ماذا نستفيد من إمام غائب لا يراه الناس ولا يعرفونه ؟

, منذ 1 شهر 51 مشاهدة

الشيخ جعفر السبحاني

إن القيادة والهداية والقيام بوظائف الإمامة، هو الغاية من تنصيب الإمام، أو اختياره، وهو يتوقف على كونه ظاهراً بين أبناء الأمة، مشاهداً لهم، فكيف يكون إماماً قائداً، وهو غائب عنهم؟!

والجواب: على وجهين نقضاً وحلاً.

أما النقض: فإن التركيز على هذا السؤال يعرب عن عدم التعرف على أولياء الله، وأنهم بين ظاهرٍ قائم بالأمور ومختف قائم بها من دون أن يعرفه الناس.

إن كتاب الله العزيز يعرفنا على وجود نوعين من الأئمة والأولياء والقادة للأمة، ولي غائب مستور، لا يعرفه حتى نبي زمانه، كما يخبر سبحانه عن مصاحب موسى (ع) بقوله: (فوجدا عبداً مِن عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علماً * قال له موسى هل أَتبعك على أَن تعلمن مما علمت رشداً[1]).

وولي ظاهر باسط اليد، تعرفه الأمة وتقتدي به.

فالقرآن اذن يدل على أن الولي ربما يكون غائباً، ولكنه مع ذلك لا يعيش في غفلة عن أُمته، بل يتصرف في مصالحها ويرعى شؤونها، من دون أن يعرفه ابناء الأمة.

فعلى ضوء الكتاب الكريم، يصح لنا أن نقول بأن الولي إما ولي حاضر مشاهد، أو غائب محجوب.

وإلى ذلك يشير الإمام علي بن أبي طالب في كلامه لكميل بن زياد النخعي، يقول كميل: أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، فأخرجني إلى الجبان، فلما أصحر، تنفس الصعداء، وكان مما قاله « اللهم بلى، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة، إما ظاهراً مشهوراً، أو خائفاً مغموراً لئلا تبطل حجج الله وبيناته[2]».

وليست غيبة الإمام المهدي، بدعاً في تاريخ الأولياء، فهذا موسى بن عمران، قد غاب عن قومه قرابة أربعين يوماً، وكان نبياً ولياً، يقول سبحانه: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربِه أربعين لَيلة * وقال موسى لأخيهِ هارونَ اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين[3]}.

وهذا يونس كان من أنبياء الله سبحانه، ومع ذلك فقد غاب في الظلمات كما يقول سبحانه: {وذا النون إِذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إِله إلا أنت سبحانك إِني كنت من الظالمين * فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين[4]}.

أولم يكن موسى ويونس نبيَّين من أنبياء الله سبحانه؟ وما فائدة نبي يغيب عن الأبصار، ويعيش بعيداً عن قومه؟

فالجواب في هذا المقام، هو الجواب في الإمام المهدي (عج)، وسيوافيك ما يفيدك من الانتفاع بوجود الإمام الغائب في زمان غيبته في جواب السؤال التالي.

وأما الحل: فمن وجوه:

الأول: إن عدم علمنا بفائدة وجوده في زمن غيبته، لا يدل على عدم كونه مفيداً في زمن غيبته، فالسائل جعل عدم العلم، طريقاً إلى العلم بالعدم!!

وكم لهذا السؤال من نظائر في التشريع الإسلامي، فيقيم البسطاء عدم العلم بالفائدة، مقام العلم بعدمها، وهذا من أعظم الجهل في تحليل المسائل العلمية، ولا شك أنّ عقول البشر لا تصل إلى كثير من الأمور المهمّة في عالم التكوين والتشريع، بل لا تفهم مصلحة كثير من سننه،، وإن كان فعله سبحانه منزّهاً عن العبث، بعيداً عن اللغو.

وعلى ذلك فيجب علينا التسليم أمام التشريع اذا وصل الينا بصورة صحيحة كما عرفت من تواتر الروايات على غَيبته.

الثاني: إن الغيبة لا تلازم عدم التصرف في الأمور، وعدم الإستفادة من وجوده، فهذا مصاحب موسى كان ولياً، لجأ إليه أكبر أنبياء الله في عصره، فقد خرق السفينة التي يمتلكها المستضعفون ليصونها عن غصب الملك، ولم يعلم أصحاب السفينة بتصرّفه، وإلاّ لصدُّوه عن الخرق، جهلاً منهم بغاية عمله.

كما أنّه بنى الجدار، ليصون كنز اليتيمين، فأي مانع حينئذ من أن يكون للإمام الغائب في كل يوم وليلة تصرّف من هذا النمط من التصرّفات. ويؤيد ذلك ما دلّت عليه الروايات من أنه يحضر الموسم في أشهر الحج، ويحجّ ويصاحب الناس، ويحضر المجالس، كما دلت على أنّه يغيث المضطرين، ويعود المرضى، وربّما يتكفّل ـ بنفسه الشريفة ـ قضاء حوائجهم، وإن كان الناس لا يعرفونه.

الثالث: المسلم هو عدم إمكان وصول عموم الناس إليه في غيبته، وأما عدم وصول الخواص اليه، فليس بأمر مسلم، بل الذي دلت عليه الروايات خلافه، فالصلحاء من الأمة الذين يستدر بهم الغمام، لهم التشرف بلقائه، والاستفادة من نور وجوده، وبالتالي تستفيد الأمّة بواسطتهم.

الرابع: لا يجب على الإمام أن يتولّى التصرّف في الأمور الظاهرية بنفسه، بل له تولية غيره على التصرف في الامور كما فعل الإمام المهدي (أرواحنا له الفداء) في غَيبته. ففي الغيبة الصغرى، كان له وكلاء أربعة، يقومون بحوائج الناس، وكانت الصلة بينه وبين الناس مستمرّة بهم. وفي الغيبة الكبرى نصب الفقهاء والعلماء العدول العالمين بالأحكام، للقضاء واجراء سياسات، وإقامة الحدود، وجعلهم حجة على الناس، فهم يقومون في عصر الغيبة بصيانة الشرع عن التحريف، وبيان الأحكام، ودفع الشبهات، وبكل ما يتوقّف عليه نظم أمور الناس.

وإلى هذه الأجوبة أشار الإمام المهدي (ع) في آخر توقيع له إلى بعض نوّابه، بقول: «وأما وجه الإنتفاع بي في غيبتي، فكالإنتفاع بالشّمس إذا غيّبَها عن الأبصار السحاب[5]».


[1] الكهف: 65 ـ 66 .

[2] نهج البلاغة بتعليقات عبده، ج 4، ص 37 قصار الحكم، الرقم 147.

[3] الأعراف: 142.

[4] الأنبياء: 87 ـ 88.

[5] الصدوق: كمال الدين، الباب 45، ص 485 الحديث 4. وقد ذكر العلاّمة المجلسي في وجه تشبيهه بالشمس اذا سترها السحاب، وجوهاً، راجعها في بحار الأنوار ج 52 الباب 20 ص 93 ـ 94.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0218 Seconds