عندما نطلب منه سبحانه: "اللهمّ أرني"، فمضافاً إلى طلب رؤية الإمام الغائب (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فإنّنا نطلب من الله تعالى -أيضاً- أن يُظهر تلك الشمس من خلف سحاب الغيبة، وأن يراه الجميع.
اللَّهُمَّ أَرِنِي الطَّلْعَةَ الرَّشِيدَةَ، وَالْغُرَّةَ الْحَمِيدَةَ، وَاكْحُلْ نَاظِرِي بِنَظْرَةٍ مِنِّي إِلَيْهِ، وَعَجِّلْ فَرَجَهُ، وَسَهِّلْ مَخْرَجَهُ، وَأَوْسِعْ مَنْهَجَهُ، وَاسْلُكْ بِي مَحَجَّتَهُ، وَأَنْفِذْ أَمْرَهُ، وَاشْدُدْ أَزْرَهُ.
"الطلعة" بألف ولام المعرفة، سواء كانت المعرفة عهداً ذكرياً أو ذهنيّاً، هي إشارة إلى أمرٍ دقيق، وهو أنّ وليّ العصر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) معروف في فطرتنا، وليس مبهماً أو مجهولاً لدى الفطرة الإلهيّة المودعة فينا، فكما أنّ فطرتنا إلهيّة كذلك نحن نعرف بالفطرة خليفة الله، ووجه الله، وباب الله.
و"الرشيدة" صفة مشبّهة. وفي الحقيقة، إنّ اسم الفاعل يدلّ على الدوام, وعليه، فإنّ الرشيدة إشارة إلى الوجود الراشد والمرشد أيضاً، فهو يعطي الرشد ويوجده بالنسبة إلى الجميع وفي كلّ الأحوال.
في كتاب مكيال المكارم، في الباب الرابع، يذكر الجمال كإحدى خصائص الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ويقول:
"اعلم، أنّ مولانا صاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أجمل الناس وأحسنهم وجهاً, لأنّه أشبه الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)"(1).
كذلك يستفاد من الروايات، ومن قصص مَن نالوا التوفيق لزيارة يوسف الزهراء (الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف))، أنّ قامة إمام العصر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وهيئته في غاية الجمال والاعتدال، وسيماءه جذّاب ومدهش.
والروايات التي وصفت الجمال الجاذب لآخر حجج الله الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، يمكن تقسيمها من حيث المجموع إلى قسمين:
الأوّل: الروايات التي تتعلّق بوصف سيرته وصورته (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بشكل عامّ، وتعرّفه بعنوان كونه أشبه الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
فعن جابر بن عبد الله الأنصاريّ أنّه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "المهديّ من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خَلقاً وخُلُقاً"(2).
وفي حديث آخر عن أحمد بن إسحاق بن سعد (القمّيّ)، قال: سمعت أبا محمّد الحسن بن عليّ العسكري (عليهما السلام) يقول: "الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتّى أراني الخلف من بعدي، أشبه الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خَلقاً وخُلُقاً"(3).
اعلم، أنّ مولانا صاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) أجمل الناس وأحسنهم وجهاً, لأنّه أشبه الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
وبملاحظة مثل هذه الروايات، فإنّ جميع الصفات والخصال التي نسبها القرآن الكريم والروايات إلى النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)، يمكن نسبتها إلى الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
والروايات التي تصف الخصائص الظاهرية للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كثيرة، نشير إلى واحدة منها فقط:
عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) في وصف النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: "كان نبيّ الله(عليه السلام) أبيضَ مُشْرَباً بحُمرة (4)، أدعج(5) العينين، مقرون الحاجبين، شَثْنَ(6) الأطراف، كأنّ الذهب أُفرغ(7) على براثنه(8)، عظيمَ مُشاشة(9) المنكبين، إذا التفت يلتفت جميعاً من شدّة استرساله(10)، سُربته(11) سائلة من لُبَّته(12) إلى سُرَّته، كأنّها وسط الفضّة المصفّاة، وكأنّ عنقه إلى كاهله(13) إبريُق فضّة، يكاد أنفه إذا شرب أن يرد الماء، وإذا مشى تكفّأ(14) كأنّه ينزل في صَبَب(15)، لم يُرَ مثلُ نبيّ الله قبله ولا بعده (صلى الله عليه وآله وسلم)"(16).
الثاني: الروايات التي تبيّن خصال الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وسيماءه بشكلٍ مفصَّل، وتعدّ خصائصه واحدة واحدة. ومن تلك الروايات:
- ما جاء عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في تشبيهه الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف) به، حيث يقول في وصفه: "بأبي وأمّي سميّي وشبيه موسى بن عمران، عليه جيوب النور - أو قال جلابيب النور- يتوقّد من شعاع القدس"(17).
- وفي رواية أخرى عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) في وصف ولده الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، يقول: "المهديّ من ولدي، وجهه كالقمر الدرّيّ"(18).
- في رواية ثالثة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) في وصفه (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، يقول: "المهديّ رجل من ولدي... على خدّه الأيمن خال، كأنّه كوكب درّيّ"(19).
إمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ليس وجوداً مجهولاً، لكن مع كلّ ما له من إشراق وجوده، فإنّ أعين قلوبنا لا تراه أمّا عليّ بن مهزيار الأهوازيّ، الذي حجّ عشرين مرّة شوقاً إلى لقاء الإمام المهديّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، ثمّ وفّق للقياه، فإنّه يذكر في توصيفه هيئةَ الإمام وصورته الجذّابة يقول: "ناصع(20) اللون، واضح(21) الجبين، أبلج(22) الحاجب، مسنون(23) الخدّين، أقنى(24) الأنف، أشمّ(25) أروع، كأنّه غصن بان، وكأنّ صفحة غرّته كوكب درّيّ، بخدّه الأيمن خال كأنّه فتاة مسك على بياض الفضّة، وإذا برأسه وفرة(26) سحماء(27) سبطة(28) تطالع شحمة أذنه، له سمت(29) ما رأت العيون أقصد منه، ولا أعرف حسناً وسكينةً وحياءً"(30).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم عجل الله تعالى فرجه الشريف، محمّد تقيّ الأصفهانيّ، ج ١، ص١١٣.
(2) كمال الدين وتمام النعمة، الصدوق، ج ١، ص٢٨٦.
(3) المصدر نفسه، ج ٢، ص٤٠٩.
(4) المشرب: الممزوج.
(5) أدعج العينين: أسودهما مع سَعة.
(6) شَثن الأطراف: خشنها.
(7) أُفرغ: صُبَّ.
(8) البراثن: الكفّ مع الأصابع.
(9) المُشاشة: رؤوس العظام الليّنة التي يمكن مضغها، كالمرفقين والكفّين والركبتين.
(10) الاسترسال: الاستئناس بالناس وطمأنينته إليهم.
(11) السُربة: الشعر وسط الصدر إلى البطن.
(12) اللُبّة: موضع القلادة من الصدر.
(13) الكاهل: أعلى الظهر ممّا يلي العنق.
(14) تكفّأ: عاد وتمايل في مشيه.
(15) الصَبَب: ما انحدر من الطريق أو الأرض.
(16) الكافي، الكلينيّ، ج ١، ص٤٤٣.
(17) بحار الأنوار، المجلسيّ، ج ٣٦، ص٣٣٧، كفاية الأثر، ص١٥٨.
(18) المصدر نفسه، ج ٥١، ص٩١, كشف الغمّة، الأربليّ، ج ٢، ص٤٨١.
(19) بحار الأنوار، المجلسيّ، ج ٥١، ص٩٥, كشف الغمّة، الأربليّ، ج ٢، ص٤٦٩.
(20) الناصع: الخالص.
(21) الواضح: الظاهر.
(22) البلجة: نقاوة ما بين الحاجبين، يقال رجل أبلج، بيّن البلج إذا لم يكن مقروناً.
(23) والمسنون: المملس، ورجل مسنون الوجه إذا كان في وجهه وأنفه طول.
(24) القَنا في الأَنف: طوله ودِقَّة أَرْنبته مع حدَب في وسطه.
(25) الشمم ارتفاع في قصبة الأنف مع استواء أعلاه.
(26) الوفرة: الشعرة إلى شحمة الأذن.
(27) السحماء: السواد.
(28) شعر سبط بفتح الباء وكسرها: أي مسترسل غير جعد.
(29) السمت: هيئة أهل الخير.
(30) كمال الدين وتمام النعمة، الصدوق، ص٤٤٦.
المصدر : شرح دعاء العهد ـ تأليف : الشيخ محسن قراءتي.
موقع ديني مختص في مسائل الإمام المهدي (عج) تابع لشعبة البحوث والدراسات - ق. الشؤون الدينية - الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة