ما هو سبب تشبيه غيبة الإمام المهدي (عج) بالشمس التي غيبها السحاب ؟

, منذ 7 شهر 458 مشاهدة

نطقت أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) وبصورة متواترة بأنَّ الله تعالى لا يُخلي أرضه من حجَّة على عباده منذ أنْ خلق الله آدم وإلى قيام الساعة، ولا فرق في ذلك بين أنْ يكون الحجَّة ظاهراً مشهوراً، أو خائفاً مستوراً كما مرَّ في القاعدة الرابعة من قواعد الفصل السابق.

والتسليم بهذه القاعدة يعني الاعتقاد بوجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في أرض الله (عزَّ وجلَّ) وإنْ لم يرَه أحد، وهو بحدِّ ذاته كافٍ لنموِّ الفضيلة، وخلق جوٍّ من التآلف والمودَّة بين المؤمنين الذين يعيشون في حالة انتظار دائم وترقُّب شديد لظهوره (عجَّل الله فرجه)، الأمر الذي يُؤدِّي إلى حفظ المجتمع المسلم من التشتُّت والضياع، ومنعه من الانحدار وراء الشهوات، وصونه من كلِّ انحراف.

كما أنَّ نفس وجود الإمام (عليه السلام) فيه منافع كثيرة ترتبط بحياة الناس جميعاً، من نزول بركات السماء، وعدم المؤاخذة بالعقاب العاجل ونحوها، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة مبيِّناً أهمّيَّة الحجَّة، وهي في زمن نزوله منحصرة برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الأنفال: ٣٣)، وأمَّا بعده (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فلا شكَّ في أنَّها بآله الكرام (عليهم السلام).

لقد حاول الإمام الصادق (عليه السلام) تقريب صورة الانتفاع بالإمام الحجَّة الغائب (عجَّل الله فرجه) بمثال مادِّي محسوس، ليكون ذلك أدعى إلى الإذعان والتصديق.

فعن سليمان بن مهران الأعمش، عن الإمام الصادق، عن أبيه الإمام الباقر، عن أبيه الإمام عليِّ بن الحسين (عليهم السلام)، قَالَ: «نَحْنُ أَئِمَّةُ اَلمُسْلِمِينَ، وَحُجَجُ اَلله عَلَى العَالَمِينَ...، وَلَمْ تَخْلُ الأَرْضُ مُنْذُ خَلَقَ اَللهُ آدَمَ مِنْ حُجَّةٍ لِله فِيهَا، ظَاهِرٍ مَشْهُورٍ أَوْ غَائِبٍ مَسْتُورٍ، وَلَا تَخْلُو إِلَى أَنْ تَقُومَ اَلسَّاعَةُ مِنْ حُجَّةٍ لِله فِيهَا، وَلَوْ لَا ذَلِكَ لَمْ يُعْبَدِ اَللهُ»، قَالَ سُلَيْمَانُ: فَقُلْتُ لِلصَّادِقِ (عليه السلام): فَكَيْفَ يَنْتَفِعُ اَلنَّاسُ بِالحُجَّةِ الغَائِبِ اَلمَسْتُورِ؟ قَالَ: «كَمَا يَنْتَفِعُونَ بِالشَّمْسِ إِذَا سَتَرَهَا اَلسَّحَابُ»(1).

وكما أنَّ السحاب لا يمنع من فوائد الشمس الكثيرة، ولولاها لانعدمت الحياة، فكذلك لا تمنع الغيبة من الفوائد العظيمة المترتِّبة على وجود الإمام (عجَّل الله فرجه)، وهذا ما يُفسِّر لنا معنى قول الإمام الصادق (عليه السلام): «لَوْ بَقِيَتِ الأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ لَسَاخَتْ»(2).

جدير بالذكر أنَّ حديث الإمام الصادق (عليه السلام) المتقدِّم برواية الأعمش هو جزء من حديث عظيم لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) برواية جابر بن عبد الله الأنصاري، قال (رضي الله عنه): لَـمَّا أَنْزَلَ اَللهُ (عزَّ وجلَّ) عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَلله، عَرَفْنَا اَللهَ وَرَسُولَهُ، فَمَنْ أُولُو الأَمْرِ اَلَّذِينَ قَرَنَ اَللهُ طَاعَتَهُمْ بِطَاعَتِكَ؟ فَقَالَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «هُمْ خُلَفَائِي يَا جَابِرُ، وَأَئِمَّةُ اَلمُسْلِمِينَ مِنْ بَعْدِي، أَوَّلُهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، ثُمَّ الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ، ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، ثُمَّ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ اَلمَعْرُوفُ فِي اَلتَّوْرَاةِ بِالبَاقِرِ، وَسَتُدْرِكُهُ يَا جَابِرُ، فَإِذَا لَقِيتَهُ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي اَلسَّلَامَ، ثُمَّ اَلصَّادِقُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ، ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى، ثُمَّ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ الحَسَنُ اِبْنُ عَلِيٍّ، ثُمَّ سَمِيِّي وَكَنِيِّي، حُجَّةُ اَلله فِي أَرْضِهِ، وَبَقِيَّتُهُ فِي عِبَادِهِ، اِبْنُ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، ذَاكَ اَلَّذِي يَفْتَحُ اَللهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَلَى يَدَيْهِ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، ذَاكَ اَلَّذِي يَغِيبُ عَنْ شِيعَتِهِ وَأَوْلِيَائِهِ غَيْبَةً لَا يَثْبُتُ فِيهَا عَلَى القَوْلِ بِإِمَامَتِهِ إِلَّا مَنِ اِمْتَحَنَ اَللهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ»، قَالَ جَابِرٌ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اَلله، فَهَلْ يَقَعُ لِشِيعَتِهِ اَلاِنْتِفَاعُ بِهِ فِي غَيْبَتِهِ؟ فَقَالَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إِي وَاَلَّذِي بَعَثَنِي بِالنُّبُوَّةِ، إِنَّهُمْ يَسْتَضِيئُونَ بِنُورِهِ، وَيَنْتَفِعُونَ بِوَلَايَتِهِ فِي غَيْبَتِهِ كَانْتِفَاعِ اَلنَّاسِ بِالشَّمْسِ وَإِنْ تَجَلَّلَهَا سَحَابٌ. يَا جَابِرُ، هَذَا مِنْ مَكْنُونِ سِرِّ اَلله، وَمَخْزُونِ عِلْمِهِ، فَاكْتُمْهُ إِلَّا عَنْ أَهْلِهِ»(3).

وتشبيه فائدة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في غيبته بفوائد الشمس المجلَّلة بالسحاب يُوحي إلى أُمور، قد تعرَّض لها العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في ذيل هذا الخبر، ولا بأس بنقلها كما هي لفائدتها.

قال (رحمه الله): (بيان: التشبيه بالشمس المجلَّلة بالسحاب يومي إلى أُمور:

الأوَّل: أنَّ نور الوجود والعلم والهداية يصل إلى الخلق بتوسُّطه (عليه السلام)؛ إذ ثبت بالأخبار المستفيضة أنَّهم العلل الغائيَّة لإيجاد الخلق، فلولاهم لم يصل نور الوجود إلى غيرهم، وببركتهم والاستشفاع بهم والتوسُّل إليهم يظهر العلوم والمعارف على الخلق، ويكشف البلايا عنهم، فلولاهم لاستحقَّ الخلق بقبائح أعمالهم أنواع العذاب، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، ولقد جرَّبنا مراراً لا نُحصيها أنَّ عند انغلاق الأُمور، وإعضال المسائل، والبُعد عن جناب الحقِّ تعالى، وانسداد أبواب الفيض، لـمَّا استشفعنا بهم، وتوسَّلنا بأنوارهم، فبقدر ما يحصل الارتباط المعنوي بهم في ذلك الوقت، تنكشف تلك الأُمور الصعبة، وهذا معاين لمن أكحل الله عين قلبه بنور الإيمان، وقد مضى توضيح ذلك في كتاب الإمامة.

الثاني: كما أنَّ الشمس المحجوبة بالسحاب مع انتفاع الناس بها ينتظرون في كلِّ آنٍ انكشاف السحاب عنها وظهورها ليكون انتفاعهم بها أكثر، فكذلك في أيَّام غيبته (عليه السلام) ينتظر المخلصون من شيعته خروجه وظهوره في كلِّ وقتٍ وزمانٍ، ولا ييأسون منه.

الثالث: أنَّ منكر وجوده (عليه السلام) مع وفور ظهور آثاره كمنكر وجود الشمس إذا غيَّبها السحاب عن الأبصار.

الرابع: أنَّ الشمس قد تكون غيبتها في السحاب أصلح للعباد من ظهورها لهم بغير حجاب، فكذلك غيبته (عليه السلام) أصلح لهم في تلك الأزمان، فلذا غاب عنهم.

الخامس: أنَّ الناظر إلى الشمس لا يمكنه النظر إليها بارزة عن السحاب، وربَّما عمي بالنظر إليها لضعف الباصرة عن الإحاطة بها، فكذلك شمس ذاته المقدَّسة وبما يكون ظهوره أضرُّ لبصائرهم، ويكون سبباً لعماهم عن الحقِّ، وتحتمل بصائرهم الإيمان به في غيبته، كما ينظر الإنسان إلى الشمس من تحت السحاب ولا يتضرَّر بذلك.

السادس: أنَّ الشمس قد يخرج من السحاب وينظر إليه واحد دون واحد، فكذلك يمكن أنْ يظهر (عليه السلام) في أيَّام غيبته لبعض الخلق دون بعض.

السابع: أنَّهم (عليهم السلام) كالشمس في عموم النفع، وإنَّما لا ينتفع بهم من كان أعمى كما فُسِّر به في الأخبار قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٢].

الثامن: أنَّ الشمس كما أنَّ شعاعها تدخل البيوت بقدر ما فيها من الروازن والشبابيك وبقدر ما يرتفع عنها من الموانع، فكذلك إنَّما ينتفعون بأنوار هدايتهم بقدر ما يرفعون الموانع عن حواسِّهم ومشاعرهم التي هي روازن قلوبهم من الشهوات النفسانيَّة والعلائق الجسمانيَّة، وبقدر ما يدفعون عن قلوبهم من الغواشي الكثيفة الهيولانيَّة إلى أنْ ينتهي الأمر إلى حيث يكون بمنزلة من هو تحت السماء يحيط به شعاع الشمس من جميع جوابنه بغير حجاب)(4).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) كمال الدِّين (ص ٢٠٧/ باب ٢١/ ح ٢٢)، أمالي الصدوق (ص ٢٥٢ و٢٥٣/ ح ٢٧٧/١٥)، روضة الواعظين (ص ١٩٩)، الاحتجاج (ج ٢/ ص ٤٨)، فرائد السمطين (ج ١/ ص ٤٥ و٤٦/ ح ١١).

(2) قد تقدَّم في (ص ٧٣)، فراجع.

(3) كمال الدِّين (ص ٢٥٣ و٢٥٤/ باب ٢٣/ ح ٣)، كفاية الأثر (ص ٥٣ - ٥٦).

(4) بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ٩٣ و٩٤/ باب علَّة الغيبة وكيفيَّة انتفاع الناس به في غيبته (عليه السلام)/ ذيل الحديث ٨).

المصدر : غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) عند الإمام الصادق (عليه السلام) ـ تأليف: السيد ثامر هاشم العميدي.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0489 Seconds