كيف يمكن لشخص واحد قيادة العالم ؟!!

, منذ 6 شهر 164 مشاهدة

الشيخ حيدر السندي

من التساؤلات التي طرحت حول الإمام المهدي (ع) السؤال المرتبط بكيفية التصديق بأن شخصاً واحداً فقط يمكنه قيادة العالم، فمن لا يؤمن إلا بالتجربة لا يمكنه أن يصدق ذلك إذ فكرة المهدي (ع) سوف تكون فكرةً قائمة على الاعجاز.

وفي مقام الجواب على هذا السؤال أذكر بعض النقاط المهمة:

عدم إمكان التفكيك بين الفكرة المهدوية و المنطق العقلي:

فمن الخطأ جداً أن يلج الإنسان في محكمة روايات الإمام المهدي(عج) مع إلغاء ثوب المنهج العقلي و ارتداء قميص المنهج الحسي التجريبي المحض، وذلك بسبب أن المنهج العقلي هو المنهج الذي تعتمد عليه التجربة، فأي تجربة لا يمكن أن تنتج إلا في ظل الإيمان بقضايا عقلية سابقة كقضية استحالة اجتماع النقيضين، واستحالة وجود معلول بلا علة، واستحالة صدور كل شيء من أي شيء، فلو لم نؤمن بهذه القضايا  فهل سيكون لملاحظة اقتران ارتفاع الصداع بأخذ أقراص الاسبرين تأثير في حصول اليقين بعلة الاسبرين لرفع الصداع؟

 بالطبع لا، إذ يجيز العقل أن لا يكون علة للعدم، بل ويجيز أن يكون علة للصداع مع تحقق ارتفاع الصداع في كل عملية اقتران!

 إن العقل المحض هو الركن الأساس وحجر الزاوية لجميع المعارف، وهذا العقل هو المثبت للدين وصدق الوحي المخبر عن قضية الإمام المهدي (ع)، فلا بد من دراسة مسألة الإمام المهدي (ع) في سياق معطيات الوحي و اخباره، و محاولة دراسة الفكرة المهدوية في لباس مادي ينكر الغيب و تدخل يد القدرة الإلهية، نظير أن نحاول دراسة الأشكال و اقتناص أحكام منها مع إلغاء كونها ذات امتداد، أو دراسة المثلثات مع فرضها تتكون من أكثر من ثلاث زوايا، فإن الفكرة المهدوية فكرة غيبية إلهية لا ينفك الإيمان بها عن التوحيد و النبوة ، وفي ضمن سياق الدين ينبغي أن تدرس ، إذ إن انكار الدين وقيمة الأدلة العقلية التي يستند إليها سوف تنهار جميع معارفه المنتهية إليه، فلا معنى للبحث عن حقانيتها.

ولهذا نعلق على عبارة: (فمن لا يؤمن إلا بالتجربة لا يمكنه أن يصدق ذلك إذ فكرة المهدي (ع) سوف تكون فكرةً قائمة على الاعجاز) بأن كون الفكرة إعجازية لا يعيبها ما دام عليها دليل قطعي يفيد العلم بها.

وعليه إذا كان الإمام المهدي (ع) رجلاً مسدداً من قبل الله تعالى، و تعينه الملائكة، و عنده علم خاص يدرك به حقائق الأشياء والمستقبل فإن قدرته على الإدارة مع وجود الأوفياء، وعدم حاجة الناس إلى الظلم بسبب توفر الخيرات سوف تكون أمراً ممكناً بلا ريب وشك.

والروايات بينت تأييد الله تعالى له (ع) فعن أبي سعيد عن النبي (ص): تتنعّم أمّتي في زمن المهدي نعمة لم ينعّموا مثلها قطّ، ترسل السماء عليهم مدرارا، ولا يزرع الأرض شيئا من النبات إلّا أخرجته، والمال كدوس، يقوم الرجل فيقول: يا مهدي! أعطني ، فيقول: خذ.

وروي أنّ رسول الله (ص) قال: يخرج في آخر أمّتي المهدي، يسقيه الله الغيث، وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحا، وتكثر الماشية، وتعظم الامّة، يعيش سبعا أو ثمانياً، يعني: حججا.

وعن النبي (ص) قال: تأوي إليه امّته كما تأوي النحلة يعسوبها ، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جوراً، حتّى يكون الناس على مثل أمرهم الأوّل، لا يوقظ نائما، ولا يهريق دما[1].

 و عن قتادة، قال: قال رسول الله (ص): إنّه سيخرج الكنوز، ويقسّم المال، ويلقي الإسلام بجرانه[2].

وهذا يكشف عن أن ذلك الزمان يعم فيه الخير و تنتفي مقتضيات التمرد، و إذا شاهد الناس بركات حكمه وعموم الخير فما تقتضيه طبيعة الأمور أن يلتفوا حوله و يدعمون حكمه ليدوم الرخاء خصوصاً مع ظهور بركته على آحادهم بالمباشرة أو التسبيب، في اتساع آفاق إدراكهم و قوة عقولهم وهو ما يوجب غلبة الحكمة على الهوى، فعن ابن أبي يعفور، عن مولى لبني شيبان، عن أبي جعفر (ع) قال: إذا قام قائمنا وضع الله يده على رؤوس العباد، فجمع بها عقولهم، وكملت به أحلامهم[3].

وعليه يتضح أن إمكانية قيادة العالم وفق السياقات الطبيعية مما لا يمنعه العقل.


[1] إثبات الهداة : ج ٦ ص ٤٤٦ ـ ٤٤٧ ب ٣٢ ح ٢٣٨.

[2] الفتن: ص ١٩٢ ب سيرة المهدي.

[3] الكافي : ج ١ ص ٢٥ كتاب العقل والجهل ح ٢١

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0899 Seconds