تتنوع سبل نصرة الإمام المهدي (عج) في عصر الغيبة بين الجوانب الروحية كالمعرفة والانتظار والارتباط الوجداني، والجوانب العملية كإصلاح النفس والتمسك بالدين والعمل الاجتماعي الإصلاحي والرجوع للفقهاء، مع التأكيد على أن الانتظار ليس حالة سكون بل هو فعل إيجابي يوازي الجهاد في سبيل الله.
إن منزلة المنتظر في زمن الغيبة توازي منزلة المجاهد بين يدي النبي (ص) بالسيف، حيث جعل الله لأهل زمان غيبته من العقول والأفهام ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، فهم المخلصون حقاً والدعاة إلى دين الله سراً وجهراً.
إن التمهيد العملي للظهور يتطلب إصلاح النفس والمجتمع ومواجهة الظلم، حيث إن مشاركة الفرد والمجتمع في إيجاد شرط الظهور لا يكون إلا بالعمل الجاد المنتج لرفع درجة الإخلاص والشعور بالمسؤولية. فالانتظار الحقيقي يتضمن حركة بناء مستمرة واستعداداً لظهور المنقذ المنتظر على الصعيدين الفردي والاجتماعي مهما كانت الصعاب والتضحيات، والتحرك للتمهيد للظهور المهدوي على الصعيد الاجتماعي يكون بدعوة الناس إلى دين الله الحق وتربية أنصار الإمام والتبشير بثورته الكبرى، دون أن يسوغ المنتظر لنفسه التقاعس عن هذا الواجب التمهيدي تذرعاً بصعوبة الظروف.
التكاليف الشرعية والارتباط الوجداني
يعد الرجوع للفقهاء في زمن الغيبة هو المنهج المعتمد في النيابة العامة، حيث ورد عن الإمام (عج): «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله». فالنيابة العامة في عصر الغيبة الكبرى هي نيابة لم تحدد لشخص معين بل حددت بعنوان عام ينطبق على الفقهاء، والعمومية هنا بلحاظ صيغة التعيين بالنوع لا بالشخص، مما يجعل الرجوع إليهم واجباً شرعياً لضمان الثبات على منهج أهل البيت (عليهم السلام) في ظل غيبة الإمام.
الارتباط بالإمام المهدي (عج) من خلال الدعاء :
يتحقق الارتباط بالإمام المهدي (عج) بالدعاء له والتمسك بنهج أهل البيت، حيث توجد واجبات للمؤمنين تجاه الإمام مثل الدعاء له بالحفظ والنصرة وتعجيل فرجه وظهوره وكبح أعدائه والتصدق عنه والمواظبة على زيارته. إن تمتين الارتباط الوجداني بالمهدي المنتظر والتفاعل العملي مع أهدافه السامية والدفاع عنها والشعور الوجداني العميق بقيادته يمثل تكليفاً أساسياً، كما أن إحياء أمر منهج أهل البيت (عليهم السلام) الذي يمثله الإمام بما يعنيه ذلك من العمل بالإسلام النقي ونشر أفكارهم والتعريف بمظلوميتهم وموالاتهم والبراءة من أعدائهم يعد من أبرز التكاليف.
إن معرفة الإمام المهدي (عج) والإيمان بإمامته والقيام بمهامها في غيبته ومعرفة طبيعة دوره التاريخي وأبعاده والواجبات التي يتضمنها ودور المؤمنين تجاهه، هي أساس التكليف. وقد ورد عن الإمام الصادق (ع) في بيان فضل من عرف إمامه: «من عرف إمامه ثم مات قبل أن يقوم صاحب هذا الأمر كان بمنزلة من كان قاعداً في عسكره، لا بل بمنزلة من قعد تحت لوائه»، بل ورد في بعض الروايات أنه بمنزلة من استشهد مع رسول الله (ص). وهذا يؤكد أن المعرفة ليست مجرد معلومة ذهنية بل هي محرك للعمل الإصلاحي.
ومن السخف ما قيل بأن الاعتقاد بوجود المهدي (ع) دافع على الاستخذاء وترك العمل، فالصحيح هو أن الانتظار فعل إيجابي. إن تصعيد درجة الإخلاص والوعي قد يكون قائماً على أساس الاضطرار أو الاختيار، والتمحيص الاختياري مضافاً إلى التمحيص الاضطراري سبب لإيجاد المستوى الرفيع المطلوب للمشاركة في قيادة العالم. إن الفرد الذي يهرب من ظروف الظلم أو المجتمع الذي يعيش في رفاه بعيداً عن هذه الظروف لن يعمل ولن يصل إلى حد الوعي والإخلاص المطلوب، فالتفكير الجدي والعمل هو الأساس لتصعيد درجة الإخلاص والشعور بالمسؤولية والمران على الصمود والتضحية.
الثبات على الدين في زمن الغيبة :
إن التكليف في زمن الغيبة يتطلب الثبات على الدين، وقد روي عن الإمام الصادق (ع): «من سرّه أن يكون من أصحاب القائم، فلينتظر، وليعمل بالورع، ومحاسن الأخلاق، فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه». هذا يعني أن الانتظار ليس شعاراً أجوف، بل هو صبر واستقامة واستعداد عملي، وتمهيد لمقدمات الفرج، فالذي ينتظر ضيفاً عزيزاً يبادر إلى إعداد داره بشكل يتناسب وشأن ضيفه، والمنتظرون له يشعرون بالحاجة إليه ويدركون أهدافه ويتوقعون ظهوره في كل لحظة.
لماذا لا يتدخل الإمام لرفع المصائب ؟
إن الاعتراضات المتعلقة بعدم تدخل الإمام لرفع المصائب، فإن طول الغيبة وقصرها منوطان بتحقق عوامل الظهور وعدم تحققها، وبما أن جميع العوامل والأسباب لم تتحقق حتى يوم الناس هذا، فقد طالت الغيبة. والمصائب التي تعصف بالمؤمنين هي بمرأى الإمام المهدي (عج) كما هي بمرأى الله، وكما أن المصلحة لا تقتضي الآن أن يرفع الله هذه المصائب بالمباشرة، كذلك لا تقتضي أن يرفعها عن طريق وليه الحجة (عج) المنتظر، فوجود الإمام أمان لأهل الأرض من جميع الجهات، ولو خلت الأرض من حجة لساخت بأهلها.
ختاماً، إن نصرة الإمام المهدي (عج) في هذا الزمان تتلخص في أن يكون المؤمن على مستوى رضا الإمام قبل ظهوره وبعده، وذلك من خلال التمسك بالأحكام الإسلامية بدقة، سواء على المستوى الشخصي أو الاجتماعي. إن التمسك بالإمام الغائب يعني اتباع نوابه العامين، والتبليغ لمذهب أهل البيت ونشره، ومحاربة موانع ظهوره، والسعي من أجل الربط بين القرآن والعترة، وتهيئة الأرضيات الثقافية والسياسية والاقتصادية لحكومة الإسلام العالمية، وهي مهمة بالغة الصعوبة، حيث روي عن الإمام الصادق (ع): «إن لصاحب هذا الأمر غيبة، المتمسك فيها بدينه كالخارط للقتاد»؛ مما يستوجب الصبر واليقين والثبات على الولاية.
وإن نصرة الإمام المهدي (عج) لا تنفك عن سنة التمحيص الإلهي التي تهدف إلى استخلاص النخبة الصالحة من بين الأمة، حيث يختبر الله عباده بالفتن والشدائد ليميز الخبيث من الطيب. وقد ورد عن الإمام الصادق (ع) في وصف هذه الحالة: «لو ميزت شيعتي لم أجدهم إلا واصفة، ولو امتحنتهم لما وجدتهم إلا مرتدين، ولو تمحصتهم لما خلص من الألف واحد». ووجه الاستدلال هنا أن الانتظار ليس مجرد حالة عاطفية، بل هو عملية تصفية وتزكية مستمرة تتطلب من المؤمن الثبات على المبادئ في أشد الظروف، فالمؤمن الذي يطمح لنصرة الإمام يجب أن يمر بمراحل من الابتلاء التي تصقل إرادته وتجعله من «الصلحاء والنجباء والفقهاء» الذين يمثلون نواة الجيش العقائدي.
ومن هنا تتضح أهمية هذا التمحيص في كونه يرفع درجة الإخلاص لدى الفرد، حيث إن العمل في زمن الغيبة يواجه تحديات الانحراف والإغراء، مما يجعل المسؤولية الفردية والاجتماعية تتضاءل في العصيان مقارنة بزمن التشريع، لكنها لا تسقط التكليف. إن التمحيص الاضطراري الذي تفرضه الظروف الصعبة يضاف إليه «التمحيص الاختياري»، وهو اندفاع المكلف للعمل بالحق والدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة دون انتظار ضغط خارجي. هذا الاندفاع الاختياري هو الذي يسرع في إيجاد شرط الظهور، فمن السخف الاعتقاد بأن الغيبة دافع للاستخذاء، بل هي دافع للعمل الجاد المنتج لرفع درجة الإخلاص.
موقع ديني مختص في مسائل الإمام المهدي (عج) تابع لشعبة البحوث والدراسات - ق. الشؤون الدينية - الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة