ما صفات المنتظِرين للإمام المهدي (عج) ؟

, منذ 3 شهر 232 مشاهدة

الشيخ ابراهيم الانصاري البحراني

الأحاديث الشريفة قد ذكرت صفات للمنتظر وهي (الحزن – التسليم - اليأس- وطول السجود وقيام الليل واجتناب المحارم - والدعوة إلى دين الله سراً و جهراً- وحسن العزاء وكرم الصحبة - وحسن الجوار وبذل المعروف وكف الأذى وبسط الوجه و النصيحة والرحمة للمؤمنين وأداء الأمانة إلى البر والفاجر)

ولكن:

على ضوء ما شرحنا ينبغي أن نعرف بأن صفات المنتظر ليست هي صفات فرديَّة فحسب بل ينبغي أن ينطلق الفرد منها في بادئ الأمر لتستوعب كافَّة زوايا المجتمع الذي يعيشه وتتفاعل به الأمَّة حتى تعمُّ فائدتها، فالانتظار وما يترتب عليه من الصبر والحزن وحسن العزاء واليأس ووو.. كلها لا بد أن تتجسد في المجتمع ولا تنحصر في الفرد ومع تجسُّدها في المجتمع سوف يقترب الفرج وينكشف الضرّ إنشاء الله.

الرفض الاجتماعي

وهاهنا وبصريح العبارة نقول:

أنَّ التكليف الرئيسي الذي يُمثِّل أهم التكاليف في عصر الغيبة هو الرفض ولكن هذا التكليف ليس هو تكليفاً فردياً فحسب بل هو تكليفٌ اجتماعي فيلزم على المؤمن أن يكون رفضُه رفضاً ينطلق من منطلق شرعي الهي حتى يتقرب به إلى الله فيكون عبادةً من نمط العبادات الاجتماعية التي تخيِّم على جميع العبادات الفردية.

ولأجل أن يتَّسم الرافض للمجتمع الفاسد بوسامٍ إلهي ينبغي له أن يمارس الأمور التالية:

الأول: البناء الفردي وأعني به السعي للتقرب إلى الله بالتلبس بلباس التقوى الذي هو خير لباسٍ حتَّى يرتفع مستوى رفضه هذا من السلب المطلق الذِّي هو (لا) إلى سلبٍ يتضمَّن إيجاباً. وعندئذ سوف يكون رفضُه رفضاً مقدَّساً له معنى ومفهوم رسالي عميق فليست كلُّ لاءٍ هي بالفعل لاء، بل هذا النمط من اللاء أفضل من ملايين نعم إن صحَّ القياس بينهما.

فهذا الرفض ليس من السكوت المذموم الذي هو حالةٌ سلبيةٌ جوفاءُ تُعرقل الإنسان والمجتمع. كلاّ! بل هو حالةُ صراخٍ ليس مثلها صراخ (ويكفيك نموذجاً سكوت عليٍّ عليه السلام طوال خمسة وعشرين سنة) وهذه الحالة هي الحالة التكاملية التِّي تبني الإنسان وترفع من مستواه إلى الأعلى وتجعله يتكامل شيئاً فشيئاً من دون الوقوف عند حدٍّ.. وكذلك تُنمِّي المجتمع وترفع مستواه وتجعله يعيش عيشة عزيزة لا يتسرب إليها ذلٌّ وهوان ولا تعتريها آفةٌ وخذلان. فلِمَ لا تكون هذه الحالة أفضل العبادة؟ ولِمَ لا يكون أفضل الجهاد؟ ولم لا يصل هذا الإنسان المتحلِّي به إلى مستوى المتشحط بدمه في سبيل الله؟

الصبر:

الثاني: إنَّ هذا الرفض لا يمكن أن يستقرَّ في ضمير الإنسان إلا بعد تعزيزه بخصال حميدة أخرى وهي:

الأول: الصبر

وهذه الصفة هي أهم تلك الصفات لأنَّها في الواقع الضمان لتلك الحالة، والصبر هاهنا يختلف عن الصبر في المواطن الأخرى بل الصبر الحقيقي الذي هو كالأم لسائر المصاديق هو هذا النوع من الصبر حيث اشتماله على جميع أنواع الصبر التي نطقت بها أحاديثنا الشريفة وهي ثلاثة كما في الحديث الذي نقله المحدِّث الكليني قدِّس سرُّه:

(بإسناده عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم) الصبر ثلاثة: صبرٌ عند المصيبة، وصبرٌ على الطاعة، وصبرٌ عن المعصية[1]...).

وقد ذكرت هذه الرواية درجاتٍ أخروية لكلٍّ من تلك الأصناف الثلاثة

ولكنَّ الصبر الملازم للانتظار قد استوعب هذه المراحل الثلاثة وذلك لأنَّه:

*هناك أعظم مصيبة ابتلى بها المؤمن المنتظر وهي مصيبة فقدان قائده الروحي وإمامه الثاني عشر الحجَّة بن الحسن المهدي (عجَّل الله تعالى فرجه الشريف)، فهو يعيش حالة اليتم وهذه المعضلة العظمى بطبيعتها تتطلَّب الصبر.

*هناك طاعة تتجسد في التبري من كل ما و من هو يزاحم هذه الروحيَّة (أعني روحيَّة الانتظار) (فإنهم عدولي إلاّ ربّ العالمين).

وهناك معاصي محيطة بهذا الإنسان المؤمن إحاطة كاملة، تلك الأمور التي تقصم الظهر من المُغريات المادِّية والتسويلات الشيطانية المنتشرة على مستوى وسيع بحيث لا يلتفت الإنسان يميناً أو يساراً إلاّ وهي بارزة أمامَه خصوصاً في عصرنا الحالي حيث الأقمار الصناعية وحيث الشبكات الدوليَّة مثل الإنترنت والأجهزة الإعلاميّة التّي مهمَّتُها الرئيسي نقل الفساد إلى العالم الثالث.

فالمنتظر للدولة المباركة سوف يعيش كلَّ تلك المغريات طوال حياته فيشاهد بأمّ عينيه أنَّه يسير إلى جهة والعالم بأجمعه يسير إلى جهة أخرى مضادَّة له تماماً ومن ناحية أخرى يشاهد أنَّ جنود الشيطان وأهل الدنيا يمثِّلون السواد الأعظم فهم الملأ الذين يملئون الأعيُن.

ومن المؤسف جدّاً أنَّ أرباب الدنيا ربَّما ينطلقون من منطلق النصيحة والإصلاح والحب في مسيرتهم الباطلة حيث يُتراءى أنهّا حركة إصلاحية بل إسلامية يتقرب بها إلى الله، ومن الصعب أن يقتنعوا بخطأهم أو يحتملوا ذلك، ومن الواضح أنَّ هذا الأمر سوف يجعل المؤمن المنتظر الصابر يعيش حالة صعبة أخرى وهي حالة: (الغربة) ولا تتلخَّص هذه الغربة في الغربة الاجتماعية بل هناك غربة أصعب من ذلك ألا وهي الغربة الفكرية والأيديولوجية التي تؤكد عليها الأحاديث الشريفة وتجعلها من صفات وعلائم المنتظر الحقيقي كالحديث التالي:

(..علي بن موسى الرضا (عليه السلام)… قال بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء قيل يا رسول الله ثم يكون ما ذا قال ثم يرجع الحق إلى أهله[2]).

الثاني: التصابر

فماذا يفعل إذاً هذا الصابر كي يستمرَّ في صبره ولا يهون؟ لابدّ وأن ينتقل من مرحلة الصبر إلى مرحلة أرقى وهي التصابر كي يخلق الصبر في الآخرين حتَّى ينسجموا معه فيستمرَّ في مسيرته ويصمد في مواقفه حتى تحقق تلك الدولة العالميَّة المباركة، وسورة العصر هي التِّي ترسم الطريق للمؤمنين المنتظرين قال تعالى: (بسم الله الرحمن الرحيم والعَصر) أي قسماً بالعصر وربَّما يكون المقصود من العصر في هذه السورة هو عصر الحجَّة (عجلّ الله تعالى فرجه الشريف).

أو ما ذكره الإمام قدّس سرُّه حيث قال: (يقال: أن العصر هو الإنسان الكامل، وهو إمام الزمان سلام الله عليه أي عصارة جميع الموجودات أي قسماً بعصارة جميع الموجودات قسما بالإنسان الكامل) ولا منافاة بين التفسيرين.

(إنَّ الإنسان لفي خُسر) هذا الإنسان الذي قد حُكم عليه بالخسران المطلق هو الإنسان الذي يعيش خارج العصر أي يعيش حالة الغيبة.

والإنسان المذكور هنا يشمل جميعهم (إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) والاستثناء بطبيعته يدلُّ على النُدورة والغربة فالنادر من الناس والقليل منهم يتَّسمون بهذه السمات الأربعة المتوالية والتِّي ترجع بالأخير إلى صفة فاردة وهي (انتظار الفرج) على ضوء ما قدمنا.

إلى متى والجدير بالذكر أنَّ التواصي بالحق والتواصي بالصبر هي حالة ثابتة للمؤمن مادام هو مؤمن.

فمن الأحرى أن يُسأل إلى متى هذا التواصي؟ وفي آخر المطاف هل لمجتمع أن يعيش الراحة والطمأنينة والهدوء؟ وإن كان الجواب سلبياً فأين حكمة الله البالغة وأين لطفه الشامل وأين كرمه الجميل؟

أقول: لابدَّ من وصول الإنسان المؤمن المتَّسم بتلك الصفات إلى مرحلة نهائية وهي مرحلة الكمال، وهي مرحلة العيش في العصر لا خارجه على ما تدلُّ عليه السورة المباركة.

 

[1]  الكافي : 2 / 91 .

[2] عيون أخبار الرضا (ع) - الشيخ الصدوق - ج ١ - الصفحة ٢١٨

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0316 Seconds