بحث تاريخي في الغيبة

, منذ 1 سنة 558 مشاهدة

الزمان: وقعت الغيبة الصغرى للإمام المهدي (عليه السلام) عند وفاة أبيه الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) سنة 260 هـ، حيث احتجب الإمام المهدي (عليه السلام) عن عامة الناس، إلاّ أنّه كان يلتقي بخيار المؤمنين والصالحين، وانتهت هذه الغيبة بوفاة السفير الرابع من سفرائه عليه السّلام في النصف من شهر شعبان سنة 328 هـ.

المكان: أمّا المكان الذي احتجب فيه الإمام (عليه السلام) فهو في دار أبيه الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في ( سُرَّ مَن رأى = سامرّاء حالياً )، والتي فيها المرقد الطاهر لجثمان جدّه الإمام عليّ الهادي وأبيه الإمام الحسن العسكري (عليهما السلام).

الأوضاع السياسيّة التي عاصرت الغيبة وأطلق بعض الحكام ـ كما فعل المستعين العباسي المتوفى سنة 249 هـ ـ أيدي أمّهاتهم وخدمهم في بيوت الأموال، وأباحوا لهم فِعل ما يشاؤون، حتّى كان بين رياش أم المستعين العبّاسي بساط أنفقت على صنعه 130 ألف ألف دينار ( 130 مليون دينار ) وكان فيه نقوش على أشكال الحيوانات والطيور، أجسادها من الذهب وعيونها من الجواهر.

موقف الحكام العباسيين من القضايا الدينية

شجع بعض خلفاء العباسيين بعض الآراء الفلسفيّة والبحث العقلي في المسائل الدينيّة، فأخذوا ببعض هذه الآراء واضطهدوا المعارضين لها، ومنهم المأمون العبّاسيّ الذي ابتدع مسألة القول بخلق القرآن؛ لإشغال الناس عن النظر فيما يهمهم من الأمور.

وتابعه المعتصم في بدعته، فأمر المعلّمين أن يعلّموه الصبيان، وقتل عليه جمعاً من العلماء، وتبعه في ذلك الواثق العبّاسي(1).

وتفشّى في عصر الإمام الهادي (عليه السلام) آراء لقوم من الغلاة، منها قولهم عن قول الله تعالى: « إن الصلاةَ تنهى عن الفحشاءِ والمنكر » معناها أن الصلاة رَجُل، فلا سجود ولا ركوع! وكذلك الزكاة معناها ذلك الرجل، لا عدد دراهم ولا إخراج مال، فاستَهْوَوا بهذه الأفكار الممسوخة خلقاً كثيراً، وكتب أحدهم إلى الإمام الهادي يسأله عن آراء هؤلاء، فأجابه الإمام (عليه السلام): ليس هذا ديننا، فاعتزله (2).

الإمام العسكريّ (عليه السلام) وشبهة تناقض القرآن ينقل لنا التاريخ أنّ إسحاق الكِندي ـ فيلسوف العراق في زمانه ـ كان قد شرع في تأليف كتاب في تناقض القرآن، وشغل نفسه بذلك وتفرّد به في منزله، وأنّ الإمام العسكري (عليه السلام) التقى يوماً بأحد تلامذة الكندي فقال له الإمام: أما فيكم رجلٌ رشيد يردع أستاذكم الكِندي عمّا أخذ فيه من تشاغله بالقرآن ؟ ثمّ إنّ الإمام عليه السّلام طلب من تلميذ الكِندي أن يذهب إليه فيسأله: ألا يجوز أن يكون الله تعالى قد أراد بالآيات القرآنية غير المعاني التي ذهب إليها الكندي ؟ فذهب تلميذ الكندي وتلطّف إلى أن ألقى عليه هذه المسألة، فدعا بالنار وأحرق جميع ما كان ألّفه (3).

شهادة الإمام الهادي عليه السّلام على يد أيدي حكّام بني العباس استدعى المتوكّل العباسي الإمامَ الهادي (عليه السلام) من المدينة إلى سامراء فأبعده عن مدينة جده (صلّى الله عليه وآله)، وأقام الإمام (عليه السلام) مدةَ مقامه بسُرَّ مَن رأى (سامراء) مكرَّماً معظّماً مبجّلاً في ظاهر الحال، والمتوكّل يبتغي له الغوائل في باطن الأمر ـ حسب تعبير اليعقوبي في تاريخه(4) .

وقد عُرف المتوكل بشدّة عدائه لأهل البيت (عليهم السلام)، حتّى أنّه ضرب رجلاً ألف سوط لأنّه روى حديثاً في فضل محبة الحسنين وأبيهما وأمّهما (عليهم السلام) (5)، وأعطى لشاعرٍ ولاية البحرين واليمامة لأنّه أنشده شعراً يفضّل فيه بني العباس على وُلد فاطمة (عليها السلام) (6)، وسعى في قتل الإمام الهادي عليه السّلام، فلم يُقدِره الله تعالى على ذلك(7).

ثمّ استُشهد الإمام الهادي (عليه السلام) بالسمّ على يد المعتزّ بالله، وقد نقل بعض علماء أهل السنّة أمر استشهاده (عليه السلام بالسم) (8).

شهادة الإمام الحسن العسكري:

عاصر الإمام العسكري (عليه السلام) جزءاً من خلافة المعتزّ، ثمّ خلافة المهدي، واستُشهد عليه السّلام في خلافة المعتمد عن عمر يبلغ 28 عاماً فقط.

وكان المعتمد قد حبس الإمام العسكري (عليه السلام) عند عليّ بن جرين، ثمّ عند صالح بن الوصيف الحاجب(9)، ثم عند نحرير ( من خدم المعتمد وخاصّته )، وكان الأخير يضيّق على الإمام العسكري (عليه السلام)، حتى حلف مرّة أنّه سيرميه بين السباع (10).

وقد روى لنا التاريخ كيفيّة استشهاد الإمام العسكري (عليه السلام) بالسم دون أن يسبق له أن يشكو من علّةٍ ما، ونقل لنا تحرّكات مُريبة لرجال البلاط تُوحي بأنّهم كانوا يتوقّعون وفاته قريباً، ثمّ ينقل لنا أنّ السلطان داهَمَ بيتَ الإمام (عليه السلام) وطلب أثر ولدِه (11).

هذه لمحة سريعة حول الظروف السياسيّة التي عاصرها الإمامان العسكريّان: عليّ الهادي والحسن العسكري (عليهما السلام)، والتي مهّدت لغيبة الإمام المهدي (عليه السّلام).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ تاريخ الخلفاء، للسيوطي 335.

تاريخ الإسلام، للدكتور حسن إبراهيم حسن 337:2.

2 ـ اختيار معرفة الرجال، للكشّي 802:2 ـ 803.

3 ـ المناقب، لابن شهر آشوب 525:4.

4 ـ تاريخ اليعقوبي 209:3، طبعة النجف 1358 هـ.

5 ـ تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي 287:13 ـ 288.

6 ـ الكامل في التاريخ، لابن الأثير 101:7.

7 ـ كشف الغمّة، للأربلي 394:2.

8 ـ ذكر ذلك: سبط ابن الجوزي في تذكرة الخواص 362، وابن الصبّاغ المالكي في الفصول المهمّة، نهاية الفصل العاشر، والشبلنجي في نور الأبصار 150، كما ذكره: المسعودي في مروج الذهب 86:4، والطبرسي في أعلام الورى 355 وغيرهما كثير.

9 ـ الفصول المهمّة 287، الفصل 11، أخبار الدول، للقرماني 117.

10 ـ الإرشاد، للمفيد 334:2.

11 ـ كمال الدين، للصدوق 41:1.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0368 Seconds