لم تكن قضية الإمام المهدي عليه السلام في مدرسة أهل البيت عليهم السلام مجرد حديث عن شخصية تظهر في آخر الزمان لتضع حدًا للظلم، وإنما هي حديث عن مشروع إلهي متكامل لهداية الإنسان وإقامة العدل وإكمال مسيرة الأنبياء والأوصياء.
فالإنسانية، مهما بلغت من التقدم العلمي والمادي، تبقى في حاجة إلى هداية تحرر العقل من الجهل، والقلب من الانحراف، والمجتمع من الظلم، والحياة من الفوضى الأخلاقية. وقد استطاع الإنسان أن يكتشف أسرارًا كثيرة في الكون، وأن يقطع المسافات، وأن يطوّر أدوات العلم والتكنولوجيا، لكنه لم يستطع أن يجعل القوة دائمًا في خدمة الحق، ولا العلم دائمًا في خدمة الإنسان، ولا السياسة دائمًا في خدمة العدالة.
ومن هنا تأتي أهمية القضية المهدوية: إنها ليست هروبًا من الواقع، بل وعدٌ بمستقبل تتحول فيه قيم التوحيد والعدل والعلم والأخلاق من مبادئ ينادي بها الأنبياء والصالحون إلى واقعٍ تعيشه البشرية.
والقرآن الكريم حين يتحدث عن مستقبل الأرض لا يقدمه باعتباره انتصارًا دائمًا للظلم، بل يقرر سنة إلهية في نهاية المطاف، وهي أن الأرض تكون للصالحين والمستضعفين، وأن دين الله وعبادته وأمن الإنسان وعدله يمكن أن تتحول إلى واقع عالمي.
قال تعالى:
﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾
[القصص: 5-6]
فالآية ترسم قاعدة واضحة: الاستضعاف ليس هو الكلمة الأخيرة في تاريخ البشرية، والطغيان ليس هو المستقبل المحتوم، بل إن إرادة الله تتجه إلى تمكين المستضعفين وجعلهم أئمة ووارثين. وقد ربطت الروايات المهدوية هذا الوعد بظهور القائم عليه السلام، باعتباره أحد أبرز مصاديق تحقق وعد الله في إقامة دولة الحق والعدل.
أولًا: الإمام المهدي امتداد لوعد الله في إقامة العدل
إذا أردنا أن نفهم الهداية المهدوية بصورة صحيحة، فعلينا أن نبدأ من مفهوم العدل.
فالقرآن لا يجعل العدل قيمة هامشية، بل يجعله من الغايات الكبرى للرسالات.
قال تعالى:
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾
[الحديد: 25]
فالغاية ليست أن تبقى العدالة مجرد نصوص في الكتب، وإنما أن يقوم الناس بالقسط.
وهنا تظهر العلاقة العميقة بين الرسالات السماوية والظهور المهدوي؛ فالأنبياء جاءوا بالكتاب والميزان، والإمام المهدي عليه السلام ـ في الرواية الإسلامية ـ يأتي في نهاية المسيرة ليقيم العدل على نطاق شامل.
وقد تواترت أو كثرت الروايات في المصادر الإسلامية المختلفة في وصف المهدي بأنه يملأ الأرض قسطًا وعدلًا بعدما ملئت ظلمًا وجورًا. ومن أشهرها ما روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله:
«المهدي مني... يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا».
وقد أخرج الحديث أبو داود وأحمد والحاكم، وحُكم على بعض طرقه بالحسن أو الصحة عند عدد من المحدثين.
وهذه الرواية تكشف أن وظيفة الإمام المهدي ليست مجرد إزالة حاكم ظالم واستبداله بحاكم آخر، لأن القضية أعمق من تبديل الأشخاص؛ إنها إعادة بناء منظومة الحياة على أساس القسط.
فالعدل المهدوي يعني أن يصبح الحق معيارًا فوق القوة، وأن تكون كرامة الإنسان مصونة، وأن لا يكون المال أو النسب أو النفوذ سببًا لتقديم إنسان على آخر في حقوقه.
ثانيًا: الوعد القرآني بالاستخلاف والأمن
ومن الآيات التي ترتبط في الروايات والتفاسير بالمشروع المهدوي قوله تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾
[النور: 55]
تجمع هذه الآية بين أمور ثلاثة عظيمة:
الاستخلاف، وتمكين الدين، والأمن بعد الخوف.
وهذه العناصر تكشف أن المشروع الإلهي ليس مشروعًا روحيًا منفصلًا عن الحياة؛ فالإيمان والعمل الصالح ينبغي أن ينعكسا على الواقع، والدين ينبغي أن يكون حاضرًا في بناء المجتمع، والخوف ينبغي أن يتحول إلى أمن.
ومن هنا نفهم أن دولة العدل المهدوية ليست دولة قمع أو استبداد ديني، وإنما دولة يكون فيها الأمن نتيجة طبيعية للعدل، ويكون الدين قوة لتحرير الإنسان لا وسيلة لاستعباده.
إن الإنسان في عالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من القوة بقدر حاجته إلى قوةٍ عادلة، ولا يحتاج فقط إلى مزيد من المعرفة بقدر حاجته إلى معرفةٍ تهديه إلى الخير.
ثالثًا: هداية الإمام المهدي تبدأ من هداية العقول
وهذه النقطة من أهم ما ورد في الروايات المهدوية، وربما كانت من أعمق أبعادها.
فالإمام الباقر عليه السلام يقول:
«إذا قام قائمنا وضع الله يده على رؤوس العباد، فجمع بها عقولهم وكملت به أحلامهم».
وقد ورد هذا الحديث في الكافي في كتاب العقل والجهل، كما ورد بألفاظ قريبة في مصادر أخرى.
وهنا نكتشف أن الهداية المهدوية لا تبدأ بالسيف، وإنما تبدأ بالعقل.
فالإنسان لا يتحول إلى عادل بمجرد تغيير السلطة، وإنما يحتاج إلى عقل يعرف الحق ويختاره، ووعي يدرك عواقب الظلم، ونفسٍ تتحرر من الأنانية.
ولهذا فإن الرواية تجعل من أبرز آثار قيام القائم عليه السلام جمع العقول وكمال الأحلام.
والمقصود ليس أن البشر يفقدون إرادتهم، وإنما أن العقل الإنساني يبلغ درجة أعلى من الرشد والوعي؛ فلا يصبح الإنسان أسير الشهوة أو التعصب أو الجهل أو التضليل.
إن أعظم انتصار للإمام المهدي ليس أن يسيطر على الأرض، وإنما أن يحرر الإنسان من داخله.
رابعًا: عصر الإمام المهدي عصر انفجار المعرفة
ولا تقف الروايات عند تكامل العقل، بل تتحدث أيضًا عن اتساع دائرة العلم.
عن الإمام الصادق عليه السلام:
«العلم سبعة وعشرون حرفًا، فجميع ما جاءت به الرسل حرفان، فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين، فإذا قام القائم أخرج الخمسة والعشرين حرفًا فبثها في الناس...»
وقد وردت هذه الرواية في مختصر بصائر الدرجات، الصفحة 117.
إن دلالة هذه الرواية بالغة الأهمية؛ لأنها تصحح تصورًا شائعًا عن المهدوية يجعلها مرتبطة بالتراجع الحضاري.
الرواية تقدم صورة مختلفة تمامًا: ظهور الإمام المهدي يرتبط باتساع المعرفة.
وهذا يعني أن الهداية ليست ضد العلم، وإنما العلم نفسه يحتاج إلى الهداية.
فالمشكلة ليست أن يمتلك الإنسان المعرفة، وإنما أن يمتلك المعرفة دون حكمة.
العلم يستطيع أن يصنع الدواء، لكنه يستطيع أيضًا أن يصنع السلاح.
والعلم يستطيع أن يقرّب الإنسان من الإنسان، لكنه يستطيع أيضًا أن يصنع أدوات للسيطرة والمراقبة والاستغلال.
والعلم يستطيع أن يجعل الحياة أكثر رفاهية، لكنه لا يستطيع وحده أن يجيب عن سؤال: لماذا ينبغي أن أستخدم هذه القوة في الخير لا في الشر؟
وهنا تأتي الهداية.
إن دولة الإمام المهدي ـ وفق هذه الروايات ـ لا تعادي العلم، وإنما تضع العلم في موضعه الصحيح: خادمًا للإنسان، لا سيدًا عليه.
خامسًا: الإمام المهدي وهداية الإنسان إلى التوحيد
إن إقامة العدل ليست منفصلة عن التوحيد.
فالقرآن عندما تحدث عن وعد الاستخلاف في سورة النور لم يكتفِ بذكر الأمن والتمكين، وإنما ختم الوعد بقوله:
﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾
[النور: 55]
وهنا يتضح أن الأمن والسلطة والعدل ليست غاية نهائية مستقلة، وإنما الغاية الأعمق هي أن يعيش الإنسان في ظل العبودية لله.
فالإنسان الذي يتحرر من عبودية البشر ولا يتحرر من عبودية الشهوة والمال والهوى لم يصل إلى الحرية الحقيقية.
وقد قال تعالى:
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[يونس: 62]
فالرسالة المهدوية تعيد الإنسان إلى مركزه الحقيقي: عبدٌ لله، مكرمٌ بين خلقه، مسؤول عن أفعاله، وليس عبدًا للمال أو السلطة أو الشهوة.
سادسًا: هداية البشرية من خلال إقامة القسط
قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾
[الأنبياء: 105]
إن الآية تعطي بعدًا عالميًا للوعد الإلهي: الأرض ليست قدرًا محتومًا للفساد والظلم.
قد يطول زمن الظالم، وقد تتعاظم قوة الباطل، وقد يبدو أحيانًا أن الصالحين أقل قدرة على التأثير، لكن القرآن يرفض أن يكون الظلم هو النهاية.
ولهذا كانت قضية الإمام المهدي في الوعي الإسلامي تعبيرًا عن الأمل الإلهي في انتصار الصلاح والعدل.
وقد ربطت روايات أهل البيت عليهم السلام بين هذه الآيات وبين قيام القائم عليه السلام، باعتباره مصداقًا من مصاديق تحقق الوعد الإلهي في آخر الزمان.
ومن هنا نفهم أن انتظار المهدي ليس انتظارًا لشخص فحسب، بل انتظارٌ لمرحلة تنتقل فيها البشرية من منطق القوة إلى منطق الحق.
سابعًا: الهداية المهدوية ليست إلغاءً للإنسان بل إحياءٌ لإنسانيته
قد يظن البعض أن الحديث عن دولة عالمية للحق يعني إلغاء الاختلاف بين البشر أو مصادرة إرادتهم.
لكن الهداية الحقيقية لا تقوم على إلغاء العقل، وإنما على تحريره.
فالإنسان المهتدي هو الذي يعرف الحق ويختاره.
ولهذا فإن الإمام المهدي لا يأتي ليجعل البشر مجرد أدوات في نظام سياسي، وإنما ليعيد إليهم فطرتهم وعقولهم وكرامتهم.
ومن هنا يمكن فهم الرواية:
«إذا قام قائمنا وضع الله يده على رؤوس العباد، فجمع بها عقولهم وكملت به أحلامهم».
إن الإنسان في عصر الظهور، وفق هذه الصورة الروائية، لا يصبح أقل إنسانية، وإنما يصبح أكثر إنسانية؛ لأن عقله يكتمل، ووعيه يرتفع، وأخلاقه تتكامل.
وهذا يفسر لماذا لا يمكن اختزال المشروع المهدوي في الجانب العسكري.
فالسلاح يستطيع إسقاط نظام، لكنه لا يستطيع وحده بناء حضارة.
والقوة تستطيع إنهاء طاغية، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة الإنسان العادل.
أما بناء الإنسان، وإكمال عقله، ونشر العلم، وإقامة العدل، وتحقيق الأمن؛ فهذه هي عناصر الحضارة الحقيقية.
ثامنًا: الإمام المهدي وارث مشروع الأنبياء
إن مشروع الإمام المهدي لا يبدأ من الصفر.
فالأنبياء جميعًا دعوا إلى التوحيد والعدل والأخلاق، ولكن البشرية لم تستطع في تاريخها الطويل أن تحقق هذه المبادئ بصورة شاملة ودائمة.
فجاءت الرسالات الواحدة بعد الأخرى لتعيد الإنسان إلى الطريق.
قال تعالى:
﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾
[الشورى: 13]
فالمشروع المهدوي هو، في هذا الفهم، امتداد لمسيرة طويلة بدأت بآدم، واستمرت مع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، ثم استمرت في خط الإمامة والهداية.
ولهذا فإن الإمام المهدي ليس مشروعًا منفصلًا عن الإسلام، بل هو ـ في العقيدة الإمامية ـ امتداد للهداية النبوية والإمامية.
تاسعًا: ظهور الحق ليس مجرد انتصار سياسي
قال تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾
[التوبة: 33]
وقد ورد مضمون هذه الآية أيضًا في سورتي الصف والفتح.
والظهور هنا لا ينبغي أن يفهم على أنه مجرد غلبة سياسية، بل إن ظهور الحق الحقيقي هو أن تتكشف للإنسان حقيقة الدين، وأن يسقط التضليل، وأن يصبح الحق قادرًا على الوصول إلى الناس دون أن تحجبه أنظمة الظلم أو أدوات الاستغلال.
ومن هنا ترتبط الهداية بالظهور: ظهور الإمام، وظهور الحق، وظهور الحقيقة أمام الإنسان.
فقد يكون الإنسان قريبًا من الحقيقة مكانيًا، لكنه بعيد عنها فكريًا.
وقد تكون الحقيقة موجودة، لكن الإعلام المضلل أو السلطة أو التعصب يحجبها عنه.
أما حين يظهر الحق واضحًا، وتتسع قدرة الإنسان على التفكير، وتنتشر المعرفة، وتزول كثير من الحواجز، تصبح الهداية ممكنة على نطاق لم تعرفه البشرية من قبل.
عاشرًا: الإمام المهدي وبناء مجتمع بلا ظلم
إن الحديث عن العدل لا يعني فقط أن لا يُقتل الإنسان ظلمًا أو تُسلب أمواله، بل يعني أن تختفي البنية التي تجعل الظلم ممكنًا ومستمرًا.
الظلم قد يكون سياسيًا.
وقد يكون اقتصاديًا.
وقد يكون اجتماعيًا.
وقد يكون فكريًا.
وقد يكون ظلم الإنسان لنفسه حين يبيع كرامته من أجل مصلحة مؤقتة.
ولهذا فإن قوله صلى الله عليه وآله:
«يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا»
يحمل معنى واسعًا.
فكما أن الظلم قد يملأ الأرض بأشكال متعددة، فإن العدل المهدوي ينبغي أن يملأها في مختلف جوانب الحياة.
إن العدل الحقيقي هو أن يصلح القضاء، والاقتصاد، والسياسة، والتعليم، والأسرة، والإعلام، والعلاقات الاجتماعية.
إنه ليس عدل المحكمة فقط، وإنما عدل الحياة كلها.
الحادي عشر: من هداية الإمام المهدي إلى مسؤولية المنتظرين
وهنا نصل إلى السؤال الأخطر:
إذا كان الإمام المهدي سيقيم العدل، فما هي مسؤوليتنا نحن؟
إن الانتظار الذي لا يغيّر الإنسان قد يتحول إلى مجرد أمنية.
أما الانتظار الحقيقي فيقتضي أن يكون الإنسان مستعدًا لمشروع الإمام.
فمن ينتظر إمام العدل ينبغي أن يكون عادلًا.
ومن ينتظر إمام الصدق ينبغي أن يكون صادقًا.
ومن ينتظر مجتمعًا تسوده الأخوة ينبغي ألا يكون هو نفسه ناشرًا للكراهية.
ومن ينتظر دولة الحق ينبغي ألا يكون عونًا للباطل.
ومن ينتظر اكتمال العقول ينبغي أن يسعى إلى العلم والمعرفة.
ومن ينتظر الهداية ينبغي أن يبدأ بهداية نفسه.
وهذا هو المعنى العميق للانتظار: أن يعيش الإنسان قيم المستقبل الموعود في حاضره.
فلا معنى لأن ينتظر الإنسان ظهور العدل وهو يظلم أقرب الناس إليه.
ولا معنى لأن يتحدث عن نصرة الإمام وهو لا ينصر الحق في حياته.
ولا معنى لأن يرفع شعار الهداية وهو يرفض التعلم ومراجعة النفس.
خاتمة: الإمام المهدي مشروع هداية قبل أن يكون مشروع دولة
إننا عندما نجمع الآيات القرآنية والروايات المهدوية أمامنا، تظهر لنا صورة أعمق بكثير من الصورة التي تختزل الإمام المهدي عليه السلام في شخص يظهر في آخر الزمان ليقاتل الظالمين.
إن المشروع المهدوي، في أبعاده القرآنية والروائية، هو مشروع:
توحيدٍ بعد التفرق،
وعدلٍ بعد الظلم،
وأمنٍ بعد الخوف،
وعلمٍ بعد الجهل،
وتكاملٍ للعقل بعد قصوره،
وكرامةٍ للإنسان بعد استعباده،
وإحياءٍ لقيم الأنبياء بعد أن غيبتها الأهواء.
فالقرآن يقول:
﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]،
ويقول:
﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 5]،
ويقول:
﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: 55]،
ويقول:
﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105].
ثم تأتي الروايات لتقدم صورة الإمام المهدي باعتباره قائد هذا التحول، فتقول إنه «يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا»، وأن قيامه يرتبط بـ «جمع العقول» وكمالها، وبانتشار العلم والمعرفة على نطاق واسع.
وعندها يتضح أن أعظم ما يفعله الإمام المهدي للبشرية ليس فقط أن يغيّر شكل العالم، بل أن يغيّر الإنسان الذي يصنع العالم.
إنه لا يقيم العدل في الشوارع والمحاكم والسياسة فقط، بل يقيم العدل في العقل والقلب والضمير.
ولا ينشر العلم في الكتب والجامعات فقط، بل يحرر الإنسان من الجهل الذي يمنعه من رؤية الحقيقة.
ولا يحقق الأمن بإسكات الخوف بالسلاح فقط، بل بإزالة أسباب الظلم التي تولّد الخوف.
ولهذا فإن الإمام المهدي عليه السلام يمثل في العقيدة المهدوية أمل البشرية في بلوغ مرحلة النضج الإنساني؛ مرحلة يصبح فيها العقل في خدمة الحق، والعلم في خدمة الإنسان، والقوة في خدمة العدل، والدين في خدمة هداية البشرية.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط:
متى يظهر الإمام المهدي؟
بل السؤال الأعمق:
هل نحن مستعدون للهداية التي سيحملها؟
وهل نريد فعلًا عالمًا يسوده العدل، أم أننا نريد العدل عندما يكون في صالحنا فقط؟
وهل نريد إمامًا يملأ الأرض قسطًا، أم أننا مستعدون لأن نملأ حياتنا نحن بالقسط؟
إن الانتظار الحقيقي يبدأ من هنا:
أن يتحول الإنسان من متفرج ينتظر دولة العدل، إلى إنسان يحمل العدل في نفسه، ويزرعه في بيته، وينشره في مجتمعه، حتى إذا جاء يوم الظهور كان منسجمًا مع مشروع الإمام، لا غريبًا عنه.
وهكذا يصبح الإمام المهدي عليه السلام ليس مجرد أملٍ في نهاية التاريخ، وإنما بوصلةً للحاضر، ومشروعًا لإصلاح الإنسان، ووعدًا إلهيًا بأن الظلم ليس قدر البشرية الأخير، وأن المستقبل ـ بإذن الله ـ يمكن أن يكون للحق والعدل والهداية.
موقع ديني مختص في مسائل الإمام المهدي (عج) تابع لشعبة البحوث والدراسات - ق. الشؤون الدينية - الأمانة العامة للعتبة الحسينية المقدسة