هل بشرت الكتاب السماوية بالإمام المهدي (عج) ؟

, منذ 3 اسبوع 105 مشاهدة

إن المصلح العالمي الذي بشرت به جميع الديانات هو المهدي ابن الحسن العسكري (عليهما السلام) كما تقوله عقيدة أهل البيت (عليهم السلام) لأن البشارات السماوية لا تنطبق على العقائد الاُخرى، فتكون النتيجة هو أن الديانات السابقة لم تبشر بظهور المنقذ العالمي في آخر الزمان بعنوانه العام وحسب بل شخّصت أيضاً هويته الحقيقية من خلال تحديد صفات وتفصيلات لا تنطبق على غيره (عليه السلام)، وهكذا تكون هذه البشارات دليلاً اضافياً على صحة عقيدة أهل البيت (عليهم السلام) بهذا الشأن.

ونكتفي هنا بالإشارة الى بعض البشارات الواردة في العهدين القديم والجديد «أسفار التوراة والأناجيل» بهذا الصدد، بحكم كونها معتبرةً عند أكبر وأهم الديانات السابقة على الاسلام أي اليهودية والنصرانية; ولأن هذين العهدين الموجودين حالياً قد مرّا بالكثير من التحقيق والتوثيق عند علماء اليهود والنصارى واُجريت بشأنهما الكثير من الدراسات ودونت الكثير من الشروح لهما، ونسخهما كثيرة ومتداولة بترجمات كثيرة لمختلف اللغات، غير أنّ الاعتماد على الاُصول العبرية أدق لوقوع أخطاء ولبس في الترجمات.

فالاقتصار عليهما لا يعني انحصار البشارات التي لا يمكن تفسيرها بغير المهدي المنتظر(عليه السلام) طبق عقيدة مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، بل على العكس فإنّ امثالها موجودة في مختلف كتب الأديان الاُخرى وبتصريحات ودلالات أوضح ذكرتها الدراسات المتخصصة في هذا الباب[1].

ولكنها غير مشهورة عند الجميع ونسخها غير متداولة وأغلبها لم تترجم عن لغاتها الاُم إلا قليلاً.

على أنّ الاقتصار على النماذج المتقدمة من العهدين القديم والجديد فيه الكفاية في الاستدلال على المطلوب، والتفصيلات موكولة للمراجع المتخصصة المشار اليها في طيّات البحث.

الاستناد الى بشارات الكتب السابقة ومشكلة التحريف

وتبقى هنا قضيتان من الضروري التطرّق لهما قبل تثبيت النتائج المتحصّلة من البحث.

القضية الأولى: هي مناقشة السؤال التالي : كيف يمكن الاستناد الى كتب الديانات الاُخرى في اثبات قضية مهمة مثل قضية تشخيص هوية المصلح العالمي المنتظر واثبات أنه المهدي ابن الحسن العسكري (عليهما السلام)، واثبات صحة هذه العقيدة وانتمائها الإلهي مع اتفاق المسلمين على وقوع التحريف في هذه الكتب؟

 نعتقد أن الاجابة على هذا التساؤل ممكنة بقليل من التدبر في حيثيات الموضوع، ويمكن تلخيصها بما يلي:

1 ـ إن اثبات عقيدة منهج أهل البيت (عليهم السلام) في المهدي المنتظر(عليه السلام) يستند الى الكثير من البراهين العقلية والآيات القرآنية وما اتفق عليه المسلمون من صحاح الأحاديث النبوية والواقع التاريخي لسيرة ائمة أهل البيت (عليهم السلام)، كما هو مشهود في الكتب العقائدية التي تناولت هذا الموضوع.

أما الاستناد الى البشارات الواردة في كتب الأديان المقدسة فهو من باب الدليل الاضافي أو الشواهد المؤيدة فلا تسقط النتيجة المتحصلة منه بسقوط أو بطلان الأساس; لأن هذه العقيدة قائمة على اُسس اُخرى أيضاً، اذن لا مجال للاعتراض على صحة هذه العقيدة حتى مع افتراض بطلان بعض اُسسها باعتبار القول بتحريف تلك الكتب.

2 ـ ثمة ثمار مهمة لدراسة وتوثيق هذا الدليل، وهي هداية اتباع الديانات الاُخرى الى الحق والى المصلح الإلهي الحقيقي بالاستناد الى كتبهم نفسها وفي ذلك حجة كاملة عليهم; هذا أولاً، وثانياً فإنّ مثل هذه الدراسة تؤكد الجانب العالمي في القضية المهدوية، وتوفر محوراً جديداً للوفاق بين الأديان المختلفة بشأن المصلح العالمي الذي ينتظرونه جميعاً.

3 ـ وليس ثمة مَن يقول بأن جميع ما في كتب الأديان السابقة محرف، بل إن المتفق عليه بين المسلمين وقوع التحريف في بعضها وليس في كلها . لذلك فإنّ ما صدّقته النصوص الشرعية الاسلامية ـ قرآناً وسنّة ـ مما في الكتب السابقة محكوم بالصحة وعدم تطرق التحريف اليه; وهذا واضحٌ.

الاستناد الى ما صدّقه الاسلام من البشارات

1 ـ من الثابت اسلامياً أن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) قد بشّر بالمهدي الموعود من أهل بيته ومن ولد فاطمة ـ سلام الله عليها[2] ـ، لذلك فإن البشارات الواردة في كتب الأديان السابقة من هذا النمط الذي لم تطاله أيدي التحريف ما دامت منسجمة مع ما صرح في النصوص الشرعية الاسلامية.

اذن لا مانع من الاستناد اليه والاحتجاج به.

2 ـ يُضاف الى ذلك أن القرآن الكريم نفسه قد بشّر بالدولة الإلهية العالمية واقامتها في آخر الزمان كما صرحت بذلك آياته الكريمة التي دلّ عددٌ منها على المهدي الموعود وحتمية وجوده وغيبته، كما سنوضح ذلك في بحث لاحق ان شاء الله تعالى. وهذا يعني تصديق ما ورد في بشارات الأديان السابقة الواردة بالمضمون نفسه، الأمر الذي يعني صدورها من نفس المصدر الذي صدر منه القرآن الكريم، وبالتالي الحكم بصحتها وعدم تطرق التحريف اليها، فلا مانع حينئذ من الاستناد اليها والاحتجاج بها في اطار المضامين التي صدّقها القرآن الكريم.

3 ـ إن بعض هذه البشارات ترتبط بواقع خارجي معاش أو ثابت تاريخياً، بمعنى أن الواقع الخارجي الثابت جاء مصدِّقاً لها.

فمثلاً البشارات التي تشير الى ان المصلح العالمي هو الإمام الثاني عشر من ذرية اسماعيل وأنه من ولد خيرة الإماء وأن ولادته تقع في ظل اوضاع سياسية خانقة ومهددة لوجوده فيحفظه الله ويغيّبه عن أعين الظالمين الى حين موعد ظهوره وأمثالها، كلها تنبأت بحوادث ثابتة تاريخياً، وهذا يضيف دليلاً آخر على صحتها، مادام أن من الثابت علمياً أنها مدونة قبل وقوع الحوادث التي أخبرت عنها، فهي في هذه الحالة تثبت أنها من أنباء الغيب التي لا يمكن أن تصدر إلا ممّن له ارتباط بعلاّم الغيوب تبارك وتعالى. وبذلك يمكن الحكم بصحّتها وعدم تطرق التحريف اليها، وبالتالي يمكن الاستناد اليها والاحتجاج بها[3].

تأثير البشارات في صياغة العقيدة المهدوية

أما القضية الثانية: فهي ترتبط بالاعتراض القائل بأن الاستناد الى هذه البشارات في اثبات عقيدة أهل البيت(عليهم السلام) في المهدي المنتظر(عليه السلام) يفتح باب التشكيك والادّعاء بأن هذه العقيدة تسللت الى الفكر الاسلامي من الاسرائيليات ومحرفات الأديان السابقة.

والجواب على هذا الاعتراض يتّضح من الإجابة السابقة، فهو يصح إذا كانت العقيدة الإمامية المهدوية تستند الى تلك البشارات وحدها في حين أن الأمر ليس كذلك.

 ولو قلنا بأن كل فكرة اسلامية لها نظير في الأديان السابقة هي من الأفكار الدخيلة في الاسلام; لأدى الأمر الى اخراج الكثير من الحقائق والبديهيّات الاسلامية التي أقرّها القرآن الكريم وصحاح الأحاديث الشريفة وهي موجودة في الأديان السابقة، وهذا واضح البطلان ولا يخفى بطلانه على ذي لب. فالمعيار في تشخيص الأفكار الدخيلة على الاسلام هو عرضها على القرآن والسنّة والأخذ بما وافقهما ونبذ ما خالفهما، وليس عرضها على ما في كتب الديانات السابقة ونبذ كل ما وافقها مع العلم بأن فيها ما لم تتطرق له يد التحريف وفيه ما ثبت صدوره عن المصدر الذي صدر عنه القرآن الكريم.

يُضاف الى ذلك أن عقيدة الإمامية في المهدي المنتظر(عليه السلام) تستند الى واقع تأريخي ثابت، فكون الإمام المهدي هو الثاني عشر من أئمة أهل البيت(عليهم السلام) ثابت تاريخياً وحتى ولادته الخفية من الحسن العسكري (عليه السلام) قد سجلها المؤرخون من مختلف المذاهب الاسلامية وأقرها علماء مختلف المذاهب حتى الذين لم يذعنوا أنّه هو المهدي الموعود وإن كان عدد الذين صرحوا بأنه هو المهدي من علماء أهل السنّة غير قليل أيضاً[4].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] راجع مثلاً ما نقله الشيخ الصادقي ـ في كتابه بشارات العهدين ـ من كتب الأديان الاُخرى.

[2] بل أثبتت دراسات عدد من علماء أهل السنّة تواتر هذه الأحاديث الشريفة، مثل كتاب «التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح» للإمام الشوكاني، وكتاب «الاشاعة في أشراط الساعة» للبرزنجي، وكتاب «التصريح» للكشميري وغيرها.[3] هذا الحكم يصدق ايضاً على الأحاديث الشريفة المروية عن الرسول الأكرم وائمة العترة ـ صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين ـ والتي تنبأت بولادة المهدي من الحسن العسكري وغيبته، فثبوت صدورها وتدوينها قبل وقوع الولادة والغيبة بما يزيد على القرن وأكثر ثم تحقق ما أخبرت عنه عملياً يثبت صحتها حتى لو كان ثمة نقاش في بعض أسانيدها; لأن تصديق الواقع لها دليل على صحة صدورها من ينابيع الوحي المتصلة بالله تبارك وتعالى الذي لا يعلم الغيب سواه ولا يطلع على غيبه إلا من ارتضى، وقد استدل العلماء بهذا الدليل الوجداني  على صحة الغيبة وصحة إمامة المهدي ابن العسكري (عليهما السلام) مثل الشيخ الصدوق في إكمال الدين: 1 / 19، والشيخ الطوسي في كتاب الغيبة : 101 ـ 107، والطبرسي في اعلام الورى، وابن طاووس في كشف المحجة وغيرهم.

[4] ذكر الشيخ القندوزي الحنفي في ينابيع المودة الكثير من علماء أهل السنّة القائلين بأن المهدي الموعود هو ابن الحسن العسكري وأنه حي وغائب، كما ذكر الميرزا النوري في كتاب كشف الأستار اربعين عالماً منهم ونقل تصريحاتهم في ذلك، وكذلك فعل العلامة نجم الدين العسكري في كتابه المهدي الموعود المنتظر(عليه السلام) عند علماء أهل السنّة والإمامية، وجمع أقوالهم وتصريحاتهم السيد ثامر العميدي في الجزء الأول من كتابه (دفاع عن الكافي). وكذلك السيد الأمين العاملي في ج5 من المجالس السنية والاستاذ الدخيّل في: الإمام المهدي(عليه السلام).

المصدر: أعلام الهداية.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0408 Seconds