إمكانية اللقاء بالإمام المهدي (عج) في الغيبة الكبرى في ضوء التوقيع الشريف

, منذ 1 ساعة 32 مشاهدة

تُعدّ مسألة إمكان رؤية الإمام المهدي (عج) ولقائه في زمن الغيبة الكبرى من المسائل التي دار حولها نقاش واسع بين علماء الإمامية، ولا سيما في ضوء التوقيع الشريف الصادر إلى السفير الرابع علي بن محمد السمري، والذي مثّل الحدّ الفاصل بين عصر الغيبة الصغرى وعصر الغيبة الكبرى. فقد تضمّن التوقيع إعلان انتهاء النيابة الخاصة، والتحذير من ظهور من يدّعي الاتصال بالإمام (عج) على نحو يزعم معه لنفسه مقام السفارة والوساطة بين الإمام وشيعته.

وقد جاء في التوقيع الشريف: «ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر». ومن هنا نشأ محل النزاع: هل المقصود بالمشاهدة في هذا النص نفي أصل رؤية الإمام (عج) ولقائه في زمن الغيبة الكبرى، أم أن المنفي هو نوع خاص من المشاهدة، وهو الذي يقترن بدعوى النيابة والسفارة والاتصال الخاص بالإمام؟

أولاً: التوقيع الشريف وحدود دلالته
لا شك أن التوقيع الشريف يمثل إعلاناً واضحاً لانتهاء عصر السفراء الأربعة، وبداية الغيبة الكبرى التي لا يوجد فيها نائب خاص منصوب من الإمام (عج) على نحو ما كان عليه الأمر في الغيبة الصغرى. ولذلك كان التوقيع سداً لباب السفارة الخاصة، وحاجزاً أمام كل من يحاول أن يجعل من دعوى اللقاء بالإمام وسيلة لإثبات سلطة دينية أو موقع خاص بين الإمام والأمة.

غير أن الكلام يقع في دلالة لفظ «المشاهدة». فهل يدل على مجرد الرؤية البصرية، أم أن له دلالة أوسع ترتبط بالاتصال المستمر والحضور عند الإمام والقدرة على نقل أوامره إلى الناس؟

ذهب عدد من المحققين إلى أن المشاهدة المنفية ليست مجرد رؤية عابرة، وإنما هي المشاهدة التي تتضمن معنى الاتصال الخاص والنيابة والبابية. وقد حمل العلامة المجلسي وغيره من العلماء التوقيع على من يدّعي المشاهدة مقرونة بالنيابة وإيصال الأخبار عن الإمام (عج) إلى الشيعة على نحو ما كان عليه السفراء الأربعة. وبذلك يكون التكذيب موجهاً إلى دعوى السفارة لا إلى أصل إمكان اللقاء.

وهذا الفهم ينسجم مع سياق التوقيع والغرض الذي صدر من أجله؛ فإن الخطر الذي كان يُراد دفعه هو أن يستغل بعض المدعين عاطفة الناس تجاه الإمام الغائب، فيزعم أنه على اتصال مباشر به، وأنه ينقل عنه الأوامر والتعليمات، ثم يجعل نفسه واسطة واجبة الاتباع.

وقد ناقشت هذه المسألة مصادر عديدة، منها: الأربعون في المهدي (ع) وحكاية الجزيرة الخضراء، ص 12–15 ، ومختصر مفيد، ج11، ص 78–83، والمعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي (ع)، ص 878–881.

ثانياً: الفرق بين الرؤية والمشاهدة
من أهم المفاتيح لفهم المسألة التفريق بين «الرؤية» باعتبارها واقعة حسية، وبين «المشاهدة» باعتبارها عنواناً وظيفياً قد يدل على نوع من الاتصال الخاص.

فقد يرى الإنسان شخصاً في واقعة عابرة دون أن يترتب على هذه الرؤية أي مقام أو سلطة أو تكليف للآخرين. أما المشاهدة التي كانت قائمة في عصر الغيبة الصغرى فكانت مرتبطة بالسفراء الذين كانوا يمثلون حلقة الاتصال بين الإمام (عج) وشيعته، ويتلقون الرسائل والأجوبة ويبلغونها إلى الناس. ومن هنا ذهب بعض العلماء إلى أن التوقيع إنما نفى هذا النوع من الاتصال، لا مطلق الرؤية.

وعلى هذا الأساس، فإن من تشرف بلقاء الإمام (عج) في واقعة خاصة، من دون أن يدّعي لنفسه مقام النيابة أو السفارة، ومن دون أن يجعل ذلك وسيلة لإلزام الآخرين بأمر ديني أو شرعي، لا يكون داخلاً في مدلول «الكاذب المفتر» الوارد في التوقيع.

ثالثاً: هل أخبار اللقاءات يمكن ردها جميعاً؟
من الاعتراضات المطروحة أن القول بإمكان اللقاء يتعارض مع كثرة الأخبار والحكايات التي نقلت رؤية الإمام (عج). إلا أن النظر في التراث الإمامي يكشف عن وجود عدد كبير من هذه الروايات والقصص في كتب العلماء، وقد نُقلت بعضها عن رجال عُرفوا بالصلاح والعلم والوثاقة.

ولذلك يرى عدد من المحققين أن من الصعب رد هذه الأخبار كلها جملة واحدة، أو حملها بأجمعها على الوهم والأحلام. فحتى لو لم تكن كل حادثة ثابتة من الناحية السندية، فإن كثرة النقل وتعدد الوقائع والأشخاص جعلت بعض العلماء يميلون إلى القول بإمكان وقوع اللقاء في الجملة.

وهنا ينبغي التفريق بين أمرين: ثبوت قصة معينة عن شخص معين، وبين إثبات الإمكان العام للقاء الإمام (عج). فليس من الضروري تصحيح كل حكاية حتى يقال بإمكان اللقاء، كما أن ضعف بعض القصص لا يستلزم بطلان جميع ما ورد في هذا الباب.

رابعاً: الاتجاه القائل بنفي المشاهدة مطلقاً
في مقابل هذا الاتجاه، ذهب بعض إلى أن ظاهر التوقيع يقتضي نفي المشاهدة في زمن الغيبة الكبرى، وأن باب اللقاء لا ينبغي أن يُفتح أمام الدعاوى التي لا يمكن التحقق منها. ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن الغيبة الكبرى تقتضي الحذر الشديد من كل شخص يدّعي رؤية الإمام (عج)، لأن مثل هذه الدعاوى قد تتحول إلى وسيلة للتأثير في الناس أو ادعاء مقام ديني خاص.

وهذا الاتجاه لا يخلو من وجه احتياطي مهم؛ إذ إن فتح باب ادعاء اللقاء من دون ضوابط قد يؤدي إلى انتشار دعاوى باطلة يصعب التحقق منها. ولذلك فإن حتى القائلين بإمكان اللقاء لا يجعلون مجرد دعوى الرؤية دليلاً على صدق صاحبها، ولا يجيزون بناء الأحكام الشرعية أو المواقف الدينية على مثل هذه الدعاوى.

خامساً: إمكان اللقاء لا يعني ثبوت السفارة
من الضروري هنا التأكيد على أن القول بإمكان رؤية الإمام (عج) لا يعني بأي حال إثبات النيابة الخاصة أو السفارة. فالغيبة الكبرى قامت على انقطاع هذا الطريق، ولا يجوز لشخص أن يدّعي لنفسه مقاماً خاصاً يوجب طاعته باعتباره واسطة بين الإمام والناس.

ولهذا فإن الرؤية، على القول بإمكانها، تبقى واقعة شخصية لا تمنح صاحبها سلطة دينية خاصة، ولا تجعله مصدراً للتشريع، ولا ترفع عنه الضوابط التي يخضع لها سائر المؤمنين. أما إذا تحولت دعوى اللقاء إلى وسيلة لفرض الأوامر أو إثبات النيابة أو طلب الطاعة من الناس، فإنها تدخل في المجال الذي حذّر منه التوقيع الشريف.

وقد بحثت هذه الفكرة مصادر متعددة، منها مكيال المكارم، ج2، ص 341–345، والبشرى في ذكر من حظي برؤية الحجة الكبرى (عج)، ص 6–9، وأبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد، ج2، ص 674–677.

الخلاصة
يمكن القول إن جوهر النزاع في مسألة لقاء الإمام المهدي (عج) في الغيبة الكبرى لا يكمن في إمكان الرؤية من حيث هي رؤية حسية فحسب، وإنما في تحديد المراد من «المشاهدة» التي نفاها التوقيع الشريف. فهناك اتجاه يرى أن التوقيع ناظر إلى دعوى السفارة والنيابة الخاصة والاتصال الذي يمنح صاحبه سلطة على الناس، بينما يرى اتجاه آخر أن ظاهر النص أوسع ويقتضي الحذر من أصل دعوى الرؤية.

وعلى القول الأول، لا يكون ثمة تعارض بين التوقيع الشريف وبين الأخبار التي تتحدث عن تشرف بعض الصالحين بلقاء الإمام (عج)، لأن التوقيع أغلق باب السفارة والنيابة الخاصة، ولم يغلق بالضرورة إمكان اللقاء العرضي الذي لا يترتب عليه أي أثر تشريعي أو قيادي.

ومن هنا فإن المنهج المتوازن يقتضي أمرين متلازمين: عدم إنكار إمكان اللقاء إن لم يقم دليل قاطع على استحالته، وفي الوقت نفسه عدم تحويل حكايات اللقاء إلى باب للنيابة أو السلطة الدينية أو إلزام الآخرين. فالتوقيع الشريف يبقى ميزاناً حاسماً في رد كل من يدّعي السفارة الخاصة، بينما تبقى مسألة التشرف بلقاء الإمام (عج) من الأمور التي لا يصح إثباتها لكل مدّعٍ، ولا يصح في الوقت نفسه الجزم باستحالتها على نحو مطلق.

وبذلك يظهر أن الغيبة الكبرى لا تعني بالضرورة أن الإمام (عج) غائب عن عالم الناس أو عاجز عن رعاية أوليائه، وإنما تعني غياب نظام السفارة الخاصة وانقطاع الطريق الذي كان يربط الإمام بشيعته عبر النواب الأربعة. أما إمكان أن يلتقي به بعض عباده من دون أن يعرفوه بعنوانه، أو أن يعرفه بعضهم في واقعة خاصة من غير أن يترتب على ذلك مقام أو نيابة، فهو بحث آخر لا يكفي التوقيع وحده لإثبات استحالته.

أهم المصادر المذكورة في البحث:

موسوعة الإمام المهدي (ع): تاريخ الغيبة الصغرى، ج1، ص 733–737، و741–745.
موسوعة الإمام المهدي (ع): تاريخ الغيبة الكبرى، ج2، ص 518–520.
الأربعون في المهدي (ع) وحكاية الجزيرة الخضراء، ص 12–15.
البشرى في ذكر من حظي برؤية الحجة الكبرى (عج)، ص 6–9.
المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي (ع)، دار المعروف، ص 878–881.
مختصر مفيد، ج11، ص 78–83.
تحقيق لطيف حول التوقيع الشريف، ص 74–78، و86.
أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد، ج2، ص 674–677.
مكيال المكارم، ج2، ص 341–345.
مقومات الانتصار وتكاليف الانتظار، ص 66–68.
الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية، ج2، ص 294–297.
مجلة تراثنا، العدد 27، ص 212–217.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.1157 Seconds