هل العقيدة المهدوية من اختراع السفراء ؟

, منذ 1 شهر 154 مشاهدة

 

هل العقيدة المهدوية من اختراع السفراء ؟

السيد علي الحسيني

يقول أحمد الكاتب حرفيّاً: لم يذكر المؤرخون الشيعة أية معجزة له (السفير الأول) تثبت دعواه في النيابة بالرغم من قول السيد عبد الله شبر في حق اليقين: إنّ الشيعة لم تقبل قول النوّاب إلا بعد ظهور آية معجزة تظهر على يد كل واحد منهم من قبل صاحب الأمر، تدلّ على صدق مقالتهم، وصحّة نيابتهم.(الإمام المهدي، حقيقة تاريخيّة أم فرضيّة فلسفيّة ص128، الطبعة السابعة: 2008م.).

مقولة الكاتب هذه مجرّد مثال و أنموذج من مجموعة مبرّراته في اتهام السفراء الأربعة، وجزمه الجزافي بكذبهم، وسأتناول بعضها بشيء من التفصيل في مقال مطوّل، لكن الآن نحن وهذه المقولة، فكيف يمكن نقضها أو مناقشتها؟ ثمة طريقتان للمناقشة والابطال:

الطريقة الأولى: أن ندلّل على سفارة السفير الأوّل، ونثبت صدقه وصحة نيابته الخاصة، وسبيل ذلك: إمّا  اثبات وقوع المعجزة له، أو النصّ عليه من قبل الأئمة، وكلامهما مرفوض سلفاً من قبل  الكاتب فهو ينكر أصل فكرة المعجزة، وينفي وقوعها حتى للأئمة، فقد كتب يقول: "ولسنا بحاجة ماسّة لمناقشة دليل المعجزة أو العلم بالغيب فإنّ هذا الأمر لم يثبت لأحد من الأئمة..." (ص138).! وعندها لا يبقى إلا النصّ على السفير ومدحه وتوثيقه، لكن الأحاديث في هذا الشأن إما يتجاهلها الكاتب أو يقوم بردها للسبب نفسه الذي يرد به المعجزة، فيقول وهو في معرض تعليل ردّ أحد هذه النصوص: إنّ العسكري أخبر باستقامة العمري في المستقبل بعد وفاته، وهذا ما لا يعلمه إلا الله وهو من علم الغيب أصلاً..!(ص128).  وطريقة الكاتب هذه تحيل ذاكرتي إلى ما وضعه كارل بوبر(ت1994م) من معيار في قبول الفرضيات العلميّة، حيث يفيد بأنّ الفرضيات لا تستحق الاهتمام، ولا تكون جديرة بالدراسة ما لم تكن قابلة للتكذيب، ويمكن اثبات خطئها..!، ومع أدراك الفوارق بين السياقين: العلمي والديني، فإنّ كثيراً من مقولات الكاتب لا يمكن مناقشتها واثبات خطأها؛ لأنّها فارغة ومغلقة على نفسها، لذا أعيد السؤال مرّة أخرى: كيف يمكن اختبار مقولة الكاتب آنفاً؟!، أقول: ما عدا الطريقة الأولى ثمّة طريقة أخرى، لا يغدو فيها التكذيب شيئاً ممكناً، والخطأ أمراً وارداً، بل هو أمرٌ واقعٌ، وهي كالتالي:

الطريقة الثانية: وهي مبنيّة على أن يكون مقصوده منها: أنّه وفي الوقت الذي يؤكد فيه علماء الشيعة على أنّ جميع السفراء قد وقعت لهم معاجز، فإنّ  الآثار والروايات التاريخية تخلو مطلقاً مما يحكي وقوع أي كرامة للسفير الأوّل، وهذا هو المستفاد من ظاهر عبارته: لم يذكر المؤرخون الشيعة أية معجزة له. وبناءً عليه: يسعنا تكذيبه، واثبات خطئه، والرد عليه بما  رواه المؤرخّون القدماء، ورواه المحدّثون الأوائل، ودونك ثلاثة فقط:

1-روى الكليني (ت329هـ) في الكافي، وعنه روى المفيد (ت413هـ) في الإرشاد، واللفظ للأخير قال: أخْبَرَني أبو القاسم جعفرُ بن محمد، عن محمد بن يعقوب ، عن عليِّ ابن محمد، عن الحسن بن عيسى العُريضي قالَ :

لمّا مضى أبو محمد الحسنُ بن عليِّ (عليهما السلامُ) وَرَدَ رجلٌ من مصر بمالٍ إِلى مكة لصاحبِ الامْرِ، فاختُلِفَ عليه، وقالَ بعضُ الناسِ: إِنّ أبا محمد قد مَضى عن غير خَلَفٍ. وقال آخرونَ: الخَلَفُ من بعدِه جعفرُ. وقالَ آخرونَ : الخَلَفُ من بعدِه ولدُه .

فبَعَثَ (المصري) رجلاً يكنّى أبا طالب إِلى العسكرِ يبْحَثُ عن الامْرِ وصحّتِه ومعه كتابُ، فصارَ الرجلُ إِلى جعفر وسأله عن برهان، فقالَ له جعفرُ: لا يتهيّأْ لي في هذا الوقتِ . فصارَ الرجلُ إِلى الباب، وأْنفَذَ الكتابَ إِلى أصحابِنا المرسومينَ[الموسومين] بالسفارةِ، فخَرَجَ إِليه : «آجَرَكَ ُ الله في صاحبِك فقد ماتَ، وأوصى بالمالِ الذي كانَ معه إِلى ثقةٍ يَعْمَلُ فيه بما يَجبُ واُجيبَ عن كتابِه » وكان الأمرُ كما قيلَ له. (الإرشاد، ج2،ص364) .

2-روى الصدوق (ت381هـ) أيضاً قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن علي الأسود (رضي الله عنه) قال: دفعت إليّ امرأة سنة من السنين ثوباً وقالتْ: احمله إلى العمري (رضي الله عنه) فحملتُه مع ثياب كثيرة، فلمّا وافيتُ بغداد أمرني بتسليم ذلك كلّه إلى محمد بن العباس القمي، فسلمتُه ذلك كلّه- ما خلا ثوب المرأة- فوجّه إليّ العمري (رضي الله عنه) وقال: ثوب المرأة سلّمه إليه، فذكرتُ بعد ذلك أنّ امرأة سلمتْ إليّ ثوباً، وطلبتُه فلم أجده، فقال لي: لا تغتم، فإنّك ستجده، فوجدتّه بعد ذلك، ولم يكن مع العمري (رضي الله عنه) نسخة ما كان معي.(كمال الدين،ج2،ص502).

3-ونقل الكشي (وهو من أعلام القرن الرابع) عن أحمد بن علي بن كلثوم السرخسي (وكان من القوم, وكان مأمونا على الحديث) حدثني إسحاق بن محمد البصري , قال حدثني محمد بن إبراهيم بن مهزيار قال: إن أبي لما حضرته الوفاة دفع إلي مالا وأعطاني علامة , ولم يعلم بتلك العلامة أحد إلا الله عز وجل , وقال من أتاك بهذه العلامة فادفع إليه المال قال , فخرجت إلى بغداد ونزلت في خان , فلما كان اليوم الثاني إذ جاء شيخ ودق الباب , فقلت للغلام انظر من هذا فقال شيخ بالباب , فقلت ادخل فدخل وجلس , فقال أنا العمري , هات المال الذي عندك وهو كذا وكذا ومعه العلامة قال , فدفعت إليه المال.(الطوسي-اختيار معرفة الرجال، ج2، ص813).

وقبل أن أختم لا يفوتني أن أشير إلى أنّ كلام السيد شبّر تامٌ وسديد، فمضافاً إلى ما مرّ فإنّه(رحمه الله) ناظر -فيما حكاه- إلى طبيعة تعامل الشيعة في عصر الغيبة الصغرى مع دعوى النيابة الخاصّة، وطريقة تمييزهم آنذاك للمدعي الصادق عن غيره من أدعياء السفارة؛ ومن ثمّ فعدم معرفة شخص المعجزة لنا الآن لا ينفي عنه منصب السفارة ما دام النقل المتواتر قد أثبت وقوعها نوعاً، وإلا لنفينا نبوة كثيراً من الأنبياء الذين تسالم الناس على نبوّتهم ولا نملك الآن مستنداً تاريخياً  يحكي لنا طبيعة المعجزة التي وقعت لهم وقتهم.

وفي الختام، وبعد كلّ الذي مرّ: أظنّ القارئ الكريم يسمح للخاطر أنّ يستدعي تعليق الفخر الرازي(ت:604هـ)  على الحديث الذي يتهم نبي الله إبراهيم(ع) بثلاث كذبات، يقول فيه:لأن يُضاف الكذب إلى رواته أولى من أن يضاف إلى الأنبياء !(التفسير الكبير،ج22،ص156), وفي عنوان المقال تسامح، والأصحّ أن يقال: تتعين نسبة كذب إلى الكاتب، لا إلى السفراء الأربعة(رضوان الله تعالى عليهم).

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0377 Seconds