حكم الإمام المهدي (عج) بحكم داود (ع)

, منذ 6 شهر 996 مشاهدة

- فريق العمل

جاء في مجموعة من الروايات الواردة عن ائمة أهل البيت (عليهم السلام) أن القائم من ال محمد (ع) عند بسط سيطرته على أرجاء المعمورة وإقامة دولته التي يملأ الأرض فيها قسطاً وعدلاً سيحكم بشريعة داود النبي (ع).

ولابأس بذكر مجموعة من تلك الروايات:

عن عمار الساباطي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: بما تحكمون إذا حكمتم ؟ قال: بحكم الله وحكم داود فإذا ورد علينا الشيء الذي ليس عندنا، تلقانا به روح القدس.

عن حريز قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: لن تذهب الدنيا حتى يخرج رجل منا أهل البيت يحكم بحكم داود وآل داود لا يسأل الناس بينة.

وعن الحسن بن طريف قال: كتبت إلى أبي محمد العسكري (ع) أسأله عن القائم إذا قام بم يقضي بين الناس؟ وأردت أن أسأله عن شيء لحمى الربع فأغفلت ذكر الحمى فجاء الجواب: سألت عن الامام فاذا قام يقضي بين الناس بعلمه كقضاء داود (ع) لا يسأل البينة.

ما معنى أن الإمام يحكم بحكم داود ولماذا؟

لقد دأبت الشرائع السماوية على الأخذ والعمل وفق الظاهر وترك ما تحتويه السرائر، فكان من القوانين التي سنها الشرع المقدس أن المترافعين يلزم المدعي منهما بتقديم البينة ومعناها جلب الشهود الذين تتوفر فيهم صفة العدالة، وتختلف أعداد الشهود من قضية الى أخرى فقد تتطلب القضية شاهدين كما في قضية السرقة، وقد تتطلب أربعة كما في مثل السرقة، ثم يصار الى اليمين (القسم) عند فقد البينة (الشهود).

ومع أن الأنبياء والرسل والأئمة (ع) مسددون من الله تعالى، إلا أنهم مع ذلك يحكمون وفق ما تقتضيه الظواهر، لكن ورد استثناء في بعضهم وهو النبي داود (ع) حيث أنه يحكم وفق ما ألهمه الله تعالى من علم لا وفق ما ظهر له من حال الخصمين.

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: "ادَّعَى رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عِنْدَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قُتِلَ وَلَدُهُ، فَسَأَلَ الرَّجُلَ عَلَى ذَلِكَ فَجَحَدَهُ، فَسَأَلَ الْآخَرَ الْبَيِّنَةَ فَلَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فَقَالَ لَهُمَا دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ "قُومَا حَتَّى أَنْظُرَ فِي أَمْرِكُمَا"، فَقَامَا مِنْ عِنْدِهِ فَأَتَى دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِي مَنَامِهِ، فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ الَّذِي اسْتَعْدَى، فَقَالَ: "إِنَّ هَذِهِ رُؤْيَا وَلَسْتُ أَعْجَلَ حَتَّى أَثْبُتَ"، فَأَتَى اللَّيْلَةَ فِي مَنَامِهِ فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ أَتَى اللَّيْلَةَ الثَّالِثَةَ فَقِيلَ لَهُ: اقْتُلِ الرَّجُلَ أَوْ تَأْتِيكَ الْعُقُوبَةُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَأَرْسَلَ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ إِلَى الرَّجُلِ فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْتُلَكَ"، فَقَالَ: تَقْتُلُنِي بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وَلا تَثَبُّتٌ، قَالَ: "نَعَمْ، وَاللَّهِ لانَفِّذَنَّ أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ"، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: لا تَعْجَلْ عَلَيَّ حَتَّى أُخْبِرَكَ، إِنِي وَاللَّهِ مَا أَخَذْتُ بِهَذَا الذَّنْبِ، وَلَكِنِّي كُنْتُ اغْتَلْتُ وَالِدَ هَذَا فَقَتَلْتُهُ فَبِذَلِكَ أَخَذْتُ، فَأَمَرَ بِهِ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقُتِلَ، فَاشْتَدَتْ هَيْبَتُهُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَشَدَّدَ بِهِ مُلْكَهُ، فَهُوَ قَوَلُ اللَّهِ تَعَالَى: " وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ " ". تفسير ابن أبى حاتم 10: 3237

وعلى ذلك ستكون سيرة الامام المهدي (ع) حيث أنه سيحذو حذو داود (ع) إذ لا يطلب البينة كما دلت على ذلك الروايات أعلاه.

فالسؤال هو: لماذا لا يحكم الامام بشريعة جده محمد (ص)؟

الجواب: إن مهمة إقامة دولة العدل الآلهي لما كانت منوطة وموكلة الى الإمام المهدي (عجل الله فرجه) فلا بد له من إصابة الواقع جزماً حتماً، ولابد من وسيلة تضمن تحقق هذا الغرض وليس له (ع) إلا أن يحكم بعلمه الذي هو بتسديد روح القدس حيث أن ذاته هي ذات المعصوم كما ورد في الآثار عنهم (عليهم السلام).

وأما جواب بعض من يمكن أن نطلق على أحدهم أنه (حاطب ليل) أو ممن يخبط خبط عشواء، حول دعوى امتزاج التشيع باليهودية بسبب حكم إمام الشيعة بشريعة نبي بني إسرائيل داود فنذكر التالي:

1 ـ صرح بعض المعاصرين أن أحكام الشرائع السابقة اذا لم يرد في شريعتنا نسخها أمكن العمل بها، وإليك ما صرح به الشيخ صالح الفوزان:

حين سُئل هل شريعة مَنْ قبلنا تعتبر شريعة لنا أم لا؟

الإجابة: هذه مسألة أصولية، الصحيح فيها أن شريعة من قبلنا شريعة لنا، ما لم يرد شرعنا بخلافها. فما ذكره الله سبحانه وتعالى في الشرائع السابقة ولم يرد في شرعنا ما ينسخه فإنه شرع لنا، هذا هو الصحيح في المسألة. والله أعلم.

2 ـ ذهب غير واحد من فقهاء الجمهور الى جواز حكم القاضي بعلمه دون الرجوع الى البينة

قال ابن قدامة المقدسي في الكافي في فقه الإمام أحمد 1: 671

يجوز له الحكم بعلمه سواء علمه في ولايته، أو قبلها، ولأن هنداً قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني لي ولولدي . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف فقضى بعلمه، ولأنه حق علمه، فجاز الحكم به، كالتعديل والجرح، وكما لو ثبت بالبينة .

وقال ابن مفلح في الفروع

وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كَشْفِ الْمُشْكِلِ فِي مُسْنَدِ أَبِي بَكْرٍ فِي الْخَبَرِ الثَّابِتِ مِنْ إفْرَادِ الْبُخَارِيِّ عَنْ خَبَرِ خُزَيْمَةَ: وَجْهُ هَذَا الْحَدِيثِ (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا حَكَمَ عَلَى الْأَعْرَابِيِّ بِعِلْمِهِ)

وقال البهوتي الحنبلي في كشف القناع

(وَلَهُ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (أَنْ يَقْضِيَ) وَيُفْتِيَ (وَهُوَ غَضْبَانُ، وَأَنْ يَقْضِيَ بِعِلْمِهِ وَيَحْكُمَ لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ، وَيَشْهَدَ لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَيَقْبَلَ شَهَادَةَ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ لِوَلَدِهِ لِحَدِيثِ خُزَيْمَةَ وَلِأَنَّهُ مَعْصُومٌ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ يَشْهَدُ وَيَقْبَلُ وَيَحْكُمُ عَلَى عَدُوِّهِ وَبِإِبَاحَةِ الْحِمَى لِنَفْسِهِ وَتَقَدَّمَ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ.

فيتضح أن الحكم دون بينة ليس مستهجناً أو غريباً عن ذوق الفقه.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0306 Seconds