كيف سيتعامل الإمام المهدي (عج) مع القانون الدولي؟

, منذ 5 شهر 175 مشاهدة

*الشيخ محمد السند

التزمت مدرسة الامامية في الحسن والقبح انهما عقليان ذاتيان وتبعهم في ذلك المعتزلة في قبال الاشاعرة الذين يقولون انهما شرعيان، وهذه المسألة تلقي بضلالها في تشخيص منهاج الحق في الغيبة الكبرى وفي مشروع الظهور.

والان على طاولة الحوار البشـري مطروح للنقاش: هل الصحيح او الحسن هو ما توافق عليه البـشر في المواثيق الدولية وتصالحوا عليه فيما بينهم؟ أم انها واقعية تكوينية أصاب البشر ام أخطأ فيها؟

إن الحسن والكمال تكويني ذاتي في كل البيئات، سواء في نظام الزراعة أو الصناعة أو التربية والأولاد والاسرة أو التعليم والامن.

وهذا الموضوع قد أثير الآن بلغة عصـرية، والبصير من يبصـر الموازنات بين الأبحاث والاثارات العصـرية المتداولة الآن، فيجب موازاة هذه البحوث مع البحوث الاصلية والاصيلة في مبدأ الدين، وهذا امر ليس بسهل.

إن صفة المعصوم (ع) لا تأخذه في الله لومة لائم، فالمعصوم لا يدور في مقام القبح والحسن على لوم البشـر، ولا تعنيه ادانة منظمات الأمم المتحدة، او مؤسسات الإغاثة أو محكمة لاهاي، لأنه يرى ان خالق هذا الكون وخالق النظام الزراعي، والاجتماعي، والحضاري للبشر يرى هذا الطريق نحو الكمال.

وإحدى علل غيبة صاحب العصر والزمان (عج) انه ليس في عنقه بيعة لأحد، أي ليس في عنقه بيعة لأي عرف أو ميثاق دولي لأنه في عنقه بيعة لدين الله ولهذه المبادئ.

وقانون اليوم هو تكريس للطبقية في المجتمعات، وثروات العالم الآن بيد اشخاص لا يتجاوز عددهم أصابع اليد، وفي كل دول العالم أكثر أموال الأرض دُولة بين الأغنياء، فلا الأمم المتحدة استطاعت إيجاد العدالة وإلغاء هذا التفاوت الطبقي، ولا الشيوعية قضت عليه، ولا الاشتراكية، ولا نظام السوق، ولا البورصة، ولا مؤسسات حقوق الانسان كلهم صفقة واحدة على ان تكون دُولة بين الأغنياء منهم!

هذه هي مواثيق البشر ومنظمة الأمم المتحدة التي أدت الى ذلك التفاوت وتلك النتائج، فكيف يكون هذا المصلح الإلهي في عنقه بيعة لهذه التوافقات وهذه المواثيق؟!

يأتي جيل بـشري ثم ينقرض ويأتي جيل آخر، وينقرض الجيل الثاني بأعرافه ومواثيقه وعاداته وتأتي عادات واعراف أخرى وهو سلام الله عليه لا يتأثر بكل تلك الأجيال، ولا بعقولهم القاصرة، ولا بتشخيصاتهم الخاطئة وتوافقاتهم الباطلة، لا يتأثر بها ولا يصيبه غم من ذهابهم، فأي روح هذه؟ وقد روي عن الامام الكاظم عليه السلام انه قال "علامة قوة العقل الصبر على الوحدة"(1).

وهذا ما يشير اليه دعاء الندبة وكيف ان هذه الشخصية الفذة صابرة على وحدة الطريق أتى البشر اليها أم أبطأوا "لَيْتَ شِعْري اَيْنَ اسْتَقَرَّتْ بِكَ النَّوى، بَلْ اَيُّ اَرْض تقلك اَو ثرى، ابِرضوى اَوْ غيرها اَم ذي طوى، عزيز علي اَن اَرى الْخلق وَلا ترى ولا اَسمع لك حسيساً وَلا نجوى، عزيز عَلَي اَن تحيط بك دونِي البلوى ولا ينالك مني ضجيج ولا شكوى، بنفسي اَنتَ من مغيبٍ لم يخل منا، بنفسي اَنت مِنْ نازحٍ ما نزح عنا"

لم يؤويه أحد لأنه لم يهادن، والايواء هنا ليس سكن واكل وشرب بل هو إيواء علاقة وارتباط، وفي بعض المرويات يعبر عنه عجل الله فرجه الشـريف "بالشريد الطريد والوحيد الذي لا يناغى" (2).

فالصبر على الوحدة لا تجعله يحسن ما حسنته الأجيال، ولا يكترث للقول إن الحسن والعرف الصالح ما تصالح عليه البشر، لذلك أجيال من البشر تذهب وهذا الرجل لا يتأثر لأنه لا يأنس الا بطريق الحق ويستوحش طريق الباطل، هذا نفس البيان "الحسن ما حسنه تكويناً العقل الكلي، لا الحسن ما حسنه البشـر"، وهو نفسه "لا تأخذه لومة لائم" ولكنه بعبارة مختلفة، معناه انه ثابت على الدين الحقيقي الذي لا يصاب بالعقول ولا بتوافقات البشر ويمضي قدماً.

لذا يجب علينا نحن المؤمنون ان نتشبع بحقيقة الدين الواقعية ولا نتزلزل عنها بسبب ضغوطات البشـر واستهزائهم، وبسبب التوافقات المضادة من البشـر، لا بد ان نستمسك بأن ليس الحسن ما حسنه الناس ولا القبح ما قبحه الناس، بل الحسن ذاتي بغض النظر عمن أصابه أو اخطأه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) من وصيته عليه السلام لهشام بن الحكم : يا هشام !.. الصبر على الوحدة علامة قوة العقل، فمن عقل عن الله تبارك وتعالى اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها، ورغب فيما عند ربّه، وكان الله آنسه في الوحشة وصاحبه في الوحدة، وغناه في العيلة، ومعزَّه في غير عشيرة. (الحراني، تحف العقول، ص153).

(2) جاء عن الأصبغ بن نباتة انه قال سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول:" صاحب هذا الأمر الشريد الطريد الفريد الوحيد" (الصدوق ، كمال الدين وتمام النعمة، ج ١ ، ص ٣۰٣ ، ب ٢٦ ، ح ١٣).

وعن عيسى الخشاب قال: قلت للحسين بن علي (عليهما السلام): أنت صاحب هذا الأمر؟ قال: " لا ولكن صاحب الأمر الطريد الشريد الموتور بأبيه المكنى بعمه يضع سيفه على عاتقه ثمانية أشهر". (الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ج ١، ص ٣١٨، ب ٣۰، ح ٥).

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0583 Seconds