نقاش حول إمكانية رؤية الإمام المهدي (عليه السلام) بعد غيبته

, منذ 7 شهر 245 مشاهدة

إن من الامور التي واكبت غيبة الامام المهدي المنتظر (عليه السلام) حال غيبته عدم وجود النيابة الخاصة التي كانت لنوابه الأربعة (رحمهم الله) إذ أن تلك المرحلة قد انتهت بموت السفير الرابع (رحمه الله) إلا أن هذه النيابة التي نعتها الإمام المهدي (عليه السلام) بالمشاهدة هي النوع من اللقاء بينه وبين شيعته المنهي عنها والموصوف مدعيها بالكذب على الله ورسوله والتي وردة في نص توقيع الإمام المهدي (عليه السلام) لسفيره الرابع محمد بن علي السمري (رحمه الله): « بِسْمِ اللهِ الرِّحمَنِ الرَّحيمِ

يا علي بن محمد السّمري! أعظَم الله أجرَ إخوانك فيكَ. فإنّكَ مَيتٌ ما بينك وبين ستةَ أيام، فأجمع أمرك، ولا توصِ إلى أحدٍ يقوم مقامك بعد وفاتك. فقد وقعت الغيبة التامة. فلا ظهور إلّا بإذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً. وسيأتي لشيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة، فهو كذّاب مفترٍ. ولا حول ولا قوّة إلّا باللهِ العليّ العظيم » (1).

فالمشاهدة المنهي عنها بنص التوقيع الشريف هي عبارة عن السفارة والنيابة الخاصة عن الإمام المهدي (عليه السلام)

أما الرؤية التي تحصل وحصلة لجملة من علماءنا الأعاظم (رحمهم الله) هي تلك الرؤية التي تلازمها دعوى السفارة والنيابة الخاصة التي ذكر علماؤنا (رحمه الله) جملة من تلك القصص التي تشير الى حصولها وقد تقبلوها بقبول مطمئناً من غير انكار وذلك لما عرفوه من سلامة وصفاء روح أولئك الذين تشرفوا بلقاء الإمام المهدي (عليه السلام) في حياتهم مع عدم استغلالهم لذلك اللقاء بدعوا السفارة والنيابة عنه ومما ذكر من تلك الشواهد على لسان علمائنا نذكر منها البعض للإشارة فقط:

حول رؤيته عليه السلام

تقدم أن أوضح دليل على وجود الإمام المهدي عليه السلام، أنه قد رآه عدد كبير معروفون بأسمائهم، ويعتمد على شهاداتهم.

وبالرجوع إلى المصادر العلمية، نجد أن الحديث عمن رآه عليه السلام، على ثلاثة أقسام:

الأول: من رآه عند ولادته وبعدها إلى شهادة أبيه الإمام العسكري عليهما السلام.(2)

الثاني: من رآه عليه السلام، في الغيبة الصغرى، أي مابين عام ٢٥٥ تقريباً، وعام ٣٢٩ هجرية.(3)

الثالث: من رآه عليه السلام، في الغيبة الكبرى، أي ما بعد عام ٣٢٩ هجرية.(4)

ومن الواضح أن القسمين الأول والثاني، قد اكتملا باكتمال ظرفهما التاريخي، بينما يبقى القسم الثالث مفتوحاً ما دامت الغيبة الكبرى مستمرة وقائمة.

ولا يتسع المجال في هذا الموجز للتفصيل في أي من هذه الأقسام الثلاثة، ولذا اكتفيت بإيراد ثبت دقيق في الهوامش بأهم المصادر التي استوفت الحديث عنها بأسلوب علمي يعتمد الدليل والبرهان.

ما ينبغي التفصيل فيه هنا، هو إمكان رؤيته عليه السلام في الغيبة الكبرى، بقطع النظر عن الدخول في إيراد الوقائع التي يتكفل بها القسم الثالث من الأقسام المتقدمة.

يدعو إلى هذا التفصيل، أن ثمة شبهة تم تداولها، تقول بأنه لا يمكن أن يرى أحد الإمام المهدي عليه السلام في الغيبة الكبرى.

وقد استند من وقع في مغالطة هذه الشبهة إلى رسالة مختلف في تفسيرها، متفق على صحة صدورها من الإمام المهدي عليه السلام، إلى آخر نوابه الخاصين الأربعة، الذين كان كل منهم الواسطة بينه وبين الناس في الغيبة الصغرى، ويعبر عنه ب" السفير".

واسم النائب الخاص و" السفير" الرابع، علي بن محمد السُّمَّري.

ما ستتم معالجته في ما يلي، هو استعراض آراء كبار العلماء المشهود بفرادة تخصصهم في مجالي سعة البحث وعمق التحقيق، لبيان كيف أنهم جميعاً يصرحون إما بإمكان الرؤية، أو بوقوعها وتحققها.

ستجد النادر منهم يتحدث عن الإمكان، فيما تتحدث الأكثرية المطلقة منهم عن تحقق الرؤية ووقوعها.

وإليك التوضيح.

روى الشيخ الصدوق (.. - ٣٨١هجرية) وغيره، أن السُّمريَّ - آخر السفراء الأربعة (5) عليهم الرحمة والرضوان - أخرج إلى الناس توقيعاً (أي مكتوباً، من صاحب الزمان عجّل الله تعالى فرجه) هذا نصه:

بسم الله الرحمن الرحيم

"يا علي بن محمد السمريّ، أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك، ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية (في بعض النسخ "التامة") فلا ظهور إلا بعد إذن الله عز وجل، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جَوراً، وسيأتي شيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة، فهو كاذب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم".(6)

والسؤال الذي أحاول هنا الإجابة عنه:

هل يمكننا أن نرى الإمام المنتظر في عصر الغيبة الكبرى؟ أم أن ذلك ممتنع، نظراً لما جاء في هذا التوقيع؟

والجواب: لا شك في أن النيابة الخاصة - بمعنى أن يكون شخص على صلة مستمرة به عليه السلام، يعرض الناس مشاكلهم عليه، ويعرضها بدوره على الإمام المنتظر صلوات الله عليه، كما كان الأمر في الغيبة الصغرى - أمرٌ انتهى بانتهاء تلك الغيبة.

وكل رواية تنفي إمكان الرؤية والمشاهدة في عصر الغيبة الكبرى، ينبغي حملها على نفي هذا النوع من المشاهدة المقترنة بنيابة خاصة، وقد صرّح بهذا كما سترى- في الأعصار والقرون المتعاقبة، من القرن الخامس الهجري وحتى قرننا الحالي (أوائل الخامس عشر) - جمع من كبار العلماء الرواد المعترف بمقامهم العلمي، رضوان الله عليهم، وتدل نصوصهم بكل وضوح على أن التشرف بلقائه عليه السلام ممكن، بل صرّح أكثرهم بوقوعه. وإليك جانباً من أقوالهم:

١ – السيد المرتضى (٣٥٥ – ٤٣٦ هـ): (7)

قال عليه الرحمة:

".. إنه غير ممتنع أن يكون الإمام عليه السلام يظهر لبعض أوليائه، ممن لا يخشى من جهته شيئاً من أسباب الخوف، فإن هذا ما لا يمكن القطع على ارتفاعه وامتناعه، وإنما يعلم كل واحد من شيعته حال نفسه، ولا سبيل إلى العلم بحال غيره".(8)

وجواباً عن سؤال آخر قال عليه الرحمة:

"أول ما نقوله: إنا غير قاطعين على أن الإمام عليه السلام، لا يصل إليه أحد، ولا يلقاه بشر، فهذا أمر غير معلوم، ولا سبيل إلى القطع عليه".(9)

٢- صاحب كنز الفؤائد الشيخ الكراجكي (ت ٤٤٩ هـ): (10)

قال - رحمه الله- في معرض بيان الفائدة من وجود الإمام، رغم غيبته:

"ولسنا مع ذلك نقطع على أن الإمام عليه السلام، لا يعرفه أحد، ولا يصير (يصل) إليه، بل قد يجوز أن يجتمع به طائفة من أوليائه، تستر اجتماعها به وتخفيه".(11)

* وقال أيضاً:

"وإمام الزمان عليه السلام، وإن كان مستتراً عنهم (الفقهاء) بحيث لا يعرفون شخصه، فهو موجود بينهم، يشاهد أحوالهم،

ويعلم أخبارهم، فلو انصرفوا عن النقل، وضلّوا عن الحق، لما وسعته التقيّة، ولأظهره الله سبحانه ومنع منه، إلى أن يبين الحق، ويثبت الحجة على الخلق".(12)

٣- الشيخ الطوسي (٣٨٥ -٤٦٠ هـ): (13)

في مقام الإجابة عن السؤال المتقدم، قال عليه الرحمة:

"وما ينبغي أن يقال في الجواب، هو أننا لا نقطع على استتاره عن جميع أوليائه، بل يجوز أن يظهر لأكثرهم".(14)

وفي معرض الحديث عن ظهوره عليه السلام قال رحمه الله:

"إن الأعداء، وإن حالوا بينه وبين الظهور على وجه التصرف والتدبير، فلم يحولوا بينه وبين لقاء من شاء من أوليائه، على سبيل الاختصاص، وهو يعتقد طاعته ويوجب اتباع أمره".(1٥)

وقال رحمه الله، في الرسائل العشر:

" لا استبعاد في طول حياة القائم عليه السلام، لأن غيره من الأمم السالفة عاش ثلاثة آلاف سنة، كشعيب النبي، ولقمان عليهما السلام، ولأن ذلك أمر ممكن، والله تعالى قادر عليه.(16)

٥- السيد ابن طاووس (٥٨٩ -٦٦٤ هـ):

قال المحدّث النوري:

يقول السيد ابن طاووس (عليه الرحمة) في رسالة المواسعة والمضايقة: "وسمعت من شخص لا أذكر اسمه عن مواصلة بينه وبين مولانا المهديّ صلوات الله عليه، ولو كان يسوغ نقلها لبلغت عدة كراريس، وهي تدل على وجوده المقدس وحياته ومعجزته".(17)

أضاف المحدث:

"وقال السيد المعظم المذكور- ابن طاووس - طاب ثراه في كتاب " فرج المهموم في معرفة الحلال والحرام من النجوم":

"وقد أدركت في زماني جماعة يذكرون أنهم شاهدوا المهديّ صلوات الله عليه، وكان بينهم أشخاص يحملون منه عليه السلام رقاعاً، وعرائض عرضت عليه (أرواحنا له الفداء)، ومن جملة ذلك خبر علمت صدقه، وهو كما يلي:

أخبرني من لم يأذن لي بذكر اسمه، ثم يذكر قصة هذا الشخص وأنه تشرف بلقاء الحجة عليه صلوات الله وسلامه".(18)

بل يظهر بوضوح من نصوص متعددة له عليه الرحمة في هذا الكتاب، أنّ رؤيته عليه السلام، والتشرف بلقائه أمر مفروغ منه، ولا مجال للنقاش فيه أبداً.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) إكمال الدّين وإتمام النّعمة, للصّدوق: ص467.

(3) أنظر: المجلسي، بحار الأنوار٥٢: ٥٨، الأمين، السيد محسن، أعيان الشيعة ج٢: ٧٠-٧١.

(٤) المجلسي، بحار الأنوار٥٢: ١٥٩-١٨١.

(5) أعيان الشيعة - السيد محسن الأمين - ج ٦ - ص ٢١ – ٢٢. ج والسراجين، وهو معروف ومشهور يزار ويتبرك به.

(6) كمال الدين وتمام النعمة /٥١٦.

(7) المجدي في أنساب الطالبين - على بن محمد العلوي - ص ١٢٥ – ١٢٦، الوافي بالوفيات - الصفدي - ج ٢٠ - ص ٢٣١ - ٢٣٤".

(8) السيد المرتضى (علم الهدى) تنزيه الأنبياء /٢٣٨ ط – دار الأضواء – بيروت.

(9) المصدر /٣٠٣.

(10) رجال السيد بحرالعلوم ج٣ ص ٣٠٢، وفي روضات الجنات ٦/٢٠٩.

(11) الكراجكي، كنز الفوائد /٣٠٢.

(12) المصدر /٢٣٥.

(13) السيد الخوئي، معجم رجال الحديث - ج ١٦ - ص ٢٥٧ - ٢٦٢

(14) الغيبة /٦٧.

(15) المصدر.

(16) الرسائل العشر، الشيخ الطوسي - ص ٩٩.

(17) النجم الثاقب /٤١٥، والغيبة / ٦٨.

(18) النجم الثاقب/ ٤١٥.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0601 Seconds