صغرى وكبرى.. ما السبب وراء وجود غيبتين للإمام المهدي؟

, منذ 7 شهر 170 مشاهدة

الشيخ نزار ال سنبل

لعل السائل يقول: ما هي العلَّة من وجود غيبتين لصاحب العصر والزمان (عليه السلام) صغرى وكبرى؟ فلماذا لا يكون الاقتصار على واحدة؟

والجواب عن ذلك: أنَّ العقل البشري قاصر عن إدراك حقائق الأُمور، وما وراء الغيب إلَّا أن يأتينا شيء ممَّن يُخبِرون عن الله سبحانه وتعالى بطريق صحيح، وهم الأنبياء والرسل والأئمَّة (عليهم السلام)، وبدون ذلك لا نعلم علَّة ما نحن فيه، ولا سبيل للقطع بشيء؛ ولكن الذي نعلمه أنَّ الله تبارك وتعالى حكيم عليم، لا يفعل شيئاً عبثاً ولغواً، فلا شكَّ عندنا حينئذٍ بأنَّ لغيبته علَّة وحكمة، وأنَّ خفاءها عنّا لا يعني انعدامها.

ومع ذلك فقد تُذكر بعض الوجوه - دون القطع بشيء منها - لبيان وجه الحكمة:

الوجه الأوَّل:

الخطر المحدق بالإمام (عليه السلام) وبشيعته في ذلك الوقت؛ فإنَّ الغيبة الصغرى كانت مقدَّمة توعوية للغيبة الكبرى، بمعنى: أنَّ الغرض من الغيبة الصغرى هو تأهيل الأُمَّة وتوعيتها إلى غيبة لم يُسبَق لها نظير في حجج الله تبارك وتعالى؛ لتصل إلى درجة من الوعي والكمال تستطيع من خلاله تقبُّل غيبة حجَّة الله طوال هذه الفترة بعد اعتيادها على وجود الحجَّة ظاهراً معروفاً بين الناس، وتستطيع من خلال ذلك الاعتماد على نفسها وعلى علمائها لتدبير شؤونهم الدينية، وسيأتي ما يزيد توضيح هذه النقطة.

الوجه الثاني:

إنَّ المستقرئ للظروف والملابسات التي احتفَّت بزمان الإمام الهادي والعسكري (عليهما السلام) وشدَّة الجور الذي وقع عليهما يُدرِك تماماً أنَّ السلطة العبّاسية في ذلك الوقت كانت تسعى جادَّة للبحث عن الإمام المهدي (عليه السلام) لقتله والتخلُّص منه، وبما أنَّ التمهيد للغيبة الكبرى التامَّة يحتاج إلى خطوات تكميلية فلا بدَّ من مرحلة وسطى بين الظهور والغياب التامّ، والمرحلة الوسطى هي الغيبة الصغرى.

ويمكن ذكر عدَّة شواهد على الخطر المحدق بالإمام (عليه السلام) ومبدأ الإمامة بشكل عامّ:

الشاهد الأوَّل:

إجبار الإمام الهادي (عليه السلام) وإكراهه على الخروج من مدينة جدِّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) إلى سامراء؛ لأجل إخضاعه تحت السيطرة والمراقبة الدائمة والشديدة، تحسّباً وترقّباً لولادة حفيده المهدي (عليه السلام)، والذي أجبر الإمام الهادي على ذلك آنذاك هو الخليفة العبّاسي المتوكِّل الذي شهد المؤرِّخون بشدَّة عداوته لأهل بيت النبوَّة (عليهم السلام)، قال الذهبي في سير أعلام النبلاء: (وفي سنة ستّ وثلاثين: هدم المتوكِّل قبر الحسين (رضي الله عنه)، فقال البسامي أبياتاً منها:

 

أسفوا على أن لا يكونوا شار              كوا في قتله فتتبَّعوه رميماً

وكان المتوكِّل فيه نصب وانحراف، فهدم هذا المكان، وما حوله من الدور، وأمر أن يُزرَع، ومنع الناس من انتيابه).

ومن شواهد نصبه، ما ذكره الذهبي أيضاً: (ويُروى أنَّ المتوكِّل نظر إلى ابنيه المعتزّ والمؤيَّد، فقال لابن السكّيت: من أحبُّ إليك هما، أو الحسن والحسين؟ فقال: بل قنبر. فأمر الأتراك، فداسوا بطنه، فمات بعد يوم).

هذه هي الفترة التي عاصرها الإمام الهادي (عليه السلام).

الشاهد الثاني:

ما رواه الشيخ الصدوق (قدّس سرّه) في (كمال الدين ص408): عن موسى بن جعفر بن وهب البغدادي أنَّه خرج من أبي محمّد (عليه السلام) توقيع: «زعموا أنَّهم يريدون قتلي ليقطعوا هذا النسل، وقد كذَّب الله (عزَّ وجلَّ) قولهم، والحمد لله».

الشاهد الثالث:

ما رواه الشيخ الكليني (قدّس سرّه) من وجود جواسيس على دار الإمام العسكري (عليه السلام) في سامراء بعد مرضه من السُّمِّ حتَّى يراقبوا الأوضاع:

(لمَّا اعتلَّ بُعِثَ إلى أبي أنَّ ابن الرضا قد اعتلَّ، فركب من ساعته، فبادر إلى دار الخلافة، ثمّ رجع مستعجلاً ومعه خمسة من خدم أمير المؤمنين كلُّهم من ثقاته وخاصَّته، فيهم نحرير، فأمرهم بلزوم دار الحسن وتعرُّف خبره وحاله، وبعث إلى نفر من المتطبِّبين، فأمرهم بالاختلاف إليه، وتعاهده صباحاً ومساءً، فلمَّا كان بعد ذلك بيومين أو ثلاثة أخبر أنَّه قد ضعف، فأمر المتطبِّبين بلزوم داره، وبعث إلى قاضي القضاة، فأحضره مجلسه، وأمره أن يختار من أصحابه عشرة ممَّن يُوثَق به في دينه وأمانته وورعه، فأحضرهم فبعث بهم إلى دار الحسن، وأمرهم بلزومه ليلاً ونهاراً، فلم يزالوا هناك حتَّى توفّي (عليه السلام)، فصارت سُرَّ من رأى ضجَّة واحدة، وبعث السلطان إلى داره من فتَّشها، وفتَّش حجرها، وختم على جميع ما فيها، وطلبوا أثر ولده، وجاؤوا بنساء يعرفن الحمل....).

إلى أن يقول في آخر الرواية: (والسلطان يطلب أثر ولد الحسن بن عليٍّ) الكافي ج : 1 ص : 505.

الشاهد الرابع:

وجود اضطراب في الدولة العبّاسية آنذاك بعد علمها بولادة الإمام المهدي (عليه السلام)، ووجود شيعة له يعتقدون بوجوده، وقد حدَّثنا عن ذلك الشيخ المفيد (قدّس سرّه) في (الإرشاد)، فقال:

(وكان قد أخفى مولده وستر أمره، لصعوبة الوقت، وشدَّة طلب سلطان الزمان له، واجتهاده في البحث عن أمره، ولما شاع من مذهب الشيعة الإماميَّة فيه، وعُرِفَ من انتظارهم له، فلم يُظهِر ولده (عليه السلام) في حياته، ولا عرفه الجمهور بعد وفاته) الإرشاد ٢: ٣٣٦.

الشاهد الخامس:

المداهمات لدار الإمام العسكري (عليه السلام)؛ لأجل البحث عن الإمام المهدي (عليه السلام).

روى الصدوق عن أبي الحسين الحسن بن وجناء يقول: حدَّثنا أبي، عن جدِّه، أنه كان في دار الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام)، فكبستنا الخيل، وفيهم جعفر بن عليٍّ الكذّاب، واشتغلوا بالنهب والغارة، وكانت همَّتي في مولاي القائم (عليه السلام).

قال: فإذا (أنا) به (عليه السلام) قد أقبل، وخرج عليهم من الباب، وأنا أنظر إليه، وهو (عليه السلام) ابن ستّ سنين، فلم يرَه أحد حتَّى غاب كمال الدين وتمام النعمة 474.

هذه الشواهد كلُّها تدلُّ على أنَّ الأوضاع والظروف المحيطة بأهل البيت آنذاك كانت تقتضي وجود غيبة للإمام (عليه السلام).

 

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0264 Seconds