لماذا إستعمل الإمام المهدي نظام السفراء في الغيبة الصغرى ؟

, منذ 1 سنة 653 مشاهدة

عند الحديث عن التمهيد للغيبة لا بد من ملاحظة نقطتين أولاهما، أنه كما اعتمد الأئمة أساليب التمهيد للعبة، فإن بعض الظروف التي فرضت عليهم ساهمت في التمهيد للغيبة بشكل من الأشكال، لذا يمكن القول إن هناك تمهيدا اختبارياً، وهناك تمهيد قهري فرضته الظروف السياسية والأمنية، مثلا: إذا سجن الإمام ولم يستطع التواصل مع شيعته، فإن الشيعة ستعتاد على التواصل اللامباشر مع الإمام، وهذا يمهد للغيبة، لذا يمكن تسميته بالتمهيد القهري، وهو ليس محل بحثنا ثانيتهما، أن التمهيد الاختياري ينقسم إلى تمهيد عام سبق عصر الغيبة بمدة زمنية طويلة، وتمهيد خاص قارب زمن الغيبة. وهذا موضع بحثنا.

التمهيد العام

نقصد بالتمهيد العام ما سبق عصر الغيبة بفترة زمنية طويلة، من خطوات ساهمت في التهيئة للغيبة نفسياً وفكرياً واجتماعياً. وهذه الخطوات كثيرة حتما إلا أننا سنشير إلى أبرزها:

1- الروايات الصادرة عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمة من ولده (عليهم السلام) التي تحدث المسلمين عن غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) قبل قرابة ثلاثة قرون من وقوع الغيبة. وهذه الروايات كثيرة نذكر منها كمثال ما ورد عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): «إن الله تبارك وتعالى اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختارني منها فجعلني نبيا، ثم اطلع الثانية فاختار منها عليا فجعله إماما، ثم أمرني أن أتخذه أخا ووليا ووصيا وخليفة ووزيرا، فعلي مني وأنا من علي، وهو زوج ابنتي وأبو سبطي الحسن والحسين، ألا وإن الله تبارك وتعالى جعلني وإياهم حججا على عباده. وجعل من صلب الحسين أئمة يقومون بأمري، ويحفظون وصيتي، التاسع منهم قائم أهل بيتي، ومهدي أمتي، أشبه الناس بي في شمائله وأقواله وأفعاله يظهر بعد غيبة طويلة وحيرة مضلة، فيعلن أمر الله ويظهر دين الله عز وجل، يُؤيد بنصر الله ويُنصر بملائكة الله، فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلمًا) (1).

وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: « للقائم منا غيبة أمدها طويل كأني بالشيعة يجولون جولان النعم في غيبته يطلبون المرعى فلا يجدونه ألا فمن ثبت منهم على دينه ولم يقس قلبه لطول أمد غيبة إمامه فهو معي في درجتي يوم القيامة »، ثم قال (عليه السلام): «إن القائم منا إذا قام لم يكن لأحد في عنقه بيعة فلذلك تخفى ولادته ویغیب شخصه (2).

2- اعتماد الأئمة (عليهم السلام) لمنهج خاص في تنمية المواهب العلمية لدى قواعدهم، ما أسهم في بناء كيان علمي وفكري الشيعة في زمن الغيبة فتلاحظ أن الأئمة (عليهم السلام) لم يرتضوا لأصحابهم أن يكونوا ناقلي أحكام شرعية فقط، بل أرادوا منهم أن يستنبطوا الفروع الشرعية من أصولها، لذا كانوا يرجعون أصحابهم إلى كتاب الله للوقوف على أجوبة المسائل التي تواجههم. كما تلاحظ ذلك في إجابة الإمام الصادق (عليه السلام) عن سؤال أحد أصحابه عن حكم الجبيرة، فقال له هذا وأشباهه يعرف من كتاب الله، وقراً له قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَليكُم في الدين من حرج)(3).

ويدل أيضا على نهجهم التربوي والإعدادي هذا ما صدر عنهم لخواصهم من توجيهات لإفتاء الناس والتصدي لأسئلتهم. فعن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال لأبان بن تغلب: «اجلس في مسجد المدينة، وأفتِ الناس، فإنّي أحب أن يُرى في شيعتي مثلك »(4).

وقال له الإمام الصادق (عليه السلام): «يا أبان، ناظر أهل المدينة، فإني أحب أن يكون مثلك من رواتي ورجالي »(5).

وسأل هشام بن الحكم الإمام الصادق (عليه السلام) عن أسماء الله عز وجل ومشتقاتها. فأجابه، وقال له: «هل فهمت يا هشام فهما تدفع به أعداءنا الملحدين بناء »؟ قال: نعم، قال: «نفعك الله عزّ وجلّ به وتبتك». وقد نقل عن هشام قوله: أما والله ما من أحد قهرني أو غلبني في مباحث التوحيد حتى اليوم في مقامي هذا »(6).

وعن عبد الله بن أبي يعفور قال: «قلت لأبي عبد الله الصادق (عليه السلام): إنه ليس كل ساعة ألقاك ولا يمكن القدوم، ويجي الرجل من أصحابنا فيسألني وليس عندي كل ما يسألني : عنه، قال: فما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفي؟ فإنه قد سمع من أبي وكان عنده وجيها»(7).

3- نظام الوكلاء أسس الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) نظام الوكلاء حين اتسعت الرقعة الجغرافية للقاعدة الموالية لهم. وقد اختاروا من بين أصحابهم وثقاتهم من أوكلوا إليه جملة من المهام التي لها علاقة بالإمام (عليه السلام)، مثل قبض الأموال وتلقي الأسئلة والاستفتاءات وتوزيع الأموال على مستحقيها بأمر الإمام (عليه السلام). إضافة إلى مهمة الإرشاد وبيان الأحكام.

وكان الوكيل يخفف العبء عن الإمام وشيعته في ظروف تشديد الرقابة على الإمام (عليه السلام) من قبل السلطة، كما كان يتولى مهمة بيان مواقف الإمام (عليه السلام) السياسية حين لا يكون من المصلحة أن يتولى الإمام (عليه السلام) بنفسه بیان مواقفه بشكل صريح ومباشر. وغدا نظام الوكلاء حلقة الوصل والمؤسسة الوسيطة بين الإمام (عليه السلام) وأتباعه في حال حضور الإمام (عليه السلام) ولا سيما عند صعوبة الارتباط به.

كما أنه أصبح البديل الوحيد للارتباط بالإمام (عليه السلام) في زمن الغيبة الصغرى. وحيث إن الأئمة (عليهم السلام) كانوا يعلمون ويتوقعون الوضع المستقبلي للإمام المهدي (عليه السلام) كما أخبرت بذلك نصوص النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام)، كان الخيار الوحيد للإمام المعصوم في عصر الغيبة الصغرى أن يعتمد على مثل هذه المؤسسة الواسعة الأطراف والمهام. ومن هنا كان الاعتماد على الثقات من جهة، وتعويد الأتباع للارتباط بالإمام (عليه السلام) من خلال وكلاته أمرا لا بد منه، وهذا الأمر يحتاج إلى سياسة تعتمد السنن الاجتماعية وتأخذها بعين الاعتبار، ولا يمكن لمثل هذه المؤسسة البديلة أن تستحدث في أيام الغيبة الصغرى بل لا بد من التمهيد لذلك بإنشائها وإثبات جدارتها تاريخيا من خلال مراجعة الوكلاء والتثبت من جدارتهم، وتجذر هذه المؤسسة في الوسط الشيعي ليكون هذا البديل قادرا على تلبية الحاجات الواقعية لأتباع أهل البيت (عليهم السلام) ومن هنا كان يتسع نشاط هذه المؤسسة ويزداد أهمية دورها كلما اشتدت الظروف المحيطة بالإمام المعصوم (عليه السلام) وكلما اقترب الأئمة (عليهم السلام) من عصر الغيبة وبالإضافة إلى الوثاقة والمقدرة العلمية، كان لا بد من إيجاد رابطة عاطفية تربط الشيعة بالوكلاء، وذلك للتخفيف من الصدمة العاطفية الناجمة عن غياب المعصوم (عليه السلام)  لذا تجد في كثير من الروايات الشريفة إشارات واضحة إلى سمو مقام الوكلاء وعلو شأنهم، حتى أن بعض الروايات أعطتهم كرامات تقرب من كرامات المعصومين (عليهم السلام). فعن يونس بن يعقوب قال: كنت بالحديثة فاستقبلني جعفر بن محمد في بعض أوانها، فقال: اذهب يا يونس فإن بالباب رجلا منا أهل البيت فجئت إلى الباب فإذا عيسى بن عبد الله جالس فقلت : من أنت؟ قال: أنا رجل من أهل قم قال: فلم يكن بأسرع من أن أقبل أبو عبد الله لي على حمار فدخل على الحمار الحالي، ثم التفت إلينا فقال: أدخلا ثم قال يا يونس أحسب أنك أنكرت قولي لك إن عيسى بن عبد الله منا أهل البيت؟ قلت: إي والله جعلت فداك، لأن بن عبد الله رجل من أهل في فكيف يكون منكم أهل البيت؟ قال: يا يونس عيسى بن عبد الله رجل منا حيا وهو منا ميتا(8).

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة م.س، من 258.

(2) م.ن، ص303.

(3) سورة الحج الآية 78.

(4) النجاشي، رجال النجاشي، مركز آل البيت العالمي للمعلومات عن 11.

(5) العلي خلاصة الأقوال مركز الى البيت العالمي للمعلومات من 74.

(6) القمي عباس منتهى الآمال تخريب نادر التقي بيروت الدار الإسلامية 2003، 2 ص 326.

(7) الطوسي، اختيار معرفة الرجال تعلمي ميردامات الأسترابادي، تحقيق مهدي الرجاني، مؤسسة آل البيت الإحياء التراث في 1983، من 224.

(8) المفيد، الأمالي، تحقيق حسين الاستادولي وعلي أكبر الغضادري،ط2، بيروت، دار المفيد، 1993، ص140.

التمهيد للغيبة

المصدر: خليفة الأرض - المنهج السنني في قراءة حركة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، الشيخ حسين رضا زين الدين، ص53-57.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0464 Seconds