تقوم معرفة الإمام المهدي عليه السلام عند ظهوره على منهج عقائدي واستدلالي متكامل، لا يقتصر على مجرد الدعوى أو الادعاء الشخصي، وإنما يستند إلى مجموعة من الأدلة التي تتضافر فيما بينها لإثبات شخصية الإمام وتمييزه عن المدعين. ويقوم هذا المنهج على النص والوصية، والنسب والصفات، والعلامات والآيات، والعلم بالأحكام، فضلاً عن المعرفة المسبقة التي تهيئ المؤمن للثبات أمام الفتن والشبهات.
وقد بيّن كتاب «ذلك يوم الخروج (دراسة حول ظهور الإمام المهدي "ع")» أن معرفة الإمام عند ظهوره ترتبط بالأسس التي يُعرف بها أصحاب الحجج الإلهية، وأن مدعي الإمامة لا بد أن يأتي بالبرهان الذي يميزه عن غيره. ومن هنا فإن الإمام المهدي عليه السلام لا يُعرف بمجرد دعوى يطلقها شخص على نفسه، بل من خلال الحجج والبينات التي تكشف ارتباطه بالإمامة الإلهية، وتقطع الطريق على دعاوى المهدوية الباطلة. (ذلك يوم الخروج، ص 122–125 تقريباً).
ويأتي النص والوصية في مقدمة الأدلة التي يعتمد عليها في معرفة الإمام، إذ إن الإمام المهدي عليه السلام هو الإمام الموصى به، وهو صاحب الأمر الذي تتصل إمامته بسلسلة الأئمة السابقين. ولذلك فإن معرفته لا تنفصل عن معرفة موقعه في منظومة الإمامة. وقد أشار كتاب «حقيقة الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر» إلى أن من خصائص الإمام عند ظهوره كونه صاحب الوصية الظاهرة، وصاحب السلاح، وأولى الناس بمن كان قبله، وأن اجتماع هذه الخصائص يميز صاحب الأمر عن غيره من المدعين. (حقيقة الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر، ص 308–310 تقريباً).
ولا تقف معرفة الإمام عند حدود النص والوصية، بل تتكامل معها الصفات الجسدية والنسب الشريف. فقد ورد في النص المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في وصف الإمام المهدي عليه السلام: «المهديّ من ولدي، ابن أربعين سنة، كأنّ وجهه كوكب درّي، في خدّه الأيمن خال أسود، أجلى الجبهة، أقنى الأنف». وتكتسب هذه الصفات أهمية في عملية التعرف على الإمام، ولا سيما عند اجتماعها مع نسبه الشريف وكونه ابن الإمام الحسن العسكري عليه السلام. وقد تناول كتاب «الإمام المهدي (ع) من المهد إلى الظهور» هذه الصفات والعلامات ضمن الأدلة التي تعين شخصية الإمام وتميزه عن المدعين. (الإمام المهدي (ع) من المهد إلى الظهور، ص 364).
كما أن ظهور الإمام المهدي عليه السلام لا يكون خالياً من الآيات والعلامات الغيبية، بل ترافقه علامات سماوية تؤكد حقيقة ظهوره. ومن ذلك ما ورد في الرواية من أن الإمام المهدي عليه السلام يخرج وعلى رأسه غمامة، وفيها مناد ينادي: «هذا المهدي خليفة اللّه فاتّبعوه». كما تذكر الروايات بيعة جبرائيل عليه السلام للإمام المهدي عليه السلام، وهي من العلامات السماوية التي ترتبط بظهوره وتكشف عن مشروعية حركته. وقد ذكر «الإمام المهدي (ع) من المهد إلى الظهور» هذه العلامات ضمن سياق الحديث عن ظهور الإمام وآياته. (الإمام المهدي (ع) من المهد إلى الظهور، ص 365، وص 517–520 تقريباً).
ومن العلامات المهمة كذلك العلامات الحتمية التي تسبق الظهور، ومنها خروج السفياني، واليماني، والصيحة من السماء، وقتل النفس الزكية، والخسف بالبيداء. وهذه العلامات تؤدي دوراً في الكشف عن قرب الظهور وتهيئة الناس له. وقد تناول كتاب «العد التنازلي في علائم الظهور المهدي (ع)» هذه العلامات، وبيّن ضمن ما ورد فيه أهمية العلامات الحتمية في مرحلة ما قبل الظهور. (العد التنازلي في علائم الظهور المهدي (ع)، ص 93–97 تقريباً).
ومن الضروري هنا التمييز بين العلامات التي تسبق الظهور وبين العلامات التي تسهم في تعيين شخص الإمام. فخروج السفياني والصيحة والخسف وغيرها من العلامات يرتبط بمرحلة الظهور وأوقاته وأحداثه، بينما النسب والصفات الخاصة والآيات المرتبطة بالإمام نفسه تدخل في عملية التعرف عليه. ولذلك فإن المنهج الصحيح لا يقوم على علامة واحدة منفردة، وإنما على اجتماع القرائن والأدلة التي تتكامل في إثبات الحق.
وفي مقابل هذه الأدلة، جاءت الروايات محذرة من الادعاءات الكاذبة والمشاهدة المزعومة. فقد ورد في توقيع الإمام المهدي عليه السلام إلى الشيخ السمري التحذير من ظهور من يدعي المشاهدة، وأن من ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر. وقد نقل «موسوعة الإمام المهدي (ع) (تاريخ الغيبة الصغرى)» هذا التوقيع في سياق الحديث عن انتهاء الغيبة الصغرى وبدء الغيبة الكبرى. (موسوعة الإمام المهدي (ع) (تاريخ الغيبة الصغرى)، ج 1، ص 724).
وهذا التحذير يوضح أن معرفة الإمام لا يمكن أن تبنى على الدعاوى الفردية أو الادعاءات المجردة، وإنما لا بد من الرجوع إلى العلامات والحجج التي حددتها الروايات. ولذلك فإن ظهور شخص يدعي الاتصال بالإمام أو رؤيته لا يكفي لإثبات دعواه، ما لم تقترن دعواه بالحجة والمعايير التي تميز الحق من الباطل.
ومن المعايير التي تذكرها الروايات في تمييز المحق من المبطل السؤال عن الحلال والحرام. فقد نقل «ذلك يوم الخروج» أن من وجوه معرفة المحق من المبطل الرجوع إلى علمه بالأحكام، وأن السؤال عن الحلال والحرام يكشف حقيقة المدعي. وهذا المعيار يرتبط بمقام الإمام بوصفه وارث علم النبوة والكتاب، والقادر على بيان الحكم الإلهي ورفع الحيرة عن الناس. (ذلك يوم الخروج، ص 122–125 تقريباً).
وبذلك يصبح العلم بالأحكام الشرعية أحد المعايير التي تدخل في عملية التمييز، إذ إن الإمام الحق لا يكتفي بإثبات نسبه أو دعواه، وإنما يظهر علمه وحجته في بيان الحلال والحرام وإقامة الحكم الإلهي. وهذا ينسجم مع ما ذكره «حقيقة الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر» من أن الإمام المهدي عليه السلام سيحكم بالقانون الإلهي، ويبين الحلال والحرام، ويقيم الحدود، بوصفه وارث علم النبوة والكتاب. (حقيقة الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر، ص 308–310 تقريباً).
ولا تكتمل عملية معرفة الإمام من دون الاستعداد المعرفي السابق للظهور. فالمؤمن مطالب بأن يعرف إمامه قبل وقوع الفتنة، وأن يرسخ اعتقاده به قبل ظهوره، حتى لا يكون عرضة للاضطراب عند ظهور الرايات والدعاوى المختلفة. وقد نقل «عصر السفياني» عن الإمام الصادق عليه السلام في سياق معرفة المحق من المبطل قوله: «يصدّق بها - إذا كانت - من كان مؤمنا بها قبل أن تكون». وهذا يدل على أهمية الإيمان السابق والمعرفة المسبقة في تثبيت المؤمن عند وقوع الأحداث. (عصر السفياني، ص 340).
وتبرز أهمية هذه المعرفة في كون معرفة الإمام مرتبطة بحفظ الهداية. فقد أشار كتاب «معرفة الله» إلى أن معرفة الله تعالى تكون واسطة في معرفة الرسول، ومعرفة الرسول واسطة في معرفة الإمام، وأن معرفة الإمام تكون واسطة في إثبات الهداية وحفظها، وأن فقدان هذه المعرفة يفتح الطريق أمام الضلالات. (معرفة الله، ج 1، ص 271).
ومن هنا فإن المؤمن الذي يهيئ نفسه قبل الظهور بمعرفة الإمام وصفاته ونسبه وعلاماته يكون أقدر على التمييز بين الحق والباطل، ولا تنطلي عليه الدعاوى التي لا تمتلك الحجة. فالمعرفة السابقة لا تمثل مجرد معلومات عن المستقبل، وإنما تشكل حالة من اليقين والثبات في مواجهة الفتن.
وعليه، فإن المنهج الاستدلالي في معرفة الإمام المهدي عليه السلام يقوم على منظومة مترابطة: يبدأ بالبرهان العقائدي والنص والوصية، ويتعزز بالنسب الشريف والصفات الخاصة، وتؤيده الآيات والعلامات الغيبية، وتأتي العلامات الحتمية لتكشف عن قرب الظهور، بينما يشكل العلم بالحلال والحرام معياراً من معايير تمييز المحق من المبطل. وفي الوقت نفسه، تحذر الروايات من دعاوى المشاهدة والادعاءات التي لا تستند إلى الحجة.
والنتيجة أن معرفة الإمام عند ظهوره ليست أمراً قائماً على الحدس أو الدعوى الشخصية، وإنما هي معرفة قائمة على مجموعة من الأدلة المتكاملة. وكلما كان المؤمن أكثر معرفة بهذه الأدلة قبل الظهور، كان أكثر قدرة على الثبات عند الفتنة والتمييز بين الإمام الحق والمدعين. ولذلك فإن الاستعداد للظهور يبدأ من المعرفة، ويترسخ باليقين، ويتحقق بالقدرة على تمييز الحجة الإلهية عن دعاوى الباطل.
موقع ديني مختص في مسائل الإمام المهدي (عج) تابع لشعبة البحوث والدراسات - ق. الشؤون الدينية - الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة