المعارضة التي يواجهها الإمام المهدي (عج) عند ظهوره ؟

, منذ 10 ساعة 82 مشاهدة

لا يعني قولنا إن الإمام (عليه السلام) حركته حركة السلام والحوار بأن هناك حالة من الترحيب تنتظر الإمام (عليه السلام) من لدن الجميع دون استثناء، بل إن هناك رفضاً لهذه الأطروحة المهدوية من البعض خصوصاً إذا عرفنا أن حالة الرفض هذه ستنطلق من تلك الحركات المناوئة في فكرها لآل البيت (عليهم السلام)، وإذا عرفنا أن العالم ستعمه هذه الحركات بكل صراعاتها الفكرية والسياسية المخالفة لأهل البيت (عليهم السلام)، ومن غير المتصور أن تقبل هذه الحركات بأية أطروحة إصلاحية خصوصاً وأطروحة الإمام (عليه السلام) هي أطروحة البديل التي من شأنها أن تلغي كل هذه الحركات وتظهر زيفها بكل قوة.


ولابد لهذه العملية «عملية البديل» تتطلب جهدا وتضحية متميزين يقدمه أصحاب أطروحة الإصلاح فضلا عن التضحيات الجسام التي يتكبدها جيش الإمام (عليه السلام) إثر تلك المعارضات السياسية المناوئة، والتغيير الإصلاحي سوف لا يكون مقبولاً في ظل الحملات الإعلامية المزيفة والكاذبة التي من شأنها التمويه على الحقائق وستقوم الأنظمة السياسية المناوئة للإمام بهذا الجهد الإعلامي الذي يحمل معه الأكاذيب المعادية لأطروحة أهل البيت (عليهم السلام) والتي من شأنها تزييف الحقائق وقلبها بما يضمن التقييم غير المبرر على كثير من الناس، وهو الداعي الذي يدفع البعض للوقوف ضد حركة الإمام (عليه السلام)، فضلاً عن عدم تقبل الأطروحة المهدوية في ظل هذه الظروف الفكرية المتطرفة التي تسيطر على أكثر المجتمعات البعيدة حقيقة عن أهل البيت. والروايات تشير إلى هذا الاتجاه.


روى ابن عقدة بسنده عن الفضيل قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن قائمنا إذا قام استقبل من جهلة الناس أشد مما استقبله رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من جهال الجاهلية فقلت: وكيف ذلك؟ قال كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أتى الناس وهم يعبدون الحجارة والصخور والعيدان والخشب المنحوتة، وإن قائمنا إذا قام أتى الناس وكلهم يتأول عليه كتاب الله، ويحتج عليه به، ثم قال: أما والله ليدخلن عليهم عدله جوف بيوتهم كما يدخل الحر والقر(1).


ومعنى ذلك أن المعارضة التي يواجهها الإمام (عليه السلام) هي المعارضة التي واجهها جده رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من قبل جهال قومه، بل المعارضة التي تنتظر الإمام (عليه السلام) هي أشد من تلك المعارضة التي عاناها النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ذلك لأن معارضة الجاهلية إبان عهد البعثة المباركة كانت معارضة بدائية ساذجة لا تجد غير الرفض المبرر وأن دين محمد هو تحول عن دين الآباء وإصباءٌ عن اعتقاد أجدادهم وهو شيء يرونه غير صحيح على أساس الفهم القبلي والتعصب الذي يحمله الشخص الجاهلي إزاء عقيدة آبائه كون أن ذلك يُعد تجاوزا لعقيدة أكابر القوم وأسلافهم وهو أمر غير أخلاقي حين يخالف الولد أباه في عقيدته.


وكون العدول إلى عقيدة غير عقيدة الآباء يعد تخطئة لآبائهم، إذن النفس القبلي والعصبية الأسرية تدعو هؤلاء الجهال إلى عدم قبول أطروحة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) السماوية وسيكون رد هذه المعارضات «القبائلية» أيسر من المعارضات الفلسفية والفكرية التي يلتزمها معارضو الإمام الحجة (عليه السلام)، إذ إن الحركة التأويلية هي حركة متمردة في واقعها غير يسيرة في الخضوع إلى الغير، أو قل: إن المعارضات التي يواجهها الإمام (عليه السلام) هي معارضات تنظيمية غير خاضعة لإرادة المبادئ والقيم بل خاضعة لإرادة السياسة والمنصب فقط، والتأويل هو أحد الأطر التي تؤطر هذه المعارضات، علماً أن هذه الحركات أطروحات تنظيرية وضعت من أول الأمر للتصدي لحركة الإمام (عليه السلام) وعملت منذ عقود طوال على احباط المشروع المهدوي، وبذلك فستكون ناضجة بشكل كبير من حيث التنظيم والمعارضة وستعمل على تعزيز الجبهات خصوصاً وهي تعمل على المستوى الإعلامي لتهيئة النفوس للوقوف أمام حركة الإمام المهدي (عليه السلام)، في حين لم تعهد الجهود الرافضة لدعوة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الثقافة التنظيمية المعارضة، بل هي حركات وأفكار بدائية ساذجة لا تتعدى عن التساؤلات والرفض القبلي غير المبرر كما قلنا، ولذلك في تعبير الإمام الصادق (عليه السلام) وردت كلمة «أشد» إشارة إلى قوة الجهد المضاد الذي سيواجهه الإمام (عليه السلام) في حركته، ولعل ذلك يبرره الإمام (عليه السلام) بقوله إنه «ليدخلن عليهم عدله جوف بيوتهم» إشارة إلى عنف التغيير الذي سيلاحق هؤلاء ليقتص منهم بالعدل كل مظلمة وحق.


وفي رواية ابن حمزة نفس اللفظ إلاّ أنه بدل قوله «أشد» أن القائم يلقي في حربه ما يلقى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والرواية تنفي أساليب المعارضة التي عاناها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مما سيعانيه ولده القائم لنفس السبب وهو مشكلة التأويل والإصرار على رفض التغيير.
بل رواية أبان أصرح من سابقها إذ لم يكتف هؤلاء الرافضون للإمام (عليه السلام) بالوقوف أمامها وعدم قبولها بل ستكون هنا حالة التكفير والبراءة الذي يوجب اللعن بعد ذلك من هؤلاء الرافضين لحركة الإمام (عليه السلام) وإشاعته بين أوساط الناس، تماماً كما يفعل هؤلاء الرافضون لأطروحة أهل البيت (عليهم السلام) والذين يكفرون ويلعنون أتباعهم بحجية انحرافهم وخروجهم عن الإسلام بل يستحلون دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وإليك نص هذه الرواية.
روى علي بن أحمد بسنده عن أبان بن تغلب قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إذا ظهرت راية الحق لعنها من أهل الشرق والغرب، أتدري لم ذلك؟ قلت: لا، قال: للذي يلقى الناس من أهل بيته قبل خروجه(2).


وعلة اللعن هنا لا تعني أنها مشروعة يقرها الإمام ويعطي تبرير لهذا الرفض، بل إن الإمام (عليه السلام) أراد أن يشير إلى أن حالات خرق فكري لبعض الحركات المنتسبة لآل البيت (عليهم السلام) تعطي انعكاسا سيئاً للذهنية العامة حتى أنها لا تود استقبال الإمام (عليه السلام) بحركته الإصلاحية هذه، وهو أمرٌ مرفوض إذ من غير الصحيح أن تُلقى لائمة الانحراف السلوكي لبعض التيارات والاتجاهات على الحركات الإصلاحية التي يتزعمها الإمام (عليه السلام) والتبرؤ بسبب ذلك غير مبرر وإن كان السبب يرجع إلى أولئك المنتسبين لآل البيت (عليهم السلام) في فكرهم وأطروحاتهم إلاّ أن انحرافهم السلوكي سيكبّد الناس حالة إحباط شديد يرفضون بسببه حركة الإمام (عليه السلام).
ورواية منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: إذا رفعت راية الحق لعنها أهل الشرق والغرب، قلت له: مم ذلك؟ قال: مما يلقون من بني هاشم(3).
ويمكن تعليل الرفض المعبر عنه باللعن لأن بني هاشم أو المنتسبين في أطروحتهم لبني هاشم (أي أتباع أهل البيت (عليهم السلام)) لشدة ما يمارسونه من العدل والإنصاف فإن كثيرا من أهل الشرق والغرب يرفضون هذا الاتجاه وهؤلاء – من أهل الشرق والغرب - هم أولئك الرافضون لأطروحة آل البيت (عليهم السلام).
ولعل رواية يعقوب السراج ستكون أكثر وضوحا إذا ما عرفنا أنها تعتمد إلى تسمية هذه الجبهات الرافضة وسيزيدنا ذلك قناعة بأن هذه التوجهات الرافضة، هي توجهات تقليدية رافضة لأطروحة أهل البيت (عليهم السلام) بل توجهات معادية لثقافتها الأخلاقية والفكرية.
روى علي بن أحمد بسنده إلى يعقوب السراج قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول:
ثلاثة عشر مدينة وطائفة يحارب القائم أهلها ويحاربونه: أهل مكة، وأهل المدينة، وأهل الشام، وبنو أمية، وأهل البصرة وأهل دميسان، والأكراد، والأعراب، وضبة، وغنى، وباهلة، وأزد، وأهل الري(4).


ومعلوم أن أهل مكة يرفضون الإمام وحركته وهو ما صرحت به روايات النفس الزكية بقوله (عليه السلام): (إن أهل مكة لا يقبلونني..) فيرسل إليهم الغلام الذي سيحاورهم إلاّ أن مصيره سيكون القتل، واما أهل المدينة فهم نفس الوسط الثقافي الذي يرتضع من ثقافات موحدة هي في طبيعتها معادية لأهل البيت (عليهم السلام) ولأتباعهم، والواقع العملي الحالي شاهد على ذلك وهو ما يؤسفنا حقاً كما أن أهل الشام يتميزون في عدائهم لآل البيت ولأتباعهم، والحركات الشامية التي استباحت أتباع آل البيت (عليهم السلام) -خصوصاً في العراق- وممارساتهم العدائية شاهدة على ذلك، كما أن ضبة وغنى وباهلة هي قبائل موالية للحركات المناوئة للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ففي حرب الجمل كان لهذه القبائل حضورها في الجانب المعادي للإمام علي (عليه السلام) ومن غير المستعبد أن تبقى هذه الثقافة أو تترعرع في أوساط الاجيال القادمة.
ولعل تساؤلاً يطرحه البعض عن شأن المدن التي عرفت بولائها لأهل البيت (عليهم السلام) كالبصرة والري وميسان وهي الأقرب من لفظ دميسان ولعل دميسان تصحيف ميسان- وبالرغم من مشهورية هذه المناطق في فكرها وثقافتها الموالية لآل البيت (عليهم السلام) إلاّ أن تحولاً لعله سيحصل فيما بعد لدى البعض ممن يمارسون ثقافات تقريبية غير مبنية على قواعد وأصول الفكر الإمامي الرشيد والذي أوصى به أهل البيت(عليهم السلام) ليواجهوا الإمام (عليه السلام) بالرفض وهذا التحول ناتج عن الفراغ الفكري الذي ستعانيه هذه الأوساط وحالة الجهل والإصرار على رفض قبول الأطروحات الإصلاحية تنشأ من أوساط هذه المدن ثقافات رافضة لدعوة الإمام وحركته، ولعله لجهل وليس لوعي وتكامل في الرؤية فالإصرار الذي سيستشري بين هؤلاء يدفعهم إلى العناد والرفض والانصياع إلى دعوات الإمام (عليه السلام)، وبالرغم من أن الإمام (عليه السلام) يرفض البدء بالقتال ويحرص على حوارهم وإقناعهم أملاً منه برجوعهم إلاّ أن جهلهم يؤدي بهم بعدم القبول والمواجهة غير المشروعة للإمام (عليه السلام).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البحار ٥٢: ٣٦٢.
(2) البحار ٥٢: ٣٦٣.
(3) نفس المصدر.
(4) البحار ٥٢: ٣٦٣.
المصدر : فقه الحوار ونبذ العنف في حركة الإمام المهدي (عجل الله فرجه)
تأليف : السيد محمد علي الحلو (رحمه الله) .

 

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0286 Seconds