الإمام المهدي؛ وعدُ الله وأملُ المستضعفين

, منذ 1 يوم 60 مشاهدة

ليس الإيمان بالإمام المهدي عند الشيعة الإمامية فكرةً أسطورية نشأت من اليأس، ولا حكايةً تاريخيةً تُروى لمجرد التبرك، بل هو امتدادٌ طبيعي لعقيدة الإمامة، ووعدٌ إلهي بأن الأرض لن تبقى أسيرة الظلم إلى الأبد. فالإمام المهدي، في التصور الإمامي الاثني عشري، هو محمد بن الحسن العسكري، الإمام الثاني عشر، والحجة الباقية لله على خلقه، الذي غاب عن الأنظار وسيظهر في آخر الزمان ليقيم القسط والعدل. وهذا التصور يمثل محورًا أساسيًا في العقيدة الإمامية.

إن أول ما ينبغي فهمه هو أن غيبة الإمام لا تعني غياب الحجة الإلهية عن الوجود. فالشيعة الإمامية يرون أن الأرض لا تخلو من حجة لله، وأن الإمام قد يكون ظاهرًا يُعرف شخصه، وقد يكون غائبًا عن أعين الناس لحكمة إلهية. ولذلك فالغيبة ليست موتًا للإمامة، ولا انقطاعًا للعناية الإلهية، وإنما مرحلة استثنائية في تاريخ البشرية. وقد قسمت المصادر الإمامية الغيبة إلى غيبة صغرى، كان فيها الاتصال بالإمام يتم عبر أربعة نواب، ثم الغيبة الكبرى التي بدأت بعد وفاة النائب الرابع سنة 329هـ وما زالت مستمرة.

وقد يسأل البعض: لماذا يغيب الإمام؟ والجواب الإمامي لا يحصر الحكمة في سبب واحد؛ فحفظ الإمام من بطش السلطات، واستقلاله عن البيعة للظالمين، وامتحان المؤمنين، وتهيئة الظروف المناسبة لظهوره، كلها معانٍ وردت في التراث الإمامي. كما أن الحكمة الكاملة للغيبة ليست بالضرورة مما يستطيع الإنسان الإحاطة به؛ فالإنسان قد يرى جزءًا من الحكمة دون أن يدرك جميع أبعادها.

لكن انتظار المهدي لا يعني أن يعيش الإنسان سلبيًا، يترك الظلم والفساد ثم يقول: «سيأتي المهدي ويصلح كل شيء». على العكس، الانتظار الحقيقي في الفكر الشيعي مسؤولية أخلاقية. فمن ينتظر إمام العدل ينبغي أن يكون عادلًا، ومن ينتظر دولة الحق ينبغي أن يرفض الباطل، ومن يؤمن بأن للإنسان إمامًا وحجةً لله ينبغي أن يراقب سلوكه ويطهّر نفسه ويثبت على دينه.

وهنا تكمن قوة فكرة الانتظار: إنها تحول المستقبل إلى مسؤولية في الحاضر. فالمهدي ليس ذريعةً للهروب من الواقع، بل رمزٌ للثبات على الحق حين يكثر الباطل، ولعدم الاستسلام لفكرة أن الظلم قدرٌ أبدي. إن المؤمن بالمهدي لا يقول إن الظالم سينتصر لأنه قوي، بل يؤمن بأن للظلم نهاية، وأن ميزان الله أعدل وأبقى من موازين الطغاة.

وفي الرواية الإمامية يرتبط ظهور الإمام المهدي بإقامة القسط وإزالة الجور، ولذلك لا ينبغي اختزال شخصيته في علامات الظهور والقصص المتداولة حولها. جوهر القضية أعمق: إنه وعدٌ بانتصار الحق، وامتدادٌ لخط النبوة وأهل البيت، وتجسيدٌ للأمل بأن التاريخ لا ينتهي بانتصار القوة على العدالة. وتذكر المصادر أن الاعتقاد بالمهدي ليس تصورًا شيعيًا معزولًا عن التراث الإسلامي، بل إن أصل فكرة المهدي وظهوره في آخر الزمان حاضر أيضًا في التراث السني، مع اختلاف المسلمين في تحديد شخصه وتفاصيل عقيدته.

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس: «هل نستطيع أن نرى الإمام الآن؟» وإنما: «ماذا فعلنا نحن في زمن الغيبة؟». هل حافظنا على الإيمان عندما غاب الإمام عن أعيننا؟ هل وقفنا مع المظلوم؟ هل رفضنا الكذب والظلم والخيانة؟ هل ربّينا أنفسنا على الصبر والتقوى؟ أم جعلنا الانتظار مجرد شعار؟

إن الإمام المهدي في الوعي الشيعي ليس شخصيةً تُستحضر في المناسبات ثم تُنسى، بل هو عنوان لعهدٍ مع الله: أن يبقى الإنسان وفيًا للحق حتى لو طال الطريق. ولذلك فإن الغيبة، مهما امتدت، لا تعني أن الوعد قد سقط؛ بل تعني أن على المؤمن أن يثبت.

وسيظهر الإمام حين يأذن الله، لا وفق استعجال البشر ولا وفق حساباتهم. أما مسؤوليتنا اليوم فهي أن نكون من الذين إذا جاء الحق عرفوه، وإذا دعاهم إلى العدل استجابوا، وإذا انتصر لم يكونوا غرباء عنه.

فالمهدي، في العقيدة الإمامية، ليس مجرد «منتظر» يأتي في نهاية التاريخ؛ إنه أملٌ حاضر، وعقيدةٌ تصنع الإنسان الذي يستحق أن يكون من أنصار الحق عندما يحين يوم ظهوره.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.1872 Seconds