«هل نحن حقًا مستعدّون لظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)؟»

, منذ 11 ساعة 11 مشاهدة

 
هذا البحث ليس سؤالًا عاطفيًا أو وعظيًا فحسب، بل هو سؤال عَقَديّ، حضاريّ، أخلاقيّ، وتاريخيّ في آنٍ واحد. والبحث فيه بجدّية يكشف فجوة واضحة بين الانتظار الذي نعلنه والاستعداد الذي نعيشه.
 
مقدّمة
يُشكّل الإيمان بظهور الإمام المهدي (عليه السلام) إحدى الركائز المركزية في العقيدة الإسلامية، ولا سيّما في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، حيث تمثّل المهدوية الامتداد الطبيعي لمشروع النبوّة والإمامة، والذروة النهائية لمسار الإصلاح الإلهي في الأرض.
غير أنّ هذا الإيمان كثيرًا ما يُختَزل في بُعده الغيبي أو الشعائري، في حين أنّ النصوص الدينية تؤكد بوضوح أنّ الظهور ليس حدثًا منفصلًا عن الواقع الإنساني، بل نتيجة تفاعل مركّب بين الإرادة الإلهية واستعداد المجتمع البشري.
من هنا يبرز السؤال الجوهري: هل نمتلك – كأفراد ومجتمعات – الحدّ الأدنى من الاستعداد الحقيقي لظهور الإمام المهدي؟
وهل يتوافق واقعنا الديني والأخلاقي والسياسي مع المشروع المهدوي الذي يهدف إلى إقامة العدل الشامل؟
أولًا: مفهوم الاستعداد في المنهج القرآني
القرآن الكريم يقرّر قاعدةً كبرى تحكم حركة التاريخ الإنساني، وهي أنّ التغيير الإلهي مشروط بتغيير داخلي يسبق الحدث الخارجي، قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
(الرعد: 11(.
هذه الآية تمثّل أصلًا تأسيسيًا لفهم قضية الظهور؛ إذ تدلّ بوضوح على أنّ التحوّل الإلهي العظيم لا يقع فجأة دون استعداد بشري. فالظهور، بوصفه أعظم تحوّل تاريخي في مسار الإنسانية، لا يمكن فصله عن وعي الأمة، ولا عن قابليتها لتحمّل مشروع العدل الإلهي.
كما يؤكّد القرآن أنّ الاستخلاف والتمكين الإلهي مشروطان بالإيمان والعمل الصالح:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾
(النور: 55).
وهذا الوعد – بحسب كثير من المفسّرين – يجد مصداقه الأتمّ في دولة الإمام المهدي، مما يعني أن الاستعداد ليس انتظارًا سلبيًا، بل حالة إيمانية عملية.
 
ثانيًا: الاستعداد في الروايات المهدوية
الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) تضع معايير دقيقة لمفهوم الانتظار الحقيقي، وتُخرج القضية من دائرة التمنّي إلى دائرة الالتزام العملي.
يقول الإمام الصادق (عليه السلام):
»مَن سَرَّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق«
(الغيبة للنعماني)
هذه الرواية تمثّل نصًا محوريًا، إذ تربط صراحةً بين الانتظار، والعمل، والأخلاق. فالمنتظر الحقيقي ليس من يكثر الدعاء فقط، بل من يعيد بناء ذاته وفق معايير دولة العدل.
وفي رواية أخرى يقول الإمام الباقر (عليه السلام):
«إذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم وكملت به أحلامهم«
وهذه الرواية تكشف أنّ أحد معوّقات الظهور هو عدم نضج الوعي الجمعي، وأنّ البشرية – في وضعها الراهن – تعاني من قصور عقلي وأخلاقي يمنعها من تحمّل قيادة إلهية عادلة.
ثالثًا: معالم المشروع المهدوي
لا يمكن الحديث عن الاستعداد دون فهم طبيعة الدولة التي سيقيمها الإمام المهدي (عليه السلام).
المشروع المهدوي لا يقتصر على إسقاط الظلم السياسي، بل يهدف إلى إعادة هندسة الإنسان والمجتمع على أسس العدل المطلق.
من أبرز معالم هذا المشروع:
1. العدل الشامل:
عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال:
2. «أُبَشِّرُكُمْ بِالمَهْدِيِّ يُبْعَثُ فِي أُمَّتي عَلَى اخْتِلافٍ مِن النّاسِ وَزَلازِلَ، فَيَمْلَأُ الأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً وَظُلماً، يَرْضى عَنْهُ ساكِنُ السَّماءِ وَساكِنُ الأرضِ، يَقْسِمُ المَالَ صِحَاحاً، فقالَ لَهُ رَجُلٌ: ما صِحاحاً؟ قالَ: بالسَّوِيَّةِ بَيْنَ النّاسِ، قالَ: وَيَمْلأُ اللهُ قُلُوبَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) غِنىً، وَيَسَعُهُمْ عَدْلُهُ، حَتّى يَأْمُرَ مُنَادِياً فَيُنادِي فَيَقُولُ: مَنْ لَهُ من مالٍ حاجةٌ؟ فَما يَقُومُ مِن النّاسِ إلّا رَجُلٌ، فَيقولُ: ائْتِ السَّدَّانَ - يَعني الخازِنَ - فَقُلْ لَهُ: إِنَّ المَهْدِيَّ يَأْمُرُكَ أنْ تُعْطِيني مالاً، فَيَقُولُ لَهُ: أُحْثُ، حَتَّى إذا جَعَلَهُ فِي حِجْرِهِ وَأَبْرَزَهُ نَدِمٌ، فَيَقُولُ: كُنْتُ أَجْشَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ نَفْساً، أَوَ عَجِزَ عَنّي ما وَسِعَهُمْ؟ قالَ: فَيَرُدُّهُ فَلا يُقْبَلُ مِنْهُ، فَيُقالُ لَهُ: إنّا لا نَأْخُذُ شَيْئاً أَعْطَيْنَاه، فَيَكُونُ كَذلِكَ سَبْعَ سِنينَ أو ثَمانِ سِنينَ أَوْ تِسْعَ سِنينَ، ثُمَّ لا خَيْرَ في العَيْشِ بَعْدَهُ، أَو قال: ثُمَّ لا خَيْرَ فِي الحَياةِ بَعْدَهُ».* مسند أحمد: ج٣ ص٣٧
3. إحياء القيم الإلهية:
حيث لا يكون الدين طقسًا شكليًا، بل نظام حياة شامل.
4. توحيد المرجعية الأخلاقية:
فلا ازدواجية بين الشعار والممارسة، ولا انفصال بين الإيمان والسلوك.
5. إلغاء الامتيازات الظالمة:
إذ تقوم دولة المهدي على الكفاءة والحق، لا على النسب أو القوة.
وهذا المشروع بطبيعته يصطدم بعقليات اعتادت الظلم أو التكيّف معه، مما يجعل الاستعداد النفسي والثقافي شرطًا أساسيًا لنجاحه.
________________________________________
رابعًا: قراءة نقدية لواقع الأمة
عند إسقاط هذه المعايير على واقعنا المعاصر، نواجه تساؤلات مؤلمة:
• هل نمتلك ثقافة العدل، أم نمارس الظلم في أبسط علاقاتنا؟
• هل نرفض الفساد فعليًا، أم نبرّره إذا كان في مصلحتنا؟
• هل نُحسن الاختلاف، أم نُقصي ونُكفّر ونُقصي الآخر؟
• هل نعيش القيم المهدوية، أم نرفع شعاراتها فقط؟
الواقع يشير إلى أن كثيرًا من المجتمعات الدينية تعاني من:
• التحزّب الأعمى
• تديّن شكلي منفصل عن الأخلاق
• ازدواجية المعايير
• فقدان الثقة بالعدل الإلهي العملي
وهذه الظواهر لا تنسجم مع متطلبات دولة الإمام المهدي، بل قد تجعل بعض الناس – كما تشير الروايات – يقفون موقف الرفض أو التردّد عند ظهوره.
ولذا ورد في بعض الروايات عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) أنّه قال:
«إِذَا خَرَجَ القَائِمُ (عليه السلام) خَرَجَ مِن هَذَا الأَمْر مَنْ كَانَ يُرَى أَنَّه مِنْ أَهْلِهِ، وَدَخَلَ فِيهِ شِبْهُ عَبَدَةِ الشَّمْسِ وَالقَمَرِ».
(غيبة النعماني)
خامسًا: معنى الاستعداد الحقيقي
الاستعداد لظهور الإمام المهدي لا يعني ادّعاء الجاهزية، بل يمر عبر مراحل واضحة:
1. الاستعداد المعرفي
بفهم صحيح للدين، بعيد عن الخرافة والتطرّف، قائم على العقل والنص معًا.
2. الاستعداد الأخلاقي
بترسيخ الصدق، والعدل، والتواضع، وتحمل المسؤولية الفردية.
3. الاستعداد الاجتماعي
ببناء مجتمع يرفض الظلم في بيته وعمله قبل رفضه على مستوى الدولة.
4. الاستعداد النفسي
بتقبّل القيادة الإلهية، حتى لو خالفت المصالح الشخصية أو الأعراف السائدة.
خاتمة
الجواب الصادق عن سؤال: هل نحن مستعدون لظهور الإمام المهدي؟
هو: نحن نؤمن بالظهور، لكننا لم نكتمل بعد في الاستعداد له؟.
فالظهور ليس مكافأة على الدعاء فقط، بل نتيجة طبيعية لأمة تنضج أخلاقيًا وعقليًا لتكون شريكة في مشروع العدل الإلهي.
وكلّما اقترب المجتمع من قيم العدل والحق والوعي، اقترب – واقعيًا – من لحظة الظهور، وإن تأخّر زمنًا.
والانتظار الحقيقي، كما أرادته مدرسة أهل البيت، ليس ترقّب الحدث، بل صناعة الإنسان الذي يستحقه

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.2697 Seconds