليصعدوا إليه، ليكونوا خيرَ أعوانٍ وأنصارٍ، وفدائيّينَ لمشروعِه السماويّ.
فالأمرُ يتطلّبُ حركةً نوعيّةً مِنَ المُجتمَعِ البشريّ تجاهَ المهديّ الذي يُمثّلُ مشروعَ السماءِ في الأرض.
وعليهِ: فالسببُ الداعي للغيبةِ، ولطولِ مُدّتِها يعودُ إلى البشر، فهُم الذينَ يتحمّلونَ المسؤوليّةَ الكاملةَ تجاهَها، باعتبارِهم المُقصّرينَ والرّافضينَ لمشروعِ السماء، إمّا رفضاً قلبيّاً ولسانيّاً وعمليّاً، وإمّا رفضاً قلبيّاً وعمليّاً، وإمّا رفضاً عمليّاً.
وحاشا القائدَ أن يكونَ هوَ العائقُ تجاهَ مشروعِ السماء، أو يكونَ المُرسِلُ هوَ الذي أرسلَ القائدَ ولم يُهيّئهُ تهيئةً كاملة، وأرسلَه قبلَ أوانِه !!
واللهُ العالمُ بالسرِّ الحقيقيّ، والعلّةِ الواقعيّةِ لطولِ فترةِ الغيبة.
موقع ديني مختص في مسائل الإمام المهدي (عج) تابع لشعبة البحوث والدراسات - ق. الشؤون الدينية - الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة