خصائص دولة المهدي (عج) المرتقبة

, منذ 1 سنة 235 مشاهدة

السيد سامي البدري

ان دولة المهدي المرتقبة لا تعني ان الاسلام سوف يبقى معطلا حتى تقام دولته عند ظهور المهدي، بل تعني قيام دولة خاصة كان نموذجها المصغر هو دولة وملك سليمان فقد كان ملكه مؤيدا بقوى الجن والريح والحيوان فضلا عن مؤمني الانس وتزيد على دولة سليمان بان دولة المهدي تعم الارض كلها ولا توجد دولة بعدها وتتصل بعهد القيامة الصغرى ثم تختم الحياة على الارض وقد اشار القرآن الى هذه القيامة الصغرى في اخر الزمان بقوله:

(وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنْ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ * وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ * أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ * وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ).(1)

قوله تعالى : (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم): أي جاء الوقت المحدد والحدث الموعود.

قوله تعالى : (أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنْ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ): والدابة كل ماش على الارض كما في قوله تعالى (مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَاٍ)(2) وهي هنا انسان ميت يحييه الله تعالى بقرينة قوله تعالى اخرجنا من الارض وقوله تكلمهم، والحاجة الى هذه الاية هي ان الناس بعد ظهور المهدي والمسيح قد يبقى الكثير منهم على ما الفه من دين او مذهب ابائه كما اخبر القرآن عن الناس في زمن الانبياء:

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ).(3)

قوله تعالى: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ): أي نحشر من كل امة جماعة ممن يكذب باياتنا.

قوله تعالى: (وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ). اشارة الى الحشر الاكبر والقيامة الكبرى.

ان القيامة الصغرى التي اشارت اليها الآيات تقوم على فكرة عدم الاكتفاء بإقامة دولة العدل المطلق وان ينعم كل انسان وكل فئة بالأمان والعدل والكفاية الاقتصادية والاجتماعية في ظلها كهدف يستوعب حركة للمهدي والمسيح المرتقبة، بل هناك هدف اخر وهو الحوار بين الاديان والمذاهب ومحاكمتها على اساس وسائل الاثبات الواقعية والتاريخية التي تستدعي احياء شهودها ورجالها التاريخيين الذين كانوا طرفا اساسا في تلك المذاهب او الافكار وقد ادخر الله تعالى رسوله عيسى ليقوم بمهمة احياء هؤلاء الشهود التاريخيين بين يدي الحاكم الأعلى المهدي من ال محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

ومن الطريف ان البعض يستنكر على الشيعة قولهم بهذه القيامة الصغرى والتي تسمى بالرجعة وهو يعتقد ان عيسى بن مريم سوف يعود مرة ثانية الى الحياة الدنيا ويقتدي بإمام المسلمين آنذاك كما في رواية البخاري (كيف بكم اذا نزل عيسى بن مريم وامامكم منكم).

الا يسائل هذا البعض نفسه كيف سوف يعرف الناس ان هذا الشخص هو عيسى اذا لم يمارس احياء الموتى وابراء الاكمه والابرص، ثم ان عيسى عليه السلام حين يحيي الموتى هل يتصور البعض انه سيحيي انسانا مات لتوِّه ثم يعيش ساعة بإحياء عيسى له ثم يموت بعدها، ام ان الاكثر تأثيراً والأبلغ في الا مر هو ان يحيي عيسى عليه السلام شخصا ميتا مضت عليه قرون ويعيش بعد احيائه سنوات عديدة، والأبلغ منه حين يحيي شخصا كعلي بن ابي طالب مثلا الذي اختلف المسلمون على موقعه بعد الرسول بين قائل هو كالرسول في موقعه الرسالي والسياسي الا انه لا نبي بعد الرسول وانه لا تجوز مخالفته كما لا تجوز مخالفة الرسول وانه كتب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتبا توارثها الائمة من ولده من بعده ووصلت الى المهدي عليه السلام وبين منكر لذلك كله ليجعل منه الشخص الرابع في الفضل بل لا يعد له بعضهم فضلا بعد ابي بكر وعمر.(4)

ان المهدي عليه السلام يخرج للناس الصحيفة الجامعة التي كتبها علي على الجلد بخط يده واملاء النبي وتوارثها الائمة بنص الهي من النبي على واحد واحد منهم ونشروا ما فيها وكتب الشيعة عن ائمتهم السنة النبوية بهذا الطريق الوثائقي الفريد، حيث معصوم يكتب عن النبي ثم يروي المعصوم بنفسه من تلك الوثيقة كما في قول الامام الصادق عليه السلام (انا لو كنا نفتي الناس برأينا وهوانا لكنا من الهالكين ولكنها اثار من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اصل علم نتوارثها كابرا عن كابر نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم)(5).

غير ان البعض قد يبقى على ما عنده لما الفه عن ابائه وهنا من اجل توفير حجة حسية تقطع العذر يكون احياء صاحب الكتاب ليكتب بيده وليعرف انه الذي كتب وليحدثهم عن مجريات الامور كما شاهدها وجرت، وهكذا حين يقول عيسى للمسيحيين ان المسيحية التي بأيديكم هي لم تكن مني بل من بولس مثلا، ويحيي له بولس ليحدثهم كيف حرف رسالة المسيح من رسالة جاءت تبشر بمحمد واهل بيته الى رسالة تجعل من المسيح خاتم الرسل بل تجعه ثالث ثلاثة.

ويتضح من ذلك ان دولة المهدي ليست لإقامة العدل المطلق في المجتمع البشري حسب بل للانتقال به الى الوحدة الفكرية والمذهبية القائمة على اساس الوثائق التاريخية الصحيحة وهي بذلك تمثل خاتمة المطاف لحركة الانبياء والرسل جميعا وانتصار العقل والعلم والتوحيد على الجهل والخرافة والشرك.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) النمل/82-88.

(2) هود/56.

(3) المائدة/104.

(4) روى البخاري في صحيحه قال : حدثنا شاذان حدثنا عبد العزيز بن أبى سلمة الماجشون عن عبيدالله عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما قال كنا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لا نعدل بأبى بكر احدا ثم عمر ثم عثمان ثم نترك اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم (صحيح البخاري ج4/203طبعة دار الفكر بيروت.

(5) بصائر الدرجات 299.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0371 Seconds