مقدمة
تمثل غيبة الإمام المهدي (عج) إحدى القضايا المركزية في العقيدة الإمامية، لما تثيره من تساؤلات تتعلق بطبيعة حياة الإمام، وكيفية ممارسته لدوره الإمامي، وحدود علاقته بالأمة، وحكمة استمرار غيبته وطول مدتها. ولا تنطلق الرؤية الإمامية في تفسير الغيبة من افتراض انقطاع الإمام عن المجتمع أو توقف دوره، وإنما تقوم على التمييز بين غيبة الشخص عن المعرفة العامة وبين غيبته عن الوجود والحياة.
وتعرض النصوص العقائدية الواردة في المصادر محل البحث صورة للإمام المهدي (عج) بوصفه حيًّا في هذه الدنيا، يمارس دوره الإمامي بصورة خفية، ويكون قريبًا من الواقع الإنساني والاجتماعي، وإن كان غير معروف بشخصه لعامة الناس. ومن هنا تبرز فكرة «غيبة الهوية» في مقابل «غيبة الوجود»، إذ إن محل الغياب هو معرفة الناس بشخص الإمام، لا أصل وجوده ولا آثاره.
وتهدف هذه الدراسة إلى بيان طبيعة حياة الإمام المهدي (عج) في الغيبة، وبيان علاقته بالأمة، ووظيفته الإمامية، وآليات رعايته الخفية، مع تناول مسألة طول العمر وحكمة الغيبة، والتمييز بين الغيبة الصغرى والغيبة الكبرى، وذلك في حدود النصوص والمضامين الواردة في المصادر المذكورة.
أولًا: مفهوم الغيبة بين غياب الهوية وغياب الوجود
تقوم الرؤية المطروحة في النصوص على أن غيبة الإمام المهدي (عج) لا تعني غيابه عن الحياة أو انقطاعه عن المجتمع، وإنما تعني عدم معرفة الناس لهويته وشخصه. وبناءً على ذلك، فإن الإمام يمكن أن يكون حاضرًا بين الناس من الناحية المادية، فيراهم ويخالطهم، بينما لا يعرفونه بوصفه الإمام الذي ينتظرونه.
وتقرب النصوص هذه الصورة من خلال التشبيه بحال النبي يوسف (ع)، الذي اجتمع بإخوته وخاطبهم وتعامل معهم، مع أنهم لم يعرفوه بشخصه وحقيقته. وعلى هذا الأساس، فعن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنه قال :
فما تنكر هذه الامة الملعونة أن يفعل الله عز وجل بحجته في وقت من الاوقات كما يفعل بيوسف، إن يوسف عليه السلام كان إليه ملك مصر وكان بينه وبين والده مسيرة ثمانية عشر يوما، فلو أراد أن يعلمه لقدر على ذلك، لقد سار يعقوب عليه السلام وولده عند البشارة تسعة أيام من بدوهم إلى مصر، فما تنكر هذه الامة أن يفعل الله عزوجل بحجته كما فعل بيوسف، أن يمشي في أسواقهم ويطأ بسطهم حتى يأذن الله في ذلك له كما أذن ليوسف، قالوا: أئنك لانت يوسف. قال: أنا يوسف.
الكافي: ج 1 ص 336 - 337
وهذا التصور يؤدي إلى نتيجة عقائدية مهمة، وهي أن الغيبة لا تساوي العزلة. فالإمام، وفق هذه الرؤية، ليس منفصلًا عن المجتمع الإنساني، وإنما يعيش في داخله مع بقاء شخصه مستورًا عن المعرفة العامة. ومن ثم فإن السؤال عن «مكان وجود الإمام» لا ينبغي أن يؤدي إلى افتراض غيابه عن الواقع، لأن طبيعة الغيبة، بحسب هذه النصوص، تتعلق أساسًا بإخفاء الهوية.
ثانيًا: استمرار الوظيفة الإمامية في زمن الغيبة
لا تنحصر وظيفة الإمام، وفق النصوص محل البحث، في الظهور العلني وقيادة المجتمع بصورة مباشرة؛ ولذلك فإن غيابه عن المشاهدة العامة لا يعني توقف وظيفته الإمامية.
فالإمام المهدي (عج) يستمر في ممارسة دوره بوصفه قائمًا بشؤون الإمامة والخلافة الإلهية، وإن كانت ظروف الغيبة تحول دون التبليغ المباشر بالصورة التي كانت متاحة للأئمة السابقين. ومن هنا يصبح وجود الإمام في ذاته جزءًا من الوظيفة الإلهية التي لا تنقطع بسبب الغيبة.
وتوضح النصوص هذا المعنى من خلال تشبيه الانتفاع بالإمام الغائب بالانتفاع بالشمس عندما يحجبها السحاب عن الأبصار. فالشمس، رغم عدم رؤيتها بصورة مباشرة، لا يفقد الناس آثار وجودها؛ إذ يبقى ضوؤها وتأثيرها قائمين. وبالمثل، فإن الإمام المهدي (عج)، وإن كان مستترًا عن الأبصار، يبقى وجوده مؤثرًا في حياة الأمة.
وعليه، يمكن التمييز بين الحضور المباشر الذي يتحقق في زمن الظهور، والحضور غير المباشر أو المستتر الذي تتحدث عنه النصوص في زمن الغيبة.
ثالثًا: طبيعة علاقة الإمام بالأمة
تقدم النصوص صورة للإمام المهدي (عج) بوصفه حاضرًا في ساحة الواقع الإنساني، يراقب شؤون الأمة ويشهد أحوال الناس، مع عدم معرفة عامة الناس بشخصه.
ومن صور هذا الحضور ما تشير إليه النصوص من حضوره موسم الحج ومخالطته للناس، فضلًا عن سيره في أسواقهم ومجالسهم. وهذه الصورة تؤكد مرة أخرى أن الغيبة ليست انفصالًا مكانيًا مطلقًا عن المجتمع، وإنما هي ستر عن المعرفة الشخصية.
كما تتحدث النصوص عن إغاثة المضطرين وقضاء حوائج المؤمنين، بما يعكس تصورًا لوظيفة الإمام في الغيبة باعتبارها وظيفة رعاية مستمرة، وإن كانت تتم بأساليب لا تؤدي إلى انكشاف شخصه للناس.
وبذلك يمكن القول إن العلاقة بين الإمام والأمة في عصر الغيبة تقوم، وفق هذه النصوص، على الرعاية مع الاستتار؛ فالإمام حاضر في دائرة الاهتمام بشؤون الأمة، لكن هذه الرعاية لا تأخذ الشكل القيادي العلني المعروف في عصر الظهور.
رابعًا: الآليات الخفية لرعاية الأمة
تتحدث النصوص عن أن ممارسة الإمام المهدي (عج) لدوره في الغيبة تتم من خلال أساليب خفية. فهو يعمل على ترشيد الأمة، ودعم العاملين في سبيل نشر الإسلام النقي، والحفاظ على روح مقاومة الظلم، فضلًا عن إغاثة المحتاجين وقضاء الحوائج.
ولا تقدم هذه الصورة الإمام باعتباره معزولًا عن حركة الإصلاح، بل باعتباره حاضرًا في خلفية هذه الحركة بصورة لا تكون واضحة لعامة الناس.
ففي رسالة الامام (عجب الله فرجه) الى الشيخ المفيد (رحمه الله) جاء فيها :
نحن وإن كنّا ثاوين بمكاننا النّائي عن مساكن الظالمين حسب الذي أراناه الله تعالى لنا من الصلاح، ولشيعتنا المؤمنين في ذلك، ما دامت دولة الدنيا للفاسقين، فإنّا نحيط علما بأنبائكم، ولا يعزب عنّا شيء من أخباركم، ومعرفتنا بالزلل الذي أصابكم، مذجنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعاً، ونبذوا العهد المأخوذ منهم وراء ظهورهم كأنّهم لا يعلمون.
إنّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولو لا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطلمكم الأعداء، فاتّقوا الله جلّ جلاله، وظاهرونا على انتياشكم من فتنة قد أنافت عليكم، يهلك فيها من حمَّ أجله، ويحمى عليه من أدرك أمله، وهي أمارة لأزوف حركتنا ومباثّتكم بأمرنا ونهينا، والله متمُّ نوره ولو كره المشركون.
فيتبين بأن أثر الإمام في المجتمع لا يشترط، بحسب هذا التصور، ظهوره الشخصي للناس.
وترتبط هذه الفكرة بما تذكره النصوص من وجود أولياء وخواص قد يتشرفون بلقاء الإمام، بحيث يمكن أن تكون لهم أدوار في خدمة أهداف الإصلاح ونشر الدين. غير أن هذا التواصل لا يعني عودة نظام السفارة الخاصة الذي كان قائمًا في الغيبة الصغرى؛ لأن النصوص تميز بوضوح بين مرحلة السفراء وبين مرحلة الغيبة الكبرى.
فعن أبي عبد الله عليه السلام قال لا بد لصاحب هذا الأمر من غيبة ولا بد له في غيبته من عزلة ونعم المنزل طيبة وما بثلاثين من وحشة.
« وما بثلاثين من وحشة » أي هو عليهالسلام مع ثلاثين من مواليه وخواصه ، وليس لهم وحشة لاستيناس بعضهم ببعض ، أو هو عليهالسلام داخل في العدد فلا يستوحش هو أيضا أو الباء بمعنى مع أي لا يستوحش عليهالسلام لكونه مع ثلاثين.
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول ج : 4 ص : 50 للعلامة المجلسي
خامسًا: البعد التكويني والروحي في حياة الإمام
تتجاوز صورة حياة الإمام في الغيبة، وفق النصوص محل البحث، الجانب الاجتماعي والمادي إلى بعد تكويني وروحي. فوجود الإمام لا ينحصر في ممارسة أدوار ظاهرة يمكن للناس ملاحظتها، بل يمتد إلى رعاية خفية لشؤون الأمة والوجود.
وتقارن بعض النصوص هذا النمط من التصرف بما نُسب إلى الخضر (ع) في قصته مع موسى (ع)، حيث ظهرت أفعال لم يدرك موسى في البداية حقيقتها وحكمتها. ويُستفاد من هذا التشبيه أن بعض وجوه الرعاية الإلهية قد تجري بطريقة خفية لا يدرك الناس حقيقتها المباشرة.
ومن هنا فإن الغيبة، في هذا التصور، ليست حالة سلبية من الانقطاع، بل هي نمط خاص من الحضور والرعاية لا ينكشف للناس على نحو كامل.
سادسًا: الإمام المهدي (عج) والخواص في زمن الغيبة الكبرى
تذكر النصوص وجود فئة من الأولياء والخواص الذين يمكن أن يتشرفوا بلقاء الإمام المهدي (عج)، وتربط بينهم وبين بعض صور العمل الإصلاحي في أنحاء الأرض.
ويجب، وفق النصوص المذكورة، التمييز بين هذا اللقاء الخاص وبين مفهوم السفارة الخاصة. ففي الغيبة الصغرى كانت هناك سفارة محددة ومعلومة يمثلها السفراء الأربعة، وكانت وظيفتهم نقل التوقيعات وقضاء حوائج الناس. أما في الغيبة الكبرى فقد انتهت السفارة الخاصة، وحل محلها نظام النيابة العامة للفقهاء.
وعليه، فإن وجود أشخاص قد يتشرفون بلقاء الإمام لا يعني استمرار السفارة الخاصة أو وجود قناة عامة ومعلنة للتواصل معه، بل يمثل، في الإطار الذي تقدمه النصوص، نوعًا من التواصل الخاص الذي لا يغيّر طبيعة الغيبة الكبرى.
سابعًا: إدارة شؤون الأمة في عصر الغيبة الكبرى
تؤكد النصوص أن الغيبة الكبرى لم تترك الأمة دون مرجعية دينية واجتماعية. فبعد انتهاء مرحلة السفارة الخاصة، أصبح الفقهاء والعلماء العدول يمثلون المرجعية العامة للأمة في عصر الغيبة.
وتتمثل وظائف هذه المرجعية في الرجوع إليها في الحوادث العامة، وبيان الأحكام الشرعية، والقضاء، وإدارة شؤون المجتمع الإسلامي، وصيانة الشريعة من التحريف، ودفع الشبهات.
وبذلك حافظت الإمامة، وفق هذا التصور، على صلتها بالمجتمع رغم غياب الإمام عن القيادة العلنية. فالاتصال لم يعد قائمًا على سفير خاص ينقل التوقيعات، وإنما أصبح قائمًا على النيابة العامة للفقهاء، بما يضمن استمرار المرجعية الدينية والاجتماعية للأمة.
وهذا التحول يمثل أحد أبرز الفروق بين الغيبتين الصغرى والكبرى؛ ففي الأولى كانت العلاقة مع القواعد الشعبية تمر عبر سفراء محددين، أما في الثانية فقد انتهت السفارة الخاصة وأصبحت الأمة مطالبة بالرجوع إلى الفقهاء في شؤونها.
ثامنًا: الغيبة الصغرى والغيبة الكبرى
تتميز الغيبة الصغرى بوجود نظام محدد للاتصال بالإمام من خلال السفراء الأربعة، الذين كانوا ينقلون التوقيعات ويتولون حوائج الناس. وانتهت هذه المرحلة بوفاة السفير الرابع علي بن محمد السمري.
أما الغيبة الكبرى فقد بدأت بعد ذلك، ولم يعد فيها سفير خاص يمثل الإمام أمام الناس. ولهذا أصبحت العلاقة مع الإمام ذات طبيعة مختلفة، تقوم على استمرار الإيمان بإمامته وانتظار ظهوره والرجوع إلى المرجعية الدينية المتمثلة بالفقهاء العدول.
وتبرز في هذه المرحلة قيمة الثبات على الاعتقاد بالإمام رغم طول المدة، إذ تتحول الغيبة إلى مرحلة من الاختبار والتمحيص، يُمتحن فيها المؤمنون في مدى ثباتهم على الإيمان والانتظار.
المصادر المعتمدة في هذه الدراسة
الإمام المهدي (ع) واليوم الموعود، ص 200–207، 265، 268، 282–284.
تحقيق لطيف حول التوقيع الشريف، ص 99–103.
دعاء الندبة وتوثيقه من الكتاب والسنة، ص 339–341.
الإمام المهدي (ع) والظواهر القرآنية، ص 70–73.
أضواء على عقائد الشيعة الإمامية، ص 229–233.
أجوبة المسائل في الفكر والعقيدة والتاريخ والأخلاق، ج 1، ص 173.
محاضرات في الإلهيات، ص 391–396.
العقيدة الإسلامية على ضوء مدرسة أهل البيت (ع)، ص 215–219.
أحاديث المهدي (ع) من مسند أحمد بن حنبل، ص 17–20.
الغيبة الصغرى والسفراء الأربعة، ص 12–16.
شمس خلف السحاب، ص 36.
أعلام الهداية، ج 14، ص 174–176.
موقع ديني مختص في مسائل الإمام المهدي (عج) تابع لشعبة البحوث والدراسات - ق. الشؤون الدينية - الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة