إيجابيات مسألة المهدي

, منذ 1 سنة 228 مشاهدة

إن فكرة المهديّ الموعود، وبالصورة المشتركة بين الأحاديث، لها جوانب إيجابية، تتوافق عليها أدلّة العقل والعرف، والتدبير، حتى ولو أغفلها مثل عقل المنكر بل تصوّرها من السلبيّات.

(فانتظار الفرج) الذي هو تعبير شائع عن رفض اليأس، وعن عدم القنوط من الرحمة الإلهيّة، هو أمر جد مهمٍ لمن تحوطه المشاكل ويصبح في مأزق منها، وتكاد تقضي عليه، لولا رجاء رحمة الله وقد عُدَ (انتظار الفرج عبادة) من الأحاديث الواردة بطرق عند الشيعة والسُنّة، في غير قضيّة المهديّ الموعود.

(والمهديّ) هو تطبيق عملي وعينيّ لفكرة (الانتظار) للفرج عند الشدّة، وذلك عندما يعمّ الدنيا الظلمُ والجور، ويخيّم اليأس على الجميع، ويخمد صوت العدالة، فيكون (المهديّ) فَرَجا عامّا، يملؤ الدنيا عدلا، ورحمة، وخيرا.

وقد اضطرّ المنكر إلى أن يعترف بهذه الحقيقة، فهو يقول:

شيوع هذه الفكرة وانتشارها بين المظلومين شي طبيعيّ، فهي بؤرة الضوء في ظلام دامس، وواحة الأمل والأمان في دنيا الإنسان المقهور.

فإذا كان هذا شيئا طبيعيا، فهو سُنّة الله في الخلق.

ولكنّ الكاتب ينسى هذه الحقيقة عندما ينحاز إلى التأكيد على السلبيّات، فيقول: إنّ الاستسلام للظلم، إلى أن يخرج مبعوث إلهيّ ليزيله يُعتبر عبثا، وتخديرا للناس، انتظارا لأمل لن يتحقّق، ودفعا للشعوب الإسلاميّة إلى أن ترجو الخلاص بطريق يُخالف سُنّة الله في الكون.

فالذي يظهر لنا في ردّه:

أوّلا: إنّ الأمل في نفسه مدعاة لعدم الاستسلام، وإلاّ لم يُسَمّ أملا، وليس أمر تحقّقه وعدم تحقّقه بعد ذلك أمرا مؤثّرا في كونه أملا، وفي كونه مانعا عن اليأس وضدّ تأثيره.

ولذلك قد يكون الأمل خائبا، وقد لا يخيب بل يتحقّق، وإذا كان الأمل بالله، وبوعده بالخلاص على يد المهديّ الموعود، فهل يحقّ لمؤمن أن يقول: إنّه لن يتحقّق?

وإذا قطعنا النظر عن الإيمان بالمهديّ: فمن أين عرف هذا القائل أنّ هذا الأمل لن يتحقّق، حتى يجزم به? أليس هذا رجما بالغيب، الذي لا يعترف به? وهل هذا منطق البحث العلمي الرصين?

وثانيا: إنّ أحاديث المهديّ ليس فيها ما يدلّ أو يشير أدنى إشارة إلى أنّ المسلمين لا نهضة لهم، ولا عزّ، قبل خروج المهديّ.

وهذا ما ذكره ناصر الدين الألباني، وأضاف: فإذا وجد في بعض جهلة المسلمين مَنْ يفهم ذلك منها، فطريق معالجة جهله أن يُعلّم ويُفهّم، لا أن تردّ الأحاديث الصحيحة بسبب سوء فهمه.

أقول: وهذه النغمة مأخوذة من أحمد أمين ومن تبعه. وقد ردّ عليه العبّاد بقوله: خروج المهديّ في آخر الزمان متّفق مع سُنّة الله في خلقه، فإنّ سُنّة الله تعالى أنّ الحقّ في صراع دائم مع الباطل، والله تعالى يُهيى لهذا الدين في كلّ زمان مَنْ يقوم بنصرته، ولا تخلو الأرض - في أيّ وقت - من قائم لله بحجّته، والمهدي فرد من أُمّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ينصر الله به دينه في الزمن الذي يخرج فيه الدجّال، وينزل فيه عيسى بن مريم عليه السلام من السماء، كما صحّت الأخبار بذلك عن النبي الذي (لا ينطق عن الهوى إنْ هُوَ إلاّ وحي يُوحى).

وثالثا: أين ومتى كان (انتظار المهديّ) سببا للاستسلام? وكيف يحقّ للقائل أن يدّعي هذه السلبيّة? وهؤلاء الشيعةُ، وهم من أشدّ الناس تمسّكا بعقيدة المهديّ المنتظر، ويتوقّعون ظهوره وخروجه، بفارغ الصبر وبكلّ إلحاح، تصديقا لإخبار النبيّ الصادق محمّد صلى الله عليه وآله وسلم.

وهم مستهدَفُون من أجل عقيدتهم هذه بشتّى أنواع التهم والقذف والتسخيف، حتى من قِبَل بعض إخوانهم، الّذين يُشاركونهم في الإسلام.

فبالرغم من التزامهم الأكيد والقويّ بانتظار المهديّ حتى أصبحت ميزةً لهم خاصّة، وكأنّهم وحدهم أُمّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم الذي أخبر بظهور المهديّ ووعد به وأمر بانتظاره والائتمام به.

فمع كلّ ذلك، ها هم الشيعة اليوم، يقفون في الصفّ الأوّل في كلّ الحركات الثورية على الظلمة والمعتدين، وهم يمهّدون للمهديّ ودولته بكلّ ما أُوتوا من حَوْل وطَوْل، ويُعِدون ما استطاعوا من قوّة ومن رباط الخيل، يُرهبون به عدوّ الله، وأعدائهم الكافرين من اليهود والنصارى وأذنابهم من السلفية والعلمانية والبعثية، وأتباع الحكومات المستسلمة اسما، والمستعمرة فكرا وعملا. وهم يعتقدون أنّ ما يقومون به هو (تمهيد) لسلطان المهديّ، وزعزعة للثقة عن قلوب الطغاة والظلمة، وهم الرافضون لكلّ أشكال التعنّت في الحكم، ما مضى منه وما هو قائم باسم الإسلام، ويرفضون كلّ تعنّت وفساد واعوجاج في العقائد والعمل، ويلتزمون - ما أمكنهم - بتطبيق أحكام الإسلام وتحكيم قوانينه على الأرض. ولقد أصبح الشيعة رمزا لكلّ ثائر مؤمنٍ متطلّعٍ إلى الحقّ والعدل، في كلّ الأرض الإسلاميّة، وحتى غير الإسلاميّة.

وأصبحت الحكومات الجائرة، إسلاميّة وغيرها، تتّهم كلّ مُطالب بالحريّة، ورافضٍ للظلم والجور، بأنّه شيعيّ، أو مرتبط بدولة الشيعة، أو مُتعاطف مع الشيعة، أو يستمدّ منهم مالا وسلاحا، وغير ذلك من التهم، التي لا واقع لها فإنّ في المتحرّكين مَنْ لا يعترف بالشيعة ولا بدولة الشيعة.

إنّ هذا الواقع، أدلّ دليلٍ على بُطلان ما يدّعيه القائل بسلبيّة عقيدة المهديّ المنتظر، بأنّها تؤدّي إلى الاستسلام للظلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المهدي في أحاديث المسلمين حقيقة ثابتة

تأليف: السيد محمد رضا الجلالي

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0438 Seconds