تمهيد
تُعدّ ولادة الإمام محمد بن الحسن المهدي عليه السلام من أبرز الوقائع التي ارتبطت في التراث الإمامي بجملة من الخصائص والخوارق، نظراً إلى الظروف السياسية والأمنية التي أحاطت بولادته في العصر العباسي، وما ترتب على ذلك من شدة التكتم في شأنها. ومن بين أبرز هذه الخصائص ما ترويه المصادر الإمامية من تكلمه عليه السلام في صغره، بل من نطقه عند ولادته أو في الأيام الأولى منها، وقراءته شيئاً من القرآن، وصلاته على النبي وأهل بيته عليهم السلام.
وتكتسب هذه الروايات أهميتها من جهتين متكاملتين: الأولى روائية تاريخية تتعلق بإثبات وقوع الحدث ونقل تفاصيله، والثانية عقدية كلامية تتعلق بإمكان صدور مثل هذه الخارقة، وبعلاقتها بمفهوم الإمامة والحجة الإلهية. ومن هنا ينبغي التمييز بين إمكان المعجزة في العقل والشرع وبين درجة ثبوت كل رواية من رواياتها من جهة السند والدلالة.
أولاً: رواية حكيمة بنت الإمام الجواد عليه السلام
من أشهر ما ورد في هذا الباب الروايات المنقولة عن السيدة حكيمة بنت الإمام محمد الجواد عليها السلام، وهي عمة الإمام الحسن العسكري عليه السلام، والتي تروي تفاصيل ليلة ولادة الإمام المهدي عليه السلام.
وتذكر الرواية أن الإمام الحسن العسكري عليه السلام طلب من عمته حكيمة أن تبقى ليلة الولادة، وأنها كانت تراقب السيدة نرجس عليها السلام حتى قرب الفجر. ثم وقع ما وصفته الرواية من خوارق، منها سماع الجنين يقرأ كما تقرأ حكيمة سورة القدر، ثم وقوع حجاب بينها وبين نرجس، وبعد انكشافه رأت المولود ساجداً. وتورد الروايات بعد ذلك أن الإمام الحسن العسكري عليه السلام أخذ المولود، وحنّكه، ثم قال له: «تكلم يا بني»، فنطق بالشهادة والصلاة على النبي وأمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام، ثم تلا آيات من سورة القصص. وقد ورد هذا المضمون في مصادر حديثية وتاريخية متعددة، ومنه ما نُقل في كمال الدين وتمام النعمة، كما أعادت مصادر متأخرة نقله وشرحه.
وتظهر أهمية شهادة حكيمة من كونها شهادة شخصية قريبة من الواقعة، لا نقلاً متأخراً عن حادثة لم يشهدها أحد من أهل البيت. كما أن بعض الروايات تجعل تكلمه عليه السلام متكرراً في أكثر من موضع: عند الولادة، ثم في اليوم السابع، وهو ما يفسر اختلاف بعض النصوص في تحديد اللحظة الدقيقة لأول كلامه.
ففي رواية اليوم السابع، مثلاً، تذكر حكيمة أنها جاءت إلى الإمام الحسن العسكري عليه السلام، فأُتي بالمولود، ثم طلب منه أبوه أن يتكلم، فنطق بالشهادة والصلاة على النبي وأمير المؤمنين والأئمة، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ وما بعدها.
وهنا ينبغي التنبيه منهجياً إلى أن اختلاف الروايات في التفصيل لا يستلزم بالضرورة التناقض؛ فقد تكون بعض النصوص تتحدث عن الكلام الأول عند الولادة، بينما تتحدث أخرى عن واقعة الكلام بحضور حكيمة بعد ذلك بأيام.
ثانياً: دلالة الآيات التي نطق بها الإمام
ليس المهم في الرواية مجرد صدور الكلام من طفل حديث الولادة، بل إن مضمون الكلام المنقول يحمل دلالة عقدية واضحة في البناء الإمامي؛ فقد نسبت الروايات إليه قراءة قوله تعالى:
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: 5-6].
وتكتسب هذه الآيات أهمية خاصة في الفكر المهدوي الإمامي؛ إذ ورد في بعض روايات أهل البيت تفسير جريان هذه الآية في الأئمة عليهم السلام، وربط مضمون الاستضعاف والتمكين بمسار الإمامة. ولذلك فإن إيرادها في قصة ولادة الإمام المهدي عليه السلام يؤدي وظيفة رمزية وعقدية، إذ يربط بين مولده وبين الوعد الإلهي بالتمكين والوراثة.
وقد نقلت مصادر مهدوية الرواية التي تجعل الإمام عند ولادته يقرأ هذه الآيات، كما نقلت روايات أخرى مضموناً مشابهاً مع اختلاف في ترتيب الكلام والأحداث.
ثالثاً: السرية التي أحاطت بالولادة
لا يمكن فهم الروايات الخاصة بولادة الإمام المهدي عليه السلام بمعزل عن الظروف السياسية التي تنقلها المصادر الإمامية. فقد كان الاعتقاد بظهور المهدي وانتسابه إلى الإمام الحسن العسكري عليه السلام معروفاً في البيئة الشيعية، الأمر الذي جعل ولادته ـ بحسب الرواية الإمامية ـ موضع مراقبة وملاحقة.
ولهذا جاءت أخبار الولادة في صورة روايات تؤكد شدة الكتمان، وأن الإمام العسكري عليه السلام كان يخبر خواص أصحابه وأهل بيته بالولادة مع التأكيد على حفظ الخبر. وتذكر بعض المصادر أن حكيمة نفسها فوجئت بعد الولادة بعدم وجود المولود، فأخبرها الإمام بأنه أودعه عند من استودعت أم موسى ولدها، في إشارة واضحة إلى قصة موسى عليه السلام وسرية ولادته.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم حضور شخصية حكيمة في الرواية: فهي ليست مجرد راوٍ لحدث خارق، وإنما تمثل شاهداً من داخل الأسرة، في قصة تؤكد الروايات أنها كانت محاطة بدرجة عالية من السرية.
رابعاً: المعجزة في المهد وإمكانها القرآني
من الناحية العقدية، لا يمثل التكلم في المهد أمراً مستحيلاً في التصور الإسلامي؛ فقد أثبت القرآن الكريم وقوعه في حق عيسى بن مريم عليه السلام. قال تعالى:
﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: 29-30].
فالقرآن يقرر صراحة أن عيسى عليه السلام تكلم وهو في المهد، ويعرض كلامه باعتباره آية خارقة للعادة مرتبطة بمقامه النبوي وبالدفاع عن أمه مريم عليها السلام.
كما يذكر القرآن الكريم يحيى عليه السلام بقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: 12]. وقد فسرت المصادر ذلك بإعطائه العلم والحكمة في صغره، ونقلت بعض التفاسير أقوالاً في صغر سنه عند حصول ذلك.
ومن ثم فإن الاستدلال الإمامي هنا لا يقوم على دعوى أن كل طفل يمكن أن يتكلم بالمعجزات، وإنما على أصل أعم، وهو أن القدرة الإلهية لا تتقيد بالسن المعتاد، وأن الله تعالى قد يخص بعض أوليائه بآيات خارقة للعادة لحكمة تتعلق بإظهار حجته.
خامساً: صغر السن والإمامة
تظهر أهمية هذه المسألة بصورة أوضح عند ربطها بإمامة الإمام المهدي عليه السلام في سن مبكرة. فالإشكال الذي يثار حول إمامته في الصغر يفترض أن المنصب الإلهي يتوقف بالضرورة على مراحل النضج البيولوجي والنفسي المعتادة.
أما التصور الإمامي فيرفض هذا الافتراض من أساسه؛ لأن الإمامة، بحسب هذا التصور، ليست منصباً بشرياً يكتسبه الإنسان بالتجربة الاجتماعية وحدها، وإنما هي اصطفاء إلهي مقرون بالعلم والحجة. ومن هنا يستشهد علماء الإمامية بقصص القرآن عن عيسى ويحيى عليهما السلام لإثبات أن السن لا يمثل مانعاً عقلياً من إفاضة العلم والحجة الإلهية على الإنسان.
وتوجد في التراث الإمامي أيضاً مناقشات واسعة حول إمامة الإمام محمد الجواد عليه السلام في صغر سنه، وهي مناقشات مهدت من الناحية الكلامية لقبول إمامة الإمام المهدي عليه السلام وهو صغير.
سادساً: الروايات المقارنة حول التكلم في المهد
لم تقتصر روايات التكلم في المهد على عيسى عليه السلام في القرآن؛ فقد أوردت بعض كتب السيرة والتاريخ روايات عن كلام النبي محمد صلى الله عليه وآله في صغره، وإن كانت هذه الأخبار تختلف في أسانيدها وفي تفاصيلها. كما جمعت بعض المصنفات أخبار من تكلموا في المهد، وذكرت أسماء متعددة من الأنبياء وغيرهم.
لكن المنهج العلمي يقتضي عدم التسوية بين جميع هذه الأخبار من حيث الحجية الحديثية. فثبوت معجزة عيسى عليه السلام قرآني قطعي من حيث أصل وقوعها، أما الأخبار الأخرى ـ ومنها ما يتعلق بالنبي صلى الله عليه وآله أو ببعض الأولياء ـ فتحتاج إلى دراسة مستقلة للأسانيد والمتون.
ومن هنا فإن أقوى وجه في المقارنة هو الاستدلال بالقرآن على إمكان أصل الظاهرة، ثم دراسة روايات الإمام المهدي عليه السلام بصورة مستقلة من حيث مصادرها وأسانيدها وتعدد طرقها.
خاتمة
يتضح من مجموع البحث أن قضية تكليم الإمام المهدي عليه السلام في المهد تقع عند تقاطع ثلاثة مستويات: المستوى الروائي، والمستوى العقدي، والمستوى القرآني المقارن. فعلى المستوى الروائي، تنقل المصادر الإمامية روايات متعددة عن حكيمة بنت الإمام الجواد عليها السلام تصف ولادة الإمام المهدي عليه السلام وما رافقها من خوارق، ومنها سجوده وتكلمه وقراءته آيات من القرآن. وتوجد نصوص تنقل هذا المضمون بألفاظ متقاربة، مع اختلاف في بعض التفاصيل المتعلقة بتوقيت الكلام وترتيبه.
وعلى المستوى العقدي، لا تُبنى المسألة على مجرد غرابة الحدث، بل على مفهوم الإمامة بوصفها اصطفاءً إلهياً، وعلى إمكان اختصاص الحجة الإلهية بقدرات وعلوم خارقة للمألوف. أما المستوى القرآني فيقدم أساساً مهماً لإمكان التكلم في المهد من خلال قصة عيسى عليه السلام، فضلاً عن إيتاء يحيى الحكم في الصغر.
وبذلك فإن الدراسة المنهجية المنصفة لا تقتضي أن يُقال إن كل رواية في هذا الباب صحيحة السند بالضرورة، كما لا يصح أن يُقال إن غرابة الواقعة تجعلها مستحيلة عقلاً. بل ينبغي التفريق بين إمكان المعجزة، وهو ثابت في التصور القرآني، وبين ثبوت تفاصيل الرواية التاريخية، وهو بحث حديثي مستقل. وفي إطار العقيدة الإمامية، تمثل روايات تكليم الإمام المهدي عليه السلام في المهد إحدى العلامات التي تُقرأ ضمن منظومة أوسع لإثبات ولادته وإمامته واستمرار الحجة الإلهية في الأرض.
أهم مصادر المقال
الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، باب ما ورد في ولادة القائم عليه السلام.
الشيخ الطوسي، الغيبة، ص 234 .
السيد هاشم معروف الحسني، الإمام المهدي من المهد إلى الظهور.
الشيخ خليل رزق، الإمام المهدي واليوم الموعود.
موقع ديني مختص في مسائل الإمام المهدي (عج) تابع لشعبة البحوث والدراسات - ق. الشؤون الدينية - الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة