ما هو دور سفراء الإمام المهدي في زمن الغيبة الصغرى ؟ وما هي وانجازاتهم ؟

, منذ 1 شهر 258 مشاهدة

كانت الغَيبة الصغرى تمثل مرحلة انتقالية مؤقتة لأجل التمهيد لمرحلة الغَيبة الكبرى، فمن الطبيعي أن تكون لها معالم وظروف ومقتضياتها الخاصة بها، وأن تكون مؤهّلات وأدوار السفراء منسجمة مع الهدف المذكور، ورغم قلة الروايات الواصلة لنا عن تلك الفترة يمكن أن نسجل النقاط التالية عن معالم تلك المرحلة وأدوار السفراء فيها:

١ - حيث كانت غَيبة الإمام (عجّل الله فرجه) انقطاعاً عن الارتباط المباشر بالمجتمع فكان لابد أن يكون للسفراء مكانة خاصة لدى المؤمنين ومورد ثقتهم واعتمادهم، لحفظ استقرارهم النفسي ورسوخ إيمانهم (أولاً)، وقطع دابر الأدعياء والدجالين (ثانياً)، ولذلك كانت من أبرز معالم السفراء وخصائصهم ثقة المجتمع الشيعي بهم وتقواهم، خاصة السفير الأول الذي بدأت به تلك المرحلة، فإنه كان موثقاً توثيقاً خاصاً ومؤكَّداً من قِبَل الإمامين الهادي والعسكري (عليهما السلام)، كما تضمنت ذلك بعض الروايات المتقدمة في حقه (رضي الله عنه)، وكذلك توثيق الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) له ولولده محمد بن عثمان - النائب الثاني - كما تقدمت بعض الروايات الدالة على إرجاع السفير الثاني محمد بن عثمان الناس إلى السفير الثالث الحسين بن روح في حياته، لتأكيد توثيقه واعتماده.

٢ - إن نفس النقطة المتقدمة تقتضي أن يكون السفير على قدر كبير من الحكمة والاتزان في مواقفه وسلوكه بحيث يحافظ على سكينة المجتمع الشيعي واستقراره بعيداً عن المواقف الانفعالية.

قال الصفدي عن الحسين بن روح (رضي الله عنه): (كثرت غاشيته حتى كانت الأمراء يركبون إليه والوزراء والمعزولون عن الوزارة والأعيان، وتواصف الناس عقله، ولم يزل أبو القاسم على مثل هذا الحال حتى ولي حامد بن العباس الوزارة فجرى له معه أُمور وخُطوب يطول شرحها، وقبض عليه وسُجن خمسة أعوام، وأُطلِق من السجن سنة (٣١٢ هـ)، وقيل سنَة (٣١٣هـ) لما خُلِع المقتدر (الخليفة العباسي) فلما أُعيد إلى الخلافة شاوروه فيه، قال: دعوه، فبخطيئته جرى علينا مما جرى، وبقيت حرمته على ما كانت عليه)(1).

وقال الشيخ الطوسي (رحمه الله): (وكان أبو القاسم (الحسين بن روح (رحمه الله)) من أعقل الناس عند المخالف والموافق، ويستعمل التقية)، واستشهد على ذلك ببعض الروايات منها:

أ - رواية أبي عبد الله بن غالب قال: (ما رأيت من هو أعقل من الشيخ أبي القاسم حسين بن روح، ولعهدي به يوماً في دار ابن يسار (بشار) وكان له محلّ عند السيد(ة)(2) والمقتدر عظيم، وكانت العامة أيضاً تعظّمه، وكان أبو القاسم يحضر تقية وخوفاً...)(3).

ب - قال أبو نصر هبة الله: وحدّثني أبو أحمد درانويه الأبرص - الذي كانت داره في درب القراطيس - قال: قال لي: (إني كنت أنا وإخوتي ندخل إلى أبي القاسم الحسين بن روح (رضي الله عنه) نعامله - قال: وكانوا باعة - ونحن مثلاً عشرة، تسعة نلعنه وواحد يشكك، فنخرج من عنده بعد ما دخلنا إليه تسعة نتقرب إلى الله بمحبته وواحد واقف، لأنه كان يجارينا في فضل الصحابة ما رويناه وما لم نروه، فنكتبه عنه لحُسنه (رضي الله عنه))(4).

ويكشف لنا هذا النص مدى قساوة الظروف والمعاناة التي كان يمرّ بها السفراء والشيعة آنذاك.

ومما يؤكد ما ذكرناه من ضرورة اتصاف السفير بالحكمة والصلابة وقوة الشخصية ما تقدّم عن أبي سهل النوبختي في تقييمه للحسين بن روح وصلابته أنه لو أُحرج أمام الخصوم وكان الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) تحت ثوبه لما رفع ثوبه وما كشف أمره لهم.

٣ - رفد المجتمع الشيعي بتواقيع الإمام (عجّل الله فرجه) وهي على ثلاثة أصناف:

الصنف الأول: ما تضمن توجيه الشيعة ابتداءً منه (عجّل الله فرجه) مثل تعيين السفير أو كشف حال المنحرفين والدجالين.

الصنف الثاني: ما تضمن الإجابة على أسئلة شيعته (عجّل الله فرجه) المختلفة، سواء منها ما يتضمن الأحكام والتعاليم الشرعية أم ما يرتبط بحلّ مشاكلهم وتوجيههم ونصحهم.

الصنف الثالث: ما تضمن نصوص بعض الأدعية والمستحبات.

أمّا الصنف الأول: فقد تعرضنا سابقا إلى نماذج منها تضمنت تعيين بعض السفراء ومَن يخلفه.

ومن ذلك التوقيع الذي ظهر من الإمام (عجّل الله فرجه) بلعن محمد بن علي بن أبي العزاقر المعروف بـ(الشلمغاني)، وسوف نتعرض لذلك إن شاء الله تعالى.

وأمّا الصنف الثاني: وهو ما تضمن الإجابة على أسئلتهم وحل مشاكلهم التي يواجهونها في حياتهم اليومية فقد تعرضت المصادر الروائية للعديد من تلك التواقيع، منها:

أ - ما ذكره الصدوق (رحمه الله) قال: حدّثنا محمد بن أحمد الشيباني وعلي بن محمد الدقاق والحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المؤدِّب وعلي بن عبد الله الورّاق (رضي الله عنهم) قالوا: حدثنا أبو الحسين بن محمد بن جعفر الأسدي (رضي الله عنه) قال: كان في ما ورد عليّ من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان (قدّس سرّه) في جواب مسائلي إلى صاحب الزمان:

(وأمّا ما سألت عنه من أمر الوقف على ناحيتنا وما يُجعل لنا ثم يحتاج إليه صاحبه، فكلّ ما لم يُسلَم فصاحبه فيه بالخيار، وكلّ ما سُلِّم فلا خيار لصاحبه، احتاج إليه صاحبه أو لم يحتج، افتقر إليه أو استغنى عنه...

- وأمّا ما سألت عنه من أمر المصلي والنار والصورة والسراج بين يديه هل تجوز صلاته فإنّ الناس اختلفوا في ذلك قِبَلَك، فإنه جائز لمن لم يكن من أولاد عَبدة الأصنام أو عبدة النيران، والصورةُ والسراجُ بين يديه، ولا يجوز ذلك لمن كان من أولاد عَبدة الأصنام والنيران).

(يلاحظ أن هذا الجواب يتضمن حكماً فقهياً ثانوياً، ويسلّط الضوء على دور الفقيه في فهم طبيعة الحكم الذي تتضمنه النصوص الشرعية وضرورة التمييز بين الحكم الأولي والحكم الثانوي الذي يتغير بتغيّر موضوعه والظروف التي تحيط بالمكلّف والمجتمع، وأن عدم وضوح ذلك آنذاك أوجب الاختلاف بين الشيعة في الحكم المذكور).

(وأمّا ما سألت عنه من أمر الرجل الذي يجعل لناحيتنا صنيعة ويسلّمها من قيّم يقوم بها ويعمرها ويؤدي مِن دخلِها خراجَها ومؤنتَها ويجعلُ ما يبقى من الدخل لناحيتنا، فإن ذلك جائز لمن جعله صاحب الضيعة قيِّماً عليها، إنما لا يجوز ذلك لغيره.

- وأمّا ما سألت عنه من أمر الثمار من أموالنا يمرّ به المار فيتناول منه ويأكله هل يجوز ذلك له؟ فإنه يحلّ لَه أكله ويحرم عليه حمله)(5).

(هذا الجواب يشير إلى ما يسميه الفقهاء (حق المارّة) وقد تعرّضوا لحكمه مفصلاً في المصادر الفقهية).

ب - ما روي في توقيعات إجابات أسئلة أهالي (قم) المعروفة، منها:

- عن المرأة يموت زوجها هل يجوز أن تخرج في جنازته أم لا؟

التوقيع: «تخرج في جنازته».

- وهل يجوز لها وهي في عدّتها أن تزور قبر زوجها أم لا؟

التوقيع: «تزور قبر زوجها، ولا تبيت عن بيتها...».

- وعن وداع شهر رمضان متى يكون؟ فقد اختلف فيه (أصحابنا) فبعضهم يقول: يقرأ في آخر ليلةٍ منه، وبعضهم يقول: هو في آخر يومٍ منه إذا رأى هلال شوال.

التوقيع: «العمل في شهر رمضان في لياليه. والوداع يقع في آخر ليلة منه، فإن خاف أن ينقص جعله في ليلتين»(6).

ج - كتاب آخر وفيه:

وعندنا حاكة مجوس يأكلون الميتة ولا يغتسلون من الجنابة، وينسجون لنا ثياباً، فهل تجوز الصلاة فيها [من] قبل أن تُغسَل؟

الجواب: «لا بأس بالصلاة فيها..».

- وعن رجل من وكلاء الوقف يكون مستحلاًّ لما في يده ولا يَرع(7) من أخذِ ماله، ربما نزلت في قرية وهو فيها، أو أدخل منزله وقد حضر طعامه فيدعوني إليه، فإن لم آكل من طعامه عاداني عليه، وقال: فلان لا يستحلّ أن يأكل من طعامنا، فهل يجوز لي أن آكل من طعامه وأتصدق بصدقة؟ وكم مقدار الصدقة؟ وإن أهدى هذا الوكيل هدية إلى رجل آخر، فأحضَرُ فيدعوني أن أنال منها، وأنا أعلم أن الوكيل لا يَرع عن أخذ ما في يده، فهل (عليَّ) فيه شيء إن أنا نلت منها؟

الجواب: «إن كان لهذا الرجل مال أو معاش غير ما في يده فكل طعامَه واقبل بِرّه، وإلّا فلا»(8).

هذا، وقد تكون صياغة بعض التواقيع المروية من جانب السفير نفسه، إذا كان متيقنا من جواب السؤال الوارد إليه، ولو بسبب ورود نظيره سابقاً وجواب الإمام (عجّل الله فرجه) عنه آنذاك، كما هو الحال في لجان الإفتاء في مكاتب المراجع الدينيين في عصرنا حيث يقتصر إرجاع الاستفتاء للمرجع نفسه على صورة عدم معرفتهم بالجواب، لكن هذا يختص بما إذا لم يكن التوقيع بخط الإمام (عجّل الله فرجه) أو منسوباً إليه شخصياً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ الوافي بالوفيات: ١٢/٢٢٦.

2 ـ قيل هي: أُم المتوكل صاحبة النفوذ في البلاط العباسي آنذاك.

3 ـ الغَيبة للطوسي: ٣٨٤.

4 ـ المصدر: ٣٨٦.

5 ـ كمال الدين وتمام النعمة: ٥٢٠-٥٢١.

6 ـ الغَيبة للطوسي: ٣٧٧-٣٧٨.

7 ـ ورعَ، يَرِع من التورع، انظر: لسان العرب: ١٥/٢٧٢.

8 ـ الغَيبة للطوسي: ٣٨١-٣٨٣.

المصدر : الثقافة المهدوية (دروس منهجية) ـ تأليف : السيد رياض الحكيم.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0625 Seconds