تُثار بين الحين والآخر شبهة مفادها: لو كان الإمام المهدي المنتظر موجودًا حقًا، لظهرت آثاره للناس، ولما بقي أمره خفيًا كل هذه القرون. وهي شبهة تبدو في ظاهرها عقلية، لكنها في حقيقتها ناشئة من تصوّر غير دقيق لوظيفة الإمام وطبيعة دوره في حفظ الدين وهداية الأمة. إذ يفترض أصحابها أن وجود الإمام يلازم الظهور العلني والتبليغ المباشر المستمر، متغافلين عن سنن إلهية جرت في حياة الأنبياء والأوصياء، حيث قد يقتضي الظرف غياب القائد الإلهي عن الأنظار مع بقاء أثره في حفظ الشريعة وصيانة الدين من الاندراس.
ومن هنا، فإن معالجة هذه الشبهة تستدعي أولًا تحرير محل النزاع، وبيان أن وظيفة الإمام لا تنحصر في الظهور الحسي، بل تمتد إلى حفظ أصول الدين وضمان بقائه حيًا في الأمة، ولو من وراء ستر الغيبة. كما تتطلب فهمًا أعمق لمفهوم “الحجة” في النصوص، وأن وجودها لطف إلهي تتحقق به غاية الهداية، سواء أكان ظاهرًا أم غائبًا. وعلى هذا الأساس، سنحاول في هذا المقال مناقشة هذه الشبهة، وبيان أن عدم ظهور الإمام لا ينفي وجوده، بل ينسجم مع الحكمة الإلهية في إدارة شؤون الدين والعباد.
ولذا يقول شيخ الشريعة (قدس سره) :
(و اما ما في عدة من الاخبار من الارض لا تخلو من حجة يفزع إليه الناس في حلالهم و حرامهم
فالمراد به من اذا فزع إليه الناس في الاحكام و تمكن من البيان علي الوجه المتعارف اعرفهم و علمهم و لا يراد بها خصوص الحجة المنتظر المهدي (عجل الله فرجه) بل يعمه و آباءه من النبي (صلى الله عليه وآله) وعترته الطاهرين (سلام الله عليهم اجمعين).
.و لا يراد بها فعلية البيان و التعريف منهم علي الاطلاق
و ليست وظيفة الامام الغائب من هذه الجهة ازيد من آبائه الحاضرين و لا يدل هذه الروايات علي خصوصية زائدة فيه بل المتحصل من الجميع وجوب وجود من يحفظ ببركته الدين عن الاضمحلال و الاندراس ..بحيث لو تمكن الناس من الرجوع إليه و رجعوا و تمكن هو من البيان بالطرق العادية إزاحة عنهم العلل و اوضح لهم كل خفي عليهم و اشكل
و هذا المعني هو الذي نعتقده في الحجة و آبائه الطاهرين ع و كل من يتمسك لقاعده اللطف لا يريد ازيد من هذا المعني ضرورة كفاية هذا القدر في اللطف (مناظرات شيخ الشريعة مع الالوسي /85)
و كما يقول العلامة السبحاني :
(ان الامامية و ان ذكروا ان من وظائف الامام تبليغ الاحكام لكن ارادوا تبليغا حسب الموازين العرفية
و الإمكانات الموجودة التي لا تؤثر الريب و لا الشك
فلو ظهر مثلا الكليني او الصدوق او الشيخ الطوسي
مع معجزة تدل علي صدقه و علمهم الاحكام و حصل له التبليغ لكن يلاحظ عليه امور:
1/من اين يعلم الكليني او ابن بابويه ان الذي ظهر لهم هو الامام الثاني عشر فيجب علي الامام في كل الإتيان باظهار الاعجاز و علي ذلك فعليه ان يقوم بمعاجز كثيرة عبر غيبته الي يومنا هذا
2/لو فرضنا ان الامام ظهر لاحد المشائخ بالاعجاز
فاذعن بما رآه و اذعن فكيف هو يقوم بنقل ما لهذه من الإمام الي الناس افلايكون امره و قوله :لقد رايت الامام المهدي في يوم كذا و كذا و قال ما قال"مريبا و مورثا للشك و الاعتراض؟
3/لو قام الإمام بذلك عبر قرون مضت علي غيبته لاصبح الدين امرا سريا غائبا عن اعين الناس و صار المتدينون جمعية سرية غائبة عن اعين الناس
4/لو فتحنا هذا الباب لاخذه الكذابون وسيلة للدس في الشريعة و ادخال ما لا ينسجم مع ما اراده الله
فربما ينتهي الي قول قائل
و كل يدعي وصلا بليلي
و ليلي لا تقر لهم بذاكا(مناظرات شيخ الشريعة/135)
موقع ديني مختص في مسائل الإمام المهدي (عج) تابع لشعبة البحوث والدراسات - ق. الشؤون الدينية - الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة