أسباب انقسام غيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) إلى غيبة صغرى وغيبة كبرى – قراءة عقدية تاريخية تحليلية

, منذ 12 ساعة 100 مشاهدة

المقدّمة
تُعدّ عقيدة الغيبة من أكثر العقائد عمقًا وحساسية في الفكر الإمامي الاثني عشري، إذ ترتبط مباشرة بحقيقة الإمامة واستمرار الحجة الإلهية في الأرض. 
ولم تكن غيبة الإمام المهدي عليه السلام حدثًا مفاجئًا أو أمرًا غيبيًا منفصلًا عن الواقع التاريخي، بل جاءت وفق تخطيط إلهي دقيق، تجلّى بشكل واضح في انقسام الغيبة إلى مرحلتين: الغيبة الصغرى والغيبة الكبرى.
هذا الانقسام لم يكن مجرد تقسيم زمني، بل مثّل مشروعًا عقديًا وتربويًا وتنظيميًا عميقًا، استهدف حفظ الإمام، وبناء الأمة، وصيانة العقيدة من الانحراف. ________________________________________
 
أولًا: مفهوم الغيبة في الرؤية الإمامية
الغيبة في المفهوم الإمامي لا تعني عدم الوجود، بل تعني عدم الظهور العلني مع استمرار الوظيفة الإلهية للحجة. فالإمام، وإن غاب عن الأبصار، إلا أنه حاضر بالتدبير والعناية، كما ورد في الروايات:
«ينتفعون به كما ينتفعون بالشمس إذا غيّبتها السحاب«
من هذا المنطلق، فإن الغيبة ليست نقضًا للإمامة، بل أسلوبًا إلهيًا لحفظها في زمن فقدت فيه الأمة القدرة على حمايتها.
ثانيًا: الخلفية التاريخية والسياسية للغيبة
شهد عصر الإمامين الهادي والعسكري عليهما السلام تضييقًا غير مسبوق من قبل السلطة العباسية. وقد:
• تواترت الروايات في كتب المسلمين عن خروج مهدي من ولد فاطمة.
• علمت السلطة بأن الإمام العسكري هو الحلقة الأخيرة قبل قيام هذا المشروع الإلهي.
• فُرضت المراقبة المشددة، والتفتيش، والاعتقال، وحتى منع النساء من الولادة سرًا.
في هذا الجو الخانق، كان إخفاء الولادة ثم الغيبة ضرورة وجودية وليست خيارًا.
ثالثًا: الغيبة الصغرى بوصفها مرحلة انتقالية
 260–329 هـ
1. التدرّج في حجب الإمام
الغيبة الصغرى جاءت كـ تمهيد نفسي وعقائدي للأمة.
فالانقطاع الفوري والكامل كان سيُحدث:
• صدمة إيمانية
• تشكيكًا في أصل وجود الإمام
• انهيارًا في بنية القيادة الدينية
لذلك بقي الاتصال:
• غير مباشر
• مضبوط
• محدد عبر نواب خاصين
وكان هذا التدرج ضرورة تربوية عميقة.
2. نظام النيابة الخاصة
تجلّى أحد أهم أهداف الغيبة الصغرى في ترسيخ مفهوم القيادة بالنيابة، من خلال أربعة نواب تعاقبوا بدقة وانضباط:
1. عثمان بن سعيد العمري
2. محمد بن عثمان
3. الحسين بن روح
4. علي بن محمد السمري
هؤلاء لم يكونوا مجرد وسطاء، بل كانوا:
• محل ثقة الأئمة سابقًا
• معروفين عند عامة الشيعة وخاصتهم
• خاضعين لاختبار دائم من خلال التوقيعات
هذا النظام:
• أغلق باب الدعاوى الكاذبة
• رسّخ الإيمان بوجود الإمام
• منع الانشقاق الداخلي
3. تثبيت الولادة وقطع الشك
من أخطر التحديات التي واجهت العقيدة المهدوية بعد شهادة الإمام العسكري عليه السلام هو إنكار ولادة الإمام المهدي.
فجاءت الغيبة الصغرى:
• مصحوبة بتوقيعات
• وإجابات دقيقة عن الأسئلة
• وأحداث خارقة للعادة أحيانًا
كل ذلك أدى إلى حسم الشك التاريخي وتثبيت العقيدة منطقيًا ووجدانيًا.
رابعًا: الانتقال إلى الغيبة الكبرى
مع وفاة النائب الرابع سنة 329 هـ، صدر التوقيع الحاسم:
« فقد وقعت الغيبة التامة فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى«
1. اكتمال التهيئة النفسية والعقدية
بعد قرابة سبعين عامًا:
• تأقلمت الأمة مع فكرة الغيبة
• انتظم التواصل الفقهي
• تراجع خطر الانكار والادعاء
فلم تعد الحاجة قائمة لوسيط خاص، لأن المشروع دخل مرحلة جديدة.
________________________________________
2. تأسيس نظام المرجعية والاجتهاد
الغيبة الكبرى لم تكن فراغًا قياديًا، بل انتقالًا من:
النيابة الخاصة ← النيابة العامة
وذلك بالرجوع إلى:
• الفقهاء الجامعين للشرائط
• رواة الحديث
• الاجتهاد القائم على الضوابط العلمية
كما جاء في التوقيع الشريف:
«وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله«
وهنا وُلدت المرجعية بوصفها امتدادًا وظيفيًا للإمامة في زمن الغيبة.
خامسًا: البعد الإلهي – الامتحان والتمحيص
الغيبة الكبرى هي أعلى درجات الابتلاء:
• غياب القائد
• طول الأمد
• كثرة الفتن
• تشكك النفوس
عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال: سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: إن لصاحب هذا الأمر غيبة لا بد منها، يرتاب فيها كل مبطل.
قلت له: ولم جعلت فداك؟ قال: لأمر لا يؤذن لي في كشفه لكم.
قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟
قال: وجه الحكمة في غيبته، وجه الحكمة في غيبات من تقدمه من حجج الله تعالى ذكره، إن وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلا بعد ظهوره، كما لم ينكشف وجه الحكمة لما أتاه الخضر (عليه السلام)، من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار لموسى (عليه السلام) إلى وقت افتراقهما.
يا بن الفضل! إن هذا الأمر أمر من الله، وسر من سر الله، وغيب من غيب الله، ومتى علمنا أنه عز وجل حكيم صدقنا بأن أفعاله كلها حكمة، وإن كان وجهها غير منكشف.
راجع: كمال الدين وتمام النعمة للصدوق: ج 1 ص  127.                                              فالغيبة ليست عقوبة، بل غربلة إيمانية تُميّز المؤمن العميق عن المؤمن الموسمي.
سادسًا: الحكمة الجامعة من الانقسام
يمكن تلخيص الحكمة من تقسيم الغيبة إلى مرحلتين في ست نقاط مركزية:
1. حفظ الإمام من القتل
2. التدرّج في غياب القيادة الظاهرة
3. إثبات الولادة وصدق الوجود
4. تنظيم القيادة الدينية عبر النيابة
5. إعداد الأمة للاجتهاد والمرجعية
6. التمحيص الإلهي للإيمان
الخاتمة
إن انقسام غيبة الإمام المهدي عليه السلام إلى صغرى وكبرى يكشف عن عمق المشروع الإلهي للإمامة، ويؤكد أن الغيبة لم تكن انسحابًا من الواقع، بل إعادة تنظيم للعلاقة بين السماء والأرض.
فالغيبة الصغرى مثّلت مرحلة التأسيس والحماية، بينما جاءت الغيبة الكبرى لتفتح أمام الأمة مسؤولية الانتظار الواعي، والعمل، والبناء، والاستعداد لنصرة العدل الإلهي متى أذن الله بالظهور.
فالمنتظر الحقيقي ليس من ينتظر الحدث، بل من يتهيأ له.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.1294 Seconds