هل تكتمل عقول البشرية في زمن ظهور الإمام المهدي (عج) ؟

, منذ 1 شهر 235 مشاهدة

الظهور زمنٌ له خصائص، بحسب هذه الخصائص ينبغي أن يُهيّئ الإنسان نفسه ويعدّها حسب متطلّبات تلك المرحلة.

أوّل خصائص مرحلة الظهور أنَّها مرحلة الحقائق ومرحلة انكشاف الزيف وسقوط الأقنعة، ففي زمن الإمام (عليه السلام) لن يستطيع أحد أن يلبس حقيقته عن الإمام كأن يتنكَّر بوجه آخر غير وجهه الحقيقي. الإمام (عليه السلام) يعلم ما في النفوس، ويسير بالناس سيرة نبيّ الله داود (عليه السلام)، أي سيحكم بما يعلم، بعلمه الواقعي.

قد يطرح هنا سؤال: ما الفرق بين سيرة داود وحكمه وسيرة نبيّنا (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟

الجواب: هناك فرق فقهي، نبيّنا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يحكم على الظواهر بالشهود وبالبيّنة، أمَّا داود (عليه السلام) فإنَّه كان يحكم بناءً على علمه الواقعي وهكذا الإمام المهدي (عليه السلام) سوف يحكم بناءً على علمه الواقعي، الله (عزَّ وجلَّ)

أعطاه علماً بواقع الأشياء بحيث لا يحتاج إلى بيّنة أو شهادة أحد وسيستفيد من ذلك العلم مباشرةً بلا حاجة إلى وسائط.

إذن هي مرحلة الحقائق، مرحلة الصدق، مرحلة انكشاف الزيف، مرحلة سقوط الأقنعة وظهور الإنسان على حقيقته، وممَّا ورد من الروايات المهمّة في هذا المجال أنَّ الإمام (عليه السلام) إذا ظهر مسح على رؤوس الخلائق فاكتملت أحلامهم(1)، اكتمال الحلوم هو جانب من جوانب ما نقول، وإن مرحلة الظهور هي مرحلة الحقيقة لا مرحلة الوهم ولا مرحلة العناوين الزائفة، العقل إذا اكتمل فلا يحتاج مع كماله إلى أن يتلبَّس بقناع معيَّن ليوهم أو يلبّس الحقائق. العقل الكامل يترفَّع عن الزيف وعن الكذب، فهو عقل حقيقي يتعامل بموضوعية وواقعية مع الحياة. تصوَّروا هذه العقول, إذا مسح الإمام على رؤوس الناس فاكتملت عقولهم، تصوَّروا النتيجة، النتيجة أنَّهم سيتعاملون مع الحياة بواقعية وصدق، ويتعاملون كما هم ودون أيّ تلبيس أو تنكّر أو وجوه زائفة.

هذا الأمر يدعو إلى التوقّف كثيراً، نحن الآن في هذه الحياة قد ضرب الله تعالى علينا ستره, والرواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) تقول: «لو تكاشفتم ما تدافنتم»(2)، لو علم أحدنا ما في نفس الآخر فقد لا يكون مستعدّاً حتَّى لدفنه، ويعتبره غير مسلم أصلاً.

ولو كشف الله ما في النفوس والخواطر لكانت الحياة صعبة فيما بين الناس، لكن الله (عزَّ وجلَّ) برحمته وحتَّى تسير الحياة ويكتمل نظام الحياة, رحم الناس وأعطاهم فرصة لإكمال نفوسهم وتزكيتها، يؤخّر الكشف فلا يكشف حقائقي أمام الناس ولا يكشف حقائق الناس أمامي.

هذه الستور المضروبة بعضها مضروب من الله (عزَّ وجلَّ)، وبعضه نحن نضربه على أنفسنا ونخفي أنفسنا خلفه، هذا يجعل مسألة المعايشة مسألة سهلة وممكنة في هذه الحياة. أمَّا في ذلك الزمان، الزمان الذي لا مجال فيه للفساد ولا متَّسع فيه للإفساد، الزمن الذي يراد فيه أن يطبّق الإمام (عليه السلام) أطروحة السماء كاملة بلا تأخير، في ذلك الوقت لا يؤخّر الإمام حكماً أو موقفاً شرعياً لأجل التقيّة أو المداراة.

بل ينبغي تنفيذ الأحكام الشرعية بحذافيرها دون حذر من أحد أو تقيّة أو خوف. فلا بدَّ أن نقف إذن أمام هذه الحقيقة: حقيقة أنَّه زمن واقعي، زمن لا يتَّحمل إخفاءً أو تلبيساً أو تنكّراً أبداً.

وعلى هذا فماذا سيكون التكليف؟

الذي يريد أن يعدّ نفسه من الآن لزمن الحقائق عليه أن يبدأ من الآن بتصفية شؤونه وأموره، وتعديل أوضاعه بشكل إذا جاء وقت الحقيقة ووصل وقت الصدق لا ينكشف أو ينفضح، فيكون هو كما هو، كما أنا الآن أكون في ذلك الزمن دون أيّة فضيحة أو مشكلة، الإمام (عليه السلام) حينما يخرج (الروايات تقول): إنَّه

ينتزع بعض الأملاك من الناس (يقول: هذا ليس بيتك أخرج منه)، فيعيد الأملاك والحقوق إلى أصحابها الحقيقيين حتَّى إذا اشتريت بها الدور(3).

إذن هو زمن الحقيقة والصدق، فالإنسان لا بدَّ من الآن أن يعدّ نفسه ليحل عليه الظهور ويكون من السعداء بالإمام لا من الأشقياء به، أن يحلّ علينا زمن الظهور ونحن سعداء بذلك لا نخفي أنفسنا خجلاً، ولا نخفي أنفسنا خوفاً من الإمام، أن نصلح شؤوننا، أن نكون على بصيرة ممَّا في أيدينا من أموال وممتلكات ومتعلّقات، ومن كلّ القضايا الشرعية، ونكون على يقين أنَّنا ذووا صفحات بيضاء نستطيع بها أن نقابل الإمام (عليه السلام) ونقول: يا مولانا نحن منتظرون، ونحن سعداء بظهورك، ونحن في خدمتك.

فعلى الإنسان أن يكون دائماً مع حقيقته ولا يبتعد عنها، ما معنى ذلك؟ بعض الناس يعطي لنفسه عناوين أكبر من واقعه، ويعطي لنفسه واجهات وأسماء أكبر ممَّا يستحقّ، فيبقى يعيش هذا الوهم، ويفرض على من حوله أن يعيش بهذا الوهم، ويبقى هكذا إلى أن يظهر الإمام (عليه السلام) وإذا بالإمام يفاجئه بالقول: أنت لا قيمة لك، هذا العنوان الكبير الذي كنت تعيش به والاسم الكبير الذي حملته والجاه العريض الذي حصَّلته، هذا كلّه مزيَّف ليس له أيّ أصل، ارجع إلى حجمك الطبيعي، بحكم الإمام يرجع الإنسان بواقع الصدق في زمن الظهور إلى حجمه الطبيعي، ﴿هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ (المائدة: ١٢٠)، مثل يوم القيامة.

في يوم القيامة هل يقدر إنسان أن يفرض عناوينه الباطلة أمام الله (عزَّ وجلَّ)؟ كلاَّ، فإنَّ مقدار علمي هو هذا الذي سأُحاسب عليه، ومقدار تقواي هو الذي سأُعامل على أساسه، وهكذا الإمام ليس عنده مجاملة مع أحد، ولا يخضع لأوهامنا أو يخضع لموازيننا التي نعيشها الآن والمبنيّة على الاعتبارات الباطلة، فالإمام يأتي وينسفها تماماً. فعلينا أن نكون مهيَّئين للحقيقة، مهيَّئين إلى أن ننظر إلى أنفسنا بين يدي الإمام بحجمنا الطبيعي، فإذا كان كذلك يكون مهمّاً للإنسان أن يعيش الآن كما يعيش في ذلك الوقت، وأن يعيش في زمن الظهور كما يعيش الآن.

وأن يظهر أمام الإمام وأمام الناس كما هو الآن، لماذا أعيش الزيف إلى أن يظهر الإمام ويرجعني إلى حجمي الطبيعي فتكون هناك الفضيحة والهتك. قد يُطرد الإنسان من حضرة الإمام (عليه السلام) لأنَّه مدَّعي، إنسان مثلاً يدَّعي الاجتهاد، فهذه الدعوى خطيرة والمسألة ليست هيّنة، فالادّعاء جدّاً خطير، أن يدَّعي الإنسان الاجتهاد، يعني أن يكون نائباً للإمام المعصوم الغائب، نائباً عنه في بعض المسائل التي يتولاَّها الإمام في الناس فإذا كان والعياذ بالله هذا المدَّعي كاذباً أو مبطلاً أو دجّالاً فما هو موقفه أمام الإمام في زمن الحقيقة والصدق؟

أين سيكون محلّ هذا الإنسان؟ سيخفي نفسه، سيختبئ في جحر في الأرض، لن يستطيع أن يقابل الإمام (عليه السلام)، وإذا استطاع أن يقابل الإمام ويأتي إليه سيعاقبه عقوبة ليست باليسيرة، لأنَّ الدعوى دعوى خطيرة.

فعلى هذه قِسْ ما سواها، كلّ ما نصنعه لأنفسنا من عناوين باطلة وزائلة في هذه المرحلة من الحياة علينا أن نحسب له حساب مرحلة الظهور، فإنَّ تلك المرحلة لا تتحمَّل كذباً ولا زيفاً ولا باطلاً.

فينبغي على المؤمن أن يعدَّ نفسه إعداداً روحياً حقيقياً في هذا المجال.

كيف يكون الإنسان واقعياً حتَّى لا يتفاجأ إذا أصبحت مرحلة الظهور مرحلة فعلية؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عن مولى لبني شيبان، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، قال: «إذا قام قائمنا (عليه السلام) وضع يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم وكملت بها أحلامهم». (كمال الدين: ٦٧٥/ ح ٣٠).

(2) أمالي الصدوق: ٥٣١/ ح (٧١٨/٩).

(3) في الرواية: «يبلغ من ردّ المهدي المظالم حتَّى لو كان تحت ضرس إنسان شيء انتزعه حتَّى يردّه». (الملاحم والفتن لابن طاووس: ١٤٣/ ح ١٦٩).

المصدر : الإعداد الروحي لعصر الظهور ـ تأليف: السيّد علاء الدين الموسوي.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0821 Seconds