حياة الأرض في زمن حكومة القائم المهدي (عليه السلام)

, منذ 3 اسبوع 338 مشاهدة

ما هو المراد بحياة الأرض بعد موتها؟

هنا وردت روايتان:

الرواية الأولى: عن الإمام الباقر (عليه السلام)، قال: «يحييها الله (عزَّ وجلَّ) بالقائم (عليه السلام) بعد موتها - بموتها كفر أهلها - والكافر ميّت»(١).

الرواية الثانية: عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «أي يحييها الله بعدل القائم عند ظهوره بعد موتها بجور أئمّة الضلال»(٢)، وكيف يمكن لنا أن نفهم أنَّ المقصود بحياة الأرض هو يوم ظهور المهدي (عليه السلام)؟

هناك قرينتان على هذا التفسير:

القرينة الأولى: القرينة السياقية:

وهي الآية التي قبلها، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ﴾ (الحديد: ١٦)، فإنَّ هذا التعبير ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ﴾، قرينة على أنَّ أهل الكتاب مرّوا بفترة انتظار حين غاب عنهم موسى (عليه السلام) فانتظروا مجيئه وانتظروا قدوم عيسى بعد موسى (عليهما السلام) ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾، فالآية تدلُّ على أنَّ أمّة النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) ستمرُّ بما مرَّ به أمم أهل الكتاب، أي إنَّها ستمرّ بفترة انتظار سيطول أمدها ولذلك فعليها الحذر أن تكون كالأمم السابقة لمَّا ﴿طالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾.

فقوله تعالى: ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ﴾ قرينة على أنَّ المقصود بالآية التالية وهي حياة الأرض بمعنى حياة الأرض بعد فترة الانتظار التي طال أمدها، وهذا لا ينطبق إلّا على نظرية ظهور المهدي (عليه السلام).

القرينة الثانية: القرينة اللفظية:

وهي قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾، ما معنى يحيي الأرض؟ ولم يقل: يحيي أرضاً، يعني كلّ الأرض, فما هو ذلك اليوم الذي سيحيي الله فيه الأرض كلّها بعد موتها؟ مقتضاه أنَّ الأرض قبل ظهور المهدي (عليه السلام) تتعرَّض للموت الروحي والمادي، حيث تتعرَّض للزلازل، للبراكين، للفيضانات، لظاهرة الاحتباس الحراري التي تملؤها موتاً وجوعاً ودماراً، وحياة الأرض بعد موتها بازدهار حضارة كونية وذلك في يوم قال عنه النبيّ المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لو لم يبقَ من الدنيا إلّا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتَّى يخرج رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً»(٣).

وهذا المعنى تؤكّده روايات أخرى، كما في رواية المفضَّل بن عمر، عن الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ (الزمر: ٦٩)، قال: «ربّ الأرض يعني إمام الأرض»، فقلت: فإذا خرج يكون ماذا؟ قال: «إذن يستغني الناس عن ضوء الشمس ونور القمر ويجتزون بنور الإمام»(٤), المقصود به أنَّ القائم (عليه السلام) مظهر للربّ لأنَّه يقود الأرض فهو مظهر لربوبية الله في الأرض، هذا معنى ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ أي بنور قائم الأرض، قائم آل بيت محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وورود الآية في سياق أشراط الساعة لا ينافي ذلك، فإنَّ من أشراطها إشراقها بنور دولة المهدي (عليه السلام).

فالنتيجة: إنَّ الآية تدلُّ على أنَّ هناك حياة حضارية ستقوم على الأرض في يوم ظهوره (عليه السلام)، والحديث عنه يتمّ عبر محاور ثلاثة:

المحور الأوّل: الحضارة الكونية هدف الوجود الإنساني:

إنَّ الهدف من الوجود الإنساني على الأرض هو الحضارة الكونية, فليس الهدف أن نقيم حضارة أرضية إذ لا قيمة لها بالنسبة إلى الكون كلّه، والحضارة الكونية يعني سيطرة الإنسان ونفوذه على الفضاء اللامتناهي بذرّاته، بمجرّاته، بكنوزه، بطاقاته، بمعادنه، فالهدف هو الحضارة الكونية, والدليل عليه عقلي ونقلي.

الدليل العقلي المدعم بالنقل:

لا إشكال أنَّ هذا الكون يعجُّ بالطاقات، فالأرض كما يصرّح علماء الطبيعة ما زالت بكراً بمعنى أنَّ الأرض هذا الكوكب الصغير إلى الآن لم تكتشف كلّ طاقاته، فكيف بما يعادلها من ملايين الكواكب، والكون ما زال بكراً، ما زال فيه طاقات وكنوز تسبح في هذا الفضاء اللامتناهي لم يكتشفها الإنسان بعد، فالإنسان ما زال في أوّل الطريق، وحينئذٍ يأتي السؤال: ما هو الهدف من خلق هذه النجوم والمجرّات والطاقات؟ هل خلقها الله تعالى بدون هدف أم خلقها بهدف؟ إن قلنا بأنَّ الله خلق هذا الكون بطاقاته وخيراته بلا هدف فهذا يعني أنَّ الخلق كان عبثاً، والعبث قبيح، والقبيح لا يصدر من الحكيم تبارك وتعالى، وقد أكَّد القرآن على هذا بقوله تعالى: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لاَتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ﴾ (الأنبياء: ١٦ و١٧)، وقال في آية أخرى: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ * ما خَلَقْناهُما إلّا بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الدخان: ٣٨ و٣٩)، إذن الخلق بهدف، فما هو الهدف؟

إنَّ الهدف هو استثمار الإنسان، لأنَّ الإنسان هو المخلوق الوحيد القادر على استثمار الكون، واكتشاف كنوز الكون وطاقاته، لأنَّه هو الذي يملك عقل الاكتشاف، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً﴾ (الإسراء: ٧٠)، فالهدف من خلق الوجود كلّه أن يصل الإنسان إلى استثمار الكون كلّه، وهذه ما نسمّيه بـ (الحضارة الكونية)، وإلّا لكان خلق الكون عبثاً، وهذا ما تؤكّده الآيات الشريفة، قال تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ فَانْفُذُوا﴾، والنفوذ بمعنى السيطرة على السماء والأرض، ﴿لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ (الرحمن: ٣٣)، ومعناه متى ملكتم السلطان سيطرتم على الكون. وقال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الإِنْسانُ﴾ (الأحزاب: ٧٢)، والأمانة في بعض التفاسير يراد بها ولاية الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) (٥)، ويمكن أن يراد بها استثمار الكون على ضوء ولاية الإمام علي (عليه السلام) لأنَّه الذي لا يقدر عليه أحد إلّا الإنسان. وإنَّما ذكر اسم الأرض في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: ٣٠)، باعتبارها موقع الخليفة لا موقع الخلافة وفرق بينهما, فإنَّ مكان الخليفة يعني مقرّه وهو الأرض، لكن مكان الخلافة هو الكون كلّه، ولا يكون الإنسان خليفة عن ربّه في هذا الكون إلّا إذا سيطر على الكون كلّه، هذا هو الدليل العقلي المدعم بالنقل لإثبات أنَّ هدف الوجود الإنساني هو إقامة الحضارة الكونية.

الدليل النقلي:

وهذا الدليل يتألف من مقدّمتين:

المقدّمة الأولى: الكون أسرة واحدة:

ظاهر الآيات القرآنية أنَّ الكون أسرة واحدة، بمعنى أنَّ كلّ جزء في هذا الكون مؤثّر ومتأثّر، فلا يوجد جزء ينفصل عن جزء، مثلاً: عندما نقتلع الأرض ونخرجها من الكون يختلُّ توازن الكون، وكذلك لو نخرج الشمس أو القمر, فكلّ جزء مرتبط بالآخر وهو مؤثّر ومتأثّر، قال تعالى: ﴿لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس: ٤٠)، وهكذا قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً﴾ (لقمان: ٢٠).

ما معنى أنَّ الله سخَّر لنا ما في السماوات وما في الأرض؟

يعني أنَّ هذه النجوم البعيدة التي يحتاج الوصول إليها إلى أربعمائة سنة ضوئية سخّرت لنا أيضاً، فهي تؤثّر على حياتنا شئنا أم أبينا، فنحن نتأثَّر بكلّ جرم، بكلّ كوكب، بكلّ مقطوعة في السماء.

وقال تعالى في آية ثانية: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ (إبراهيم: ٣٣)، وقال تعالى في آية ثالثة: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ﴾ (الأعراف: ٥٤)، وقال تعالى في آية رابعة: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ (الجاثية: ١٣).

إذن الكون أسرة واحدة، فكما أنَّ ضوء الشمس يؤثّر على الكائنات الحيّة في الأرض، وضوء القمر أيضاً يؤثّر على النباتات، فهو يؤثّر على مجرى ماء البحر ذهاباً وإياباً، فإنَّ كلّ شيء يؤثّر على الإنسان حتَّى منازل القمر التي تسمّى الأبراج، فإنَّها تؤثّر تأثيراً اقتضائياً يعني ليس على نحو العلّية التامّة.

وقد مرَّ ذكر قانون الجذب في علم البرمجة العصبية، وهذا لا يعني أنَّنا نقبل هذا القانون كاملاً، بل نقبله في إطار أنَّه يبعث التفاؤل للإنسان ويزرع الأمل له، ولكن لا نقبل كلّ معلومات هذا قانون، فمن معلوماته أنَّه لا يوجد شيء اسمه قدر، بل الإنسان هو الذي يصنع القدر، لكن هذا غير صحيح، لأنَّ القدر على نوعين: حتمي وغير حتمي.

فقد يُولد إنسان وهو مصاب بالسل، وإنسان يُولد من أب فلاني وأُمّ فلانية، ويحصل زلزال في الأرض فيموت إنسان، هذا قدر حتمي لا يستطيع أن يغيّره، وهناك قسم من القدر ليس حتمياً وإنَّما هو اقتضائي، مثل دراسة الطبّ أو دراسة الهندسة أو الزواج من فلان أو فلانة.

إذن تأثير الأبراج على مسيرة الإنسان من القدر غير الحتمي، فهو تأثير اقتضائي وليس علّة تامّة، فبإمكان الإنسان أن يتحرَّر من هذا التأثير إذا امتلك إرادة التحرّر, والمهمّ من حديثنا أنَّ الكون كلّه أسرة واحدة مرتبط بعضه ببعض.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) كمال الدين: ٦٦٨/ ح ١٣.

(٢) الغيبة للنعماني: ٣٢.

(٣) الغيبة للطوسي: ١٨٠/ ح ١٣٩.

(٤) تفسير القمي ٢: ٢٥٣.

(٥) عن إسحاق بن عمّار، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالأَرْضِ...﴾ الآية، قال: «هي ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)». (الكافي ١: ٤١٣/ ح ٢).

المصدر : الحقيقة المهدوية (دراسة وتحليل) ـ تأليف : السيد منير الخباز.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0502 Seconds