شبهة تضعيفات ابن خلدون لأحاديث المهدي (عج) والرد عليها

, منذ 11 شهر 297 مشاهدة

تذرع منكرو عقيدة ظهور الاِمام المهدي عليه السلام بتضعيفات ابن خلدون لبعض أحاديث المهدي، وللأسف إنهم لم يلتفتوا إلى ردود علماء الدراية من أهل السنة على ابن خلدون، وتناسوا أيضاً تصريح ابن خلدون نفسه أثناء تضعيفه لبعض الاَحاديث الواردة في الاِمام المهدي بصحة بعضها الآخر.

قال الاستاذ الازهري سعد محمد حسن ـ تلميذ الاستاذ أحمد أمين ـ عن أحاديث المهدي: «ولقد أوسع علماء الحديث ونَقَدَتِه هذه المجموعة نقداً وتفنيداً، ورفضها بشدة العلاّمة ابن خلدون[1]».

ومثل هذا الزعم نجده عند اُستاذه أحمد أمين[2]، وكذلك عند أبي زهرة[3]، ومحمد فريد وجدي[4]، وآخرين كالجبهان[5]، والسائح الليبي الذي قال: «وقد تتبع ابن خلدون هذه الاَحاديث بالنقد، وضعفها حديثاً حديثاً[6]».

حقيقة تضعيفات ابن خلدون

مما لاشكَّ فيه، أنَّ ابن خلدون نفسه من القائلين بصحة بعض أحاديث المهدي وضعف بعضها الآخر، وهذا لم يكن اجتهاداً منا في تفسير كلام ابن خلدون بل الرجل صرّح بهذا في تاريخه كما سنوافيك بنقل نص كلامه.

ويبدو لنا أن الاُستاذ أحمد أمين لم يرَ تصريح ابن خلدون بصحة بعض الاَحاديث، فأشار إلى تضعيفاته فقط، ثم نقل هؤلاء عنه ذلك مع صياغة جديدة في التعبير من دون مراجعة تاريخ ابن خلدون.

ثم لو فرضنا أن ابن خلدون لم يصرّح بصحة شيء من أحاديث المهدي، أفلا يكفي تصريح غيره من علماء الحديث والدراية بصحة أحاديث المهدي وتواترها ؟

مع أن اختصاص ابن خلدون هو التاريخ والاجتماع !! ثم ما هو المقدار الذي ضعّفه ابن خلدون حتى يُضخّم عمله بهذه الصورة ؟

إنه لم يضعّف سوى تسعة عشر حديثاً فقط من مجموع ثلاثة وعشرين حديثاً فقط، وهو المجموع الكلّي الذي تناوله ابن خلدون بالدراسة والنقد، لا أكثر، وهو لم يذكر من الذين أخرجوا أحاديث المهدي غير سبعة فقط وهم:

«الترمذي، وأبو داود، والبزّار، وابن ماجة، والحاكم، والطبراني، وأبو يعلى الموصلي[7]»، تاركاً بذلك ثمانية وأربعين عالماً ممن أخرج أحاديث المهدي أولهم ابن سعد صاحب الطبقات (ت|230 هـ) وآخرهم نور الدين الهيثمي (ت| 807 هـ).

كما لم يذكر من الصحابة الذين اُسندت إليهم أحاديث المهدي إلاّ أربعة عشر صحابياً[8]، تاركاً بذلك تسعة وثلاثين صحابياً آخر.

علماً بأنه لم يذكر من أحاديث الصحابة الاَربعة عشر إلاّ اليسير جداً، في حين تتبعنا مرويات أبي سعيد الخدري وحده ـ وهو من جملة الاربعة عشر ـ فوجدناها أكثر من العدد الكلي الذي تناوله ابن خلدون.

بل وحتى الذي اختاره من أحاديث أبي سعيد الخدري لم يذكر سائر طرقه بل اكتفى باليسير منها لعدم علمه ببقية طرق الحديث الاَخرى، ومن راجع ما ذكرناه من طرق أحاديث المهدي وقارنه بما في تاريخ ابن خلدون ـ الفصل 52 من المجلد الاَول ـ عَلِمَ علم اليقين بصحة ما نقول.

ومن هنا تعرض ابن خلدون إلى مؤاخذات عنيفة، وردود مطوّلة ومختصره، وفي هذا الصدد يقول أبو الفيض الشافعي في (ابراز الوهم) في الرد على من تذرع بتضعيفات ابن خلدون:

«في الناس اليوم ممن يخفى عليه هذا التواتر ويجهله ويبعده عن صراط العلم جهله، ويصدّه من ينكر ظهور المهدي وينفيه، ويقطع بضعف الاَحاديث الواردة فيه، مع جهله بأسباب التضعيف، وعدم إدراكه معنى الحديث الضعيف، وتصوره مبادئ هذا العلم الشريف، وفراغ جرابه من أحاديث المهدي الغنية ـ بتواترها ـ عن البيان لحالها والتعريف، وإنما استناده في إنكاره مجرد ما ذكره ابن خلدون في بعض أحاديثه من العلل المزوّرة المكذوبة، ولَمَزَ به ثقات رواتها من التجريحات الملفقة المقلوبة.

مع أنّ ابن خلدون ليس له في هذه الرحاب الواسعة مكان، ولا ضرب له بنصيب ولاسهم في هذا الشأن، ولا استوفى منه بمكيال ولا ميزان.

فكيف يعتمد فيه عليه، ويرجع في تحقيق مسائله اليه ؟! فالواجب: دخول البيت من بابه، والحق: الرجوع في كل فن إلى أربابه، فلا يقبل تصحيح أو تضعيف إلاّ من حفّاظ الحديث ونقّاده[9]».

ثم نقل بعد ذلك عن جملة من حفّاظ الحديث ونقّاده قولهم بصحة أحاديث المهدي وتواترها.

وقال الشيخ أحمد شاكر: «ابن خلدون قد قفا ما ليس له به علم، واقتحم قحماً لم يكن من رجالها، انه تهافت في الفصل الذي عقده في مقدمته تهافتاً عجيباً، وغلط أغلاطاً واضحة. إنّ ابن خلدون لم يحسن فهم قول المحدّثين، ولو اطّلع على أقوالهم وفقهها ما قال شيئاً مما قال[10]».

وقال الشيخ العباد: «ابن خلدون مؤرخ وليس من رجال الحديث فلا يعتد به في التصحيح والتضعيف، وإنما الاعتماد بذلك بمثل البيهقي، والعقيلي، والخطابي، والذهبي، وابن تيمية، وابن القيّم، وغيرهم من أهل الرواية والدراية الذين قالوا بصحة الكثير من أحاديث المهدي[11]».

وعلى أية حال فإنّ حجة المتمسكين بتضعيفات ابن خلدون حجة داحضة لاعتراف ابن خلدون نفسه بصحة أربعة أحاديث من مجموع ما ذكره وهي:

1 ـ ما رواه الحاكم من طريق عون الاعرابي عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري. فقد سكت عنه ابن خلدون ولم ينقده بحرف واحد لوثاقة جميع رجاله عند أهل السنة قاطبة. وهو وإن لم يصرح بصحته إلاّ ان سكوته دليل على اعترافه بصحة الحديث[12].

2 ـ ما رواه الحاكم أيضاً من طريق سليمان بن عبيد، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري. قال عنه ابن خلدون: «صحيح الاسناد[13]».

3 ـ ما رواه الحاكم عن علي عليه السلام حول ظهور المهدي وصححه الحاكم على شرط الشيخين. قال ابن خلدون: «وهو إسناد صحيح كما ذكر[14]».

4 ـ ما رواه أبو داود السجستاني في سننه من رواية صالح بن الخليل، عن أُم سلمة. قال ابن خلدون عن سنده: «ورجاله رجال الصحيح لا مطعن فيهم ولا مغمز[15]».


[1] المهدية في الاِسلام: 69.

[2] المهدي والمهدوية: 108.

[3] الاِمام الصادق: 239.

[4] دائرة معارف القرن العشرين 10: 481.

[5] تبديد الظلام للجبهان: 479 ـ 480.

[6] تراثنا وموازين النقد | علي حسين السائح الليبي: 185. مقال منشور في مجلة كلية الدعوة الاسلامية في ليبيا، عدد | 10 لسنة 1993 م ـ طبع بيروت.

[7] تاريخ ابن خلدون 1: 555 الفصل ـ 52.

[8] تاريخ ابن خلدون: 556.

[9] إبراز الوهم المكنون: 443.

[10] الرد على من كذب بالاحاديث الصحيحة الواردة في المهدي: مقال للشيخ عبد المحسن بن حمد العباد، منشور في مجلة الجامعة الاسلامية في المدينة المنورة العدد | 1 السنة | 12 برقم (46) سنة 1400 هـ.

[11] مقال الشيخ عبد المحسن العباد الآنف الذكر.

[12] تاريخ ابن خلدون 1: 564 من الفصل ـ 52.

[13] تاريخ ابن خلدون 1: 564.

[14] تاريخ ابن خلدون 1: 565.

[15] تاريخ ابن خلدون 1: 568.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0353 Seconds