تحتل السيدة نرجس عليها السلام مكانة متميزة في التراث الإسلامي الشيعي؛ فهي المرأة التي ارتبط اسمها بولادة الإمام المهدي محمد بن الحسن عليهما السلام، آخر أئمة أهل البيت عليهم السلام، والحجة المنتظر الذي تؤمن الإمامية الاثنا عشرية بأنه سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً. وقد أفرد عدد من علماء الحديث والتاريخ والسير صفحات واسعة للحديث عن حياتها، وأسمائها، وقصة وصولها إلى بيت الإمام الحسن العسكري عليه السلام، ثم ولادتها للإمام المهدي عليه السلام.
وتشير المصادر التي تناولت سيرتها إلى تعدد أسمائها، فقد ذكرت لها أسماء عديدة، منها: نرجس، سوسن، صقيل أو صيقل، حديثة، حكيمة، مليكة، ريحانة وخمط. ويبدو أن تعدد الأسماء كان أمراً مألوفاً في ذلك العصر، ولا سيما في حياة الجواري والنساء اللاتي انتقلن بين البيئات والأسر. إلا أن اسم «نرجس» أصبح أشهر أسمائها، حتى غلب على سائر الأسماء في كتب المتأخرين.
ومن أشهر الروايات التي تحدثت عن أصلها وقصتها ما يرتبط برواية بشر بن سليمان، والتي تنقل أن اسمها الأصلي كان «مليكة»، وأنها كانت من أسرة ذات مكانة في بلاد الروم، وينسبها بعض الرواة إلى نسل شمعون وصي المسيح عليه السلام. وتذكر الرواية أنها رأت في المنام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والسيدة مريم عليها السلام، ثم رأت نفسها في رؤيا أخرى أمام النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته عليهم السلام، وكان في الرؤيا أن النبي صلى الله عليه وآله زوّجها من الإمام الحسن العسكري عليه السلام.
وقد شكّلت هذه الرؤى في الرواية نقطة تحول كبيرة في حياتها؛ إذ ارتبطت بالإسلام وأصبحت مهيأة للانتقال إلى بيت الإمام العسكري عليه السلام. ثم شاءت الأحداث أن تقع في الأسر، وأن تنتقل إلى بلاد المسلمين، حتى وصلت إلى الإمام الهادي عليه السلام، الذي وجّه إلى رعايتها وتعليمها، ثم أصبحت في بيت الإمام الحسن العسكري عليه السلام.
وتكتسب هذه القصة أهمية خاصة في الفكر الإمامي بسبب ما ارتبط بها من مقدمات ولادة الإمام المهدي عليه السلام. فالروايات تنقل أن الإمام الحسن العسكري عليه السلام كان ينظر إلى نرجس نظراً خاصاً، فلما سألت السيدة حكيمة بنت الإمام الجواد عليه السلام عن سبب اهتمامه بها، أجابها بأنه يتعجب منها، وأخبرها بأنها ستلد ولداً كريماً عند الله، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً.
وهنا تظهر مكانة نرجس عليها السلام بصورة واضحة؛ فهي لم تكن في الرواية مجرد زوجة للإمام العسكري عليه السلام، بل كانت المرأة التي اختارها الله تعالى ـ بحسب مضمون هذه الروايات ـ لتكون أماً للحجة المنتظر. ولذلك نجد بعض الكتب تصفها بأوصاف عالية، مثل «خيرة الإماء» و«سيدة الإماء»، وهي أوصاف تعكس المكانة التي احتلتها في الوجدان الإمامي.
ومن اللافت في الروايات المتعلقة بولادة الإمام المهدي عليه السلام أن حمل نرجس عليها السلام لم يكن ظاهراً، حتى إن السيدة حكيمة تروي أنها فحصتها ولم ترَ عليها آثار الحمل. وعندما أخبرت الإمام العسكري عليه السلام بذلك، ابتسم وأخبرها أن الأمر سيظهر عند الفجر، وشبّه حالها بحال أم موسى عليه السلام، حيث كان الحمل مخفياً عن الناس خوفاً من فرعون.
وهذا التفصيل له أهمية كبيرة في الرواية؛ لأن السلطة العباسية كانت تراقب الإمام الحسن العسكري عليه السلام، وكانت تدرك ـ بحسب الروايات الإمامية ـ أن المولود الذي سيأتي من نسله يمثل خطراً على استقرار السلطة ومشروعها السياسي. ولذلك ارتبطت ولادة الإمام المهدي عليه السلام في الروايات بجو من السرية والكتمان، وكان عدم ظهور الحمل أحد مظاهر هذه الخصوصية.
وتروي السيدة حكيمة أنها بقيت عند الإمام العسكري عليه السلام ليلة النصف من شعبان، وأنه أخبرها بأن مولوداً عظيماً سيولد في تلك الليلة، وأنه سيكون الحجة على أهل الأرض. وكانت نرجس حاضرة، ولم تكن تظهر عليها علامات الولادة. ثم مع اقتراب الفجر بدأت أحداث الولادة، وكانت السيدة حكيمة هي التي شهدت تلك اللحظات وروت تفاصيلها.
وتتكرر هذه الرواية في عدد من المصادر، منها كتب الشيخ الصدوق والشيخ الطوسي وغيرهما، كما نقلها علماء متأخرون في مؤلفاتهم حول الإمام المهدي عليه السلام. وتدور روايتها الأساسية حول شهادة السيدة حكيمة، التي كانت من أهل بيت الإمام العسكري عليه السلام، وكانت حاضرة عند ولادة الإمام المهدي عليه السلام.
ولا تقتصر أهمية السيدة نرجس عليها السلام على كونها أم الإمام المهدي، بل إن الروايات تقدمها باعتبارها امرأة ذات عفة وتقوى ومكانة روحية. فقد كانت ـ بحسب بعض النصوص ـ تحظى باحترام خاص من أهل البيت عليهم السلام، حتى إن السيدة حكيمة نفسها، مع كونها عمة الإمام العسكري عليه السلام، كانت تخاطب نرجس بما يدل على علو منزلتها، بينما كانت نرجس تتواضع لها وتتعامل معها باعتبارها سيدتها.
وهذا التبادل في الخطاب بين المرأتين يكشف عن معنى مهم في الرواية، وهو أن المكانة لا تقاس بالنسب وحده، وإنما بما يحمله الإنسان من إيمان وتقوى ودور في المشروع الإلهي. فنرجس، وإن كانت في الروايات من أصل غير عربي، أصبحت في بيت النبوة والإمامة، وأصبحت أماً للإمام الذي تؤمن الإمامية بأنه خاتم الأئمة وحجة الله على خلقه.
وقد اختلفت بعض المصادر في تفاصيل نسبها وأسمائها وحياتها، وهو أمر ينبغي الانتباه إليه عند دراسة سيرتها تاريخياً. فبعض الروايات يذكر أنها مليكة بنت يشوعا بن قيصر، وأن أمها من نسل الحواريين، بينما تكتفي روايات أخرى بذكر اسم نرجس دون الدخول في تفاصيل أصلها. كما تعددت أسماؤها في المصادر، مما يجعل من الضروري التمييز بين أصل الرواية وبين التفاصيل التي أضيفت إليها في بعض المؤلفات المتأخرة.
أما وفاتها، فتشير المصادر التي أوردتها إلى أنها توفيت في زمن الإمام الحسن العسكري عليه السلام، وأن قبرها في سامراء قريب من مرقد الإمامين العسكريين عليهما السلام. وتذكر بعض المؤلفات أن لها قبراً معروفاً في تلك المنطقة، وهو ما يعكس استمرار حضورها في الذاكرة الدينية والتاريخية لمدينة سامراء.
إن سيرة السيدة نرجس عليها السلام، كما تقدمها هذه الروايات، ليست مجرد قصة امرأة أصبحت زوجة لإمام، وإنما هي جزء من قصة ولادة الإمام المهدي عليه السلام، وما أحاط بها من ظروف سياسية وأمنية وروحية. ولذلك احتلت سيرتها مساحة واضحة في كتب المهدوية، من «كمال الدين» و«الغيبة» وما تلاهما من مؤلفات، وصولاً إلى الموسوعات والدراسات الحديثة.
ومن خلال مجموع هذه النصوص يمكن القول إن صورة نرجس عليها السلام في التراث الإمامي تقوم على ثلاثة أبعاد رئيسية: فهي أولاً امرأة ذات مكانة إيمانية وروحية، وثانياً زوجة الإمام الحسن العسكري عليه السلام، وثالثاً أم الإمام المهدي عليه السلام. ومن هنا جاء الاهتمام الكبير بسيرتها، لأن الحديث عنها يرتبط مباشرة بالحديث عن ولادة الإمام المنتظر وغيبته ومستقبل البشرية في العقيدة المهدوية.
وبذلك أصبحت السيدة نرجس عليها السلام واحدة من النساء البارزات في تاريخ أهل البيت عليهم السلام، لا لكثرة ما ورد من أخبار حياتها فحسب، وإنما للدور الذي نسبت إليها الروايات في سلسلة الإمامة؛ فقد شاءت الرواية المهدوية أن تكون هذه المرأة هي الواسطة التي جاء من نسلها الإمام الذي يمثل، في الاعتقاد الإمامي، امتداد خط الإمامة وحجة الله الباقية على الأرض.
موقع ديني مختص في مسائل الإمام المهدي (عج) تابع لشعبة البحوث والدراسات - ق. الشؤون الدينية - الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة