هل تزوج الامام المهدي (ع) في غيبته؟ وهل لديه ذرية ؟

, منذ 5 شهر 668 مشاهدة

ربما يرى بعض المتتبعين لشؤون الإمام المهدي (عج) أن الإمام عليه السلام متزوج؛ لكون الزواج سُنَّة مؤكَّدة، ومن رغبَ عنها فقد رغب عن سُنَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، والإمامُ من شأنه أن يعمل بالسُّنّة، لا أن يرغب عنها، فعلى ذلك ربمّا يحصلُ الجزم بأنّه (عليه السلام) متزوّج، وإذا ثبت أنّه (عليه السلام) متزوّجٌ فمن الطبيعيّ أن ينجب أولاداً؛ لأنّ عدم المقدرة على إنجاب الأولاد يدلُّ على نقص في الخلقة، والإمامُ (عليه السلام) كامل في خلقته.
ولكنّ هذا الكلام واضحُ الفساد؛ لأنّ ترك التزويج لا يقتضي بالضرورة الرغبة عن سنّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، بل قد يمنع منه أمرٌ آخر أهمُّ منه، فيلزم تركه كما هو مبيّن في محلّه في باب التزاحم بين الأمر المهمِّ والأهمِّ في علم الأصول، والتزويج وإن كان سُنّة وهو أمرٌ حسن في نفسه، إلّا أنّه إذا منعه ما هو أهمّ منه، وهو كتمانُ أحوال الإمام (عليه السلام) وإخفاءُ أموره الخاصّة، لئلّا يصلَ إليه الظالمون، لزم تركه, ولأنّ أحوال الإمام المهديّ (عليه السلام) محاطة بالسرّيّة التامّة والكتمان الشديد, فنحن لا نعلم أنّه (عليه السلام) كان متزوّجاً أو لا، ولو فرض أنّه متزوّج فلا يُعلم إن كان لديه أولادٌ أو لا، وتزويجه وإنجابه للأولاد وإن كانا أمرين ممكنين إلّا أنّنا لا نجزم فيهما بشيء لم يقم عليه دليل صحيح. ولعلَّ مقتضى الحكمة الإلهيّة ألّا يكون لدى الإمام المهديّ (عليه السلام) أولادٌ لو فرضناه متزوِّجاً وإن كانت المقدرة على الإنجاب موجودة عند الإمام (عليه السلام) وعند زوجه، من أجل إحاطة الإمام بكامل السرّيّة حفظاً له، ووقاية له من الوقوع في أيدي الظالمين.
فإن اعترض على ذلك بوجود بعض الأخبار على وجود الزوجة والأولاد للإمام المهديّ المنتظر (عجَّل الله فرَجَه), فالجواب عن ذلك أنّه لدى التحقيق, والرجوع إلى المصادر المعتبرة يتبيّن أنّ هذا الموضوع ليس ثابتاً بل هو موضع شكٍّ وريب ، فإنّ بعض العلماء من أمثال المفيد (قدّس)، والطبرسيّ (ره) لم يرتضوا ذلك، إذ ليست هناك أدلّة صريحة تستحقُّ الاستناد إليها والاعتماد عليها في إثبات الزوّجة والذرّيّة للإمام المهديّ المنتظر ( عليه السَّلام )
و فيما يلي نستعرض ما يمكن أن يُستدلّ به على وجود زوجة وأولاد للإمام المهديّ ( عليه السَّلام). 
رواية الشيخ الطوسيّ (قدّس)
روى شيخ الطائفة أبو جعفر محمّد بن الحسن الطوسيّ المتوفّى سنة : 460 هجريّة في كتابه المسمّى بالغيبة (ص102) بإسناده إلى المفضّل بن عمر عن الإمام الصادق ( عليه السَّلام ) رواية جاء فيها : ( ... لا يطّلع على موضعه أحد من وَلَدِه و لا غيره ، إلّا المولى الذي يلي أمره. إذ قد يُفهم من لفظة (ولده), أنّ للإمام (عليه السَّلام) أولاداً.
ولكن لا يصحُّ الاستدلال بهذه الرواية والاستناد إليها في إثبات الأولاد للإمام المهديّ (عج) ، و ذلك لأنّ الشيخ الجليل محمّد بن إبراهيم بن جعفر النعمانيّ ، الذي هو من علماء القرن الثالث الهجريّ ، قد روى هذه الرواية نفسها في كتابه الغيبة (ص176)، لكن جاء فيها : (.. لا يطّلع على موضعه أحد من وليّ ، و لا غيره ) ، فلاحظ أنّ لفظة (ولده) التي هي محلُّ الشاهد ليست موجودة فيها، ومع اتّحاد الروايتين عند الشيخين الطوسيّ والنعمانيّ ، ووجود هذا الاختلاف فيما هو محلُّ الشاهد، فإنّ الرواية تسقط عن صلاحية الاستدلال بها, لكنّنا حتّى لو سلّمنا بصحّة هذه الرواية واعتمدنا عليها فإنّ الرواية ليس فيها ما يدلّ على زمان وجود الأولاد للإمام ( عليه السَّلام )، إذ قد يكون المقصود أنّه سيولد له (عليه السَّلام) من غير تحديد لزمن معيّن ، فربّما يكون له أولاد, لكن بعد مضيِّ قرون من الزمن.
قصّة الجزيرة الخضراء :
في هذه القصّة يحاول بعضهم الاستدلالَ بها على إثبات الزوجة والأولاد للإمام المهديّ (عليه السَّلام) ، وقد ازداد الاهتمام بأمرها بعد محاولات عديدة صدرت من بعضهم لإظهار صحّة هذه القصّة وواقعيّتها وانطباقها على ما ذكرته بعض الجرائد والمجَّلات والإذاعات بالنسبة إلى ما يسمّى بمثلث برمودا المعروف. 
وأمّا بالنسبة لسند هذه القصّة المزعومة، فعليها عدّة ملاحظات نشير إلى بعضٍ منها, فنقول: إنّ المصدر الموثوق الوحيد الذي سبق بقيّة المصادر في نقل هذه القصّة هو كتاب بحار الأنوار للعلّامة المجلسيّ (قدَّس) فهو أوّل من نقل هذه القصّة في البحار ( 52 / 159), إذ قال عند نقله لهذه القصّة : أقول وجدت رسالة مشتهرة بقصّة الجزيرة الخضراء في البحر الأبيض أحببت إيرادها لاشتمالها على ذكر من رآه ، و لما فيه من الغرائب ، وإنّي أفردت لها باباً لأنّي لم أظفر بها في الأصول المعتبرة. فلاحظ أنّ المجلسيّ نفسه يصرّح بأنّه لم يظفر بها في الأصول المعتبرة مع كثرة تتبّعه وسعة اطّلاعه كما هو معروف عنه.
والمتتبّع المنصف يجد أنّ أكثر علمائنا الأعلام الذين نقلوا هذه القصّة قد أخذوها عن المجلسيّ ، إذ إنّ بعضهم كالفيض في النوادر ، والحُرُّ في كتاب إثبات الهداة ، والسيّد الجزائري في رياض الأبرار ، والمحدّث البحرانيّ في كشكوله ، والسيّد شبّر في جلاء العيون وغيرهم ـ قد صرّحوا بالنقل عنه رحمه الله ، وبعضهم وإنْ لم يصرّح بالنقل عنه لكنّه من جملة تلامذته كالأفنديّ في رياض العلماء ، والشريف الفتونيّ العامليّ في ضياء العالمين وغيرهما. 
هذا مع التنبيه على أنّ مجرّد إيراد العلماء لهذه القصّة لا يدلُّ على قبلوهم إياها، وليس دليلاً على صحّتها عندهم ، وذلك لأنّ الاتّجاه نحو تدوين الأخبار كان حينئذ هو الصفةَ المميّزة لذلك العصر, إذ دوّنت فيه طائفة من أبرز وأوسع مجاميع الحديث عند الشيعة بهدف الحفاظ عليها ، مثل : وسائل الشيعة ، والوافي ، وبحار الأنوار ، وعوالم العلوم ، وتفسير البرهان ، وتفسير نور الثقلين وغيرها. 
في هذه القصّة أيضاً هناك شخصٌ اسمه عليّ بن فاضل الذي يوصف بالمازندرانيّ، ثُمّ يصفُ نفسه في نفس القصّة بالعراقيّ، يهتمُّ بتسجيل بعض الفضائل لنفسه كما يظهر من قوله للسيّد شمس الدين ، إذ يقول وهو يتحدّث عن رؤية الإمام: يا سيّدي أنا من جملة عبيده المخلصين ، ولا رأيته ، فقال لي : بل رايته مرّتين الخ ..., كما أنّ القصّة كلّها تسجّل له فضيلة فريدة، وأنّه قد وصل إلى ما لم يصل إليه أحد ، كما تسجّل اهتمام الناحية المقدّسة بأمره.
لكن يؤخذ على هذه الشخصيّة أنّها لم توثّق من قبل أحد من معاصريه، وإنمّا تمّ توثيقه من قبل بعض من تأخّر عنه بمئات السنين، والظاهر أنّ مستندهم في هذا التوثيق هو نفس قصّة الجزيرة الخضراء ، كما يشير إليه سياق كلماتهم ـ إذا لاحظنا ذلك ـ ، فالنتيجة: أنّه لا يمكنُ الاطمئنان إلى صحّة ما نقله لنا هذا الرجل, إذ من الممكن أن تكون هذه القضيّة من صنع خياله بهدف الحصول على الشهرة في الآفاق ، أو لأهداف أخرى ، كما تعوّدناه في حالات مشابهة على مدى العصور. (يراجع ، تاريخ الغيبة الكبرى للسيّد الشهيد محمّد الصدر : 82 ، فما بعدها). 
• ثُمَّ إنّ مِـمّا يزيد ريباً في أمر هذا الرجل وقصّته هو أنّ معاصريه ـ كالعلاّمة الحلّيّ ، وابن داود الذي انتهى من تأليف كتابه في الرجال في سنة : 707 هجريّة ، و كذا غيرهما من العلماء ـ قد أهملوه إهمالاً كلّيّاً, ولم يُشر إليه أحد منهم بأدنى كلمة ، مع أنّ قصّته الفريدة والنادرة لا بدّ أن تُثير فيهم الحرص على الإشارة إليه ، والتنويه به وبقصّته ، وعدّها من دلائل الإمام والإمامة، التي تستحقّ التدوين في المجاميع و المؤلّفات، وقد دوَّن العلماء ما هو أقلُّ أهمّية منها, فهل عدّها العلماء أكذوبة باطلة ؟ أو أنّهم لم يسمعوا بها ؟ أو أنّها لم تكن قد صنعت في عصرهم من الأساس ؟‍! كُلّ ذلك محتمل ، وكُلُّ ذلك يدعونا إلى الشكِّ في الرواية وفي ناقلها ، أو عدم الإعتماد عليها على الأقلّ.
ومِـما يلفتُ النظر أيضاً هو أنّ هذه القصّة ـ كما هو واضحٌ لمن راجعها ـ تصرّح بأنّ عليّ بن فاضل قد قصّ قصّته من أوّلها إلى آخرها بحضور الطيبيّ، وحضور جماعة من علماء الحلّة والأطراف، كانوا قد أتوا لزيارة الشيخ المذكور، ولكنّنا ـ مع ذلك ـ لم نجد لأحدٍ من هؤلاء جميعاً رواية لهذه القصّة ، لا بالمباشرة ، ولا بالواسطة، رغم أنّنا نتوقّع منهم أن ينشروها في البلاد والعباد ، وأنْ تتناقلها الألسنُ، وتصبح حديث المحافل والأندية, إذ إنّها تحدّد موضع وجود الإمام وأولاده في ظروف غامضة واستثنائية. (ينظر: دراسة في علامات الظهور و الجزيرة الخضراء للسيّد جعفر مرتضى العامليّ: 217). هذا وإنّ السيّد الشهيد محمّد الصدر في كتابه الغيبة الكبرى (61 / 88 ), والعلّامة المرحوم السيّد جعفر مرتضى العامليّ قد ذكرا العديد من التناقضات الموجودة في هذه الرواية فراجع إنْ شئت ذلك. 
رواية المدائن الخمس
وهذه الروايةُ هي التي رواها أحمد بن محمّد بن يحيى الأنباريّ كما في البحار (53 / 214), ، وقد ضعّفها العلماء وردّوها بصورة قويّة وحاسمة ، فلتراجع كلماتهم رضوان الله تعالى عليهم في الكتب الآتية:( : الذريعة إلى تصانيف الشيعة : 5 / 1 و 107 ـ 108 ، الهامش ، والأخبار الدخيلة : 1 / 146 /152), ، وهامش كتاب الأنوار النعمانيّة : (2 / 64 ـ 69 )
روايةُ السيّد ابن طاووس في كتابه (جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع : 510 ـ 516).
عن الإمام الرضا (عليه السَّلام) في الصلاة على الإمام المهديّ (عليه السَّلام) ، فقد وردت العبارات التالية : (اللّهُمَّ أعطه في نفسه ، و أهله وولده وذرّيّته ، وجميع رعيّته ما تقرّ به عينه ، وتسرُّ به نفسه ، وتجمع له ملك المملكات كلّها ، قريبها وبعيدها ، وعزيزها وذليلها ، حتّى يجري حكمه على كلِّ حكم ، ويغلب بحقّه على كلّ باطل).
وبالنسبة إلى هذه الرواية نقول : لو سلّمنا بهذه الرواية من حيث السند فإنّ غاية ما يدلّ عليه هذا الدعاء الذي صدر عن الإمام الرضا (عليه السَّلام) قبل ولادة الإمام المهديّ (عليه السَّلام) بأكثر من نصف قرن : هو أنّه سيكون ثمّة مهديّ للأمّة ، وأنّه سوف يولد له أولاد، وليس فيه ما يدلُّ على زمان ولادة أولئك الأولاد, كما تقدّم بيانُ ذلك آنفاً، فقد يولدون له في أوّل عمره ، وقد يولدون له بعد قرون من الزمن ، وربّما بعد ظهوره (عليه السَّلام).
 (جمال الأسبوع : 512). ما ذكره السيد ابن طاووس في كتابه  
عن الإمام الرضا ( عليه السَّلام ) أنّه قال : ( اللّهُمَّ صلّ على ولاة عهده ، و الأئمّة من ولده). ولكنْ هذه الرواية أيضاً لا يمكن الاعتماد عليها لضعف إسنادها، ولأنّ هناك نصّاً آخر للرواية يقول :(اللّهُمَّ صلّ على ولاة عهده و الأئمّة من بعده), وفق ما صرّح به ابن طاووس نفسه. ومع هذا الإختلاف فيما هو محلُّ الشاهد ، فإنّ الرواية تسقط عن صلاحيّة الاستدلال بها كما لا يخفى. 
وخلاصةُ القول: أنّه لا يمكنُ الإستناد إلى ما مرّ من النصوص والروايات للأسباب المذكورة لإثبات وجود الزوجة والأولاد في الحال الحاضر للإمام المهديّ (عليه السَّلام) , ولكنّنا في الوقتِ نفسه لا نستبعد وجود ذلك للإمام أيضا ، إذ ليس هناك من مانع عقليّ أو شرعيّ. وفي الختام نسأل الله العليّ القدير أن يُعجِّل في ظهور الإمام المهديّ (عليه السَّلام) وأن يجعلنا من أنصارهِ وأعوانهِ و المقتدين به. 

 

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0341 Seconds