غيبة النعماني أول كتاب عن غيبة الإمام المهدي (عج)

, منذ 1 سنة 305 مشاهدة

الشيخ محمّد هادى اليوسفي الغروي

في أوائل عهد الغيبة الصغرى في بلدة النعمانية وُلد لابراهيم بن جعفر ولدٌ سماه محمداً، درس أوائل العلوم على يد ولده ثم رحل في طلب العلم إلى بغداد و فسكنها.

و في اوائل القرن الرابع الهجري هاجر الشيخ الكليني الرازي الى بغداد، و فيها و بعد عشرون عاماً من التصنيف تمّ كتابه (الكافي) و خلال هذه الفترة وازره الشيخ ابو عبدالله محمد بن ابراهيم النعمانى لطلب العلم و الرواية فاختص به و كان يكتب له كتاب كانت يومئذ مدينة حلب و الشام تبعاً لمصر يحكمها الأمير كافور الأخشيدى فاستقلّ بالأمر في حلب سيف الدولة علي بن عبدالله بن حمدان عام 333 هـ واستولى على الشام و الجزيرة، فتوافد عليه حملة العلم ونوابغ الشعراء فكان ممن و فد عليه الشيخ النعماني من بغداد.

بعد حدود عشرة سنين في أواخر سنة 342 هـ. املى النعمانى على كاتبه محمد بن أبي الحسن الشجاعي كتابه في الغيبة كتب في مقدمة كتابه سبب تأليفه ايّاه فقال:

و منهم: مَنْ اراده طلباً للدنيا وحطامها، فلما أماله الغواة و الدنياويون إليها، مال مؤثراً لها على الدين، مغترّاً مع ذلك بزخرف القول غروراً من الشياطين..

.. ومنهم: مَنْ تحلّى بهذا الأمر للرياء و التحسّن بظاهره و طلباً للرئاسة وشهوة لها و شغفاً بها، من غير اعتقاد للحق و لا اخلاص فيه، فسلب الله جماله وغيّر حاله و أعدّ له نكاله.

و منهم: مَنْ دان على ضعف من إيمانه و وهن من نفسه بصحة ما نطق به منه، فلما وقعت هذه المحنة (الغيبة) التي آذننا أولياء الله بها منذ ثلاثمائة سنة تحيّر ووقف..

.. فقصدت القربة إلى الله عزّوجلّ بذكر ما جاء عن الأئمّة الصادقين الطاهرين: من لدن أمير المؤمنين (ع) إلى آخر مَنْ روى عنه منهم، في هذه الغيبة التي عمى عن حقيقتها و نورها مَنْ أبعده الله عن العلم بها و الهداية إلى ما أُوتي عنهم (ع) فيها، ما يصحّح لأهل الحق ما رووه و دانوا به، و تؤكّد حجّتهم بوقوعها وبصدق ما آذنوا به منها..»

و كأن النعمانىّ رأى أن ما رواه شيخه الكليني في «اُصول الكافي» في زهاء الستين خبراً في عشرة صفحات غير كاف أو غير شاف لغليل هذا الجمع غير القليل عن هذه الشُبهة الكثيرة و غير القليلة بشأن الغيبة، فجمع في أول كتاب مستقل في الغيبة في خمسة و عشرون باباً ما وفقه الله لجمعه من الأحاديث التي رواها الشيوخ عن الأئمة الصادقين (ع) أجمعين في الغيبة بحسب ما حضره.

1 ـ النعمانى و حكمة التمحيص:

لم يُخصّص النعماني باباً من الخمس و العشرين باباً بعلّة أو حكمة الغيبة، نعم خصّص الباب الحادي عشر منها بعنوان ما روى فيما يلحق الشيعة من التمحيص عند الغيبة، ونوّه إليه في مقدمته بعنوان باب ما يلحق الشيعة من التمحيص و الغربلة والتفرقة، وقد قدّم في المقدمة من جملة ما أورده في ذلك الباب حديثين.

ونصّ النعماني على أن التمحيص علّة الغيبة في الباب السابع

قال: والغيبة.. للأمر الذي يريده الله والتدبير الذى أمضاه في الخلق بوقوع التمحيص و الإمتحان والبلبلة و الغربلة للتصفية فيمن يدّعى هذا الأمر.

و قال، اِن هذا الامام جُعل كمال الدين به وعلى يديه، وتمحيص الخلق وإمتحانهم وتمييزهم في غيبته لتحصيل الخاص الخالص الصافي منهم بالإقامة على نظام أمره و الإقرار بإمامته، و الديانة لله بانه حق و أنه كائن، و أن أرضه لا تخلو منه و أن غاب شخصه، تصديقاً و إيماناً و إيقاناً بكل ما قاله رسول الله و أمير المؤمنين والأئمة (ع) وبشّروا به من قيامه بعد غيبته بالسيف عند اليأس منه.

و ختم الباب بقوله: غيبة الإمام في هذا الزمان الذى نحن فيه لتمحيص مَنْ يُمَحَّص وهلكة مَنْ يهلك ونجاة مَنْ ينجو بالثبات على الحق ونفيّ الريب و الشك، والايقان بما ورد من الأئمة (ع) من أنه: لابدّ من كون هذه الغمة ثم انكشافها عند مشيئة الله لا مشيئة خلقه و اقتراحهم.

جعلنا الله من المؤمنين المتمسّكين بحبله وممن ينجو من فتنة الغيبة التي يهلك فيها مَنْ اختار لنفسه ولم يرض باختيار ربّه واستجعل تدبير الله ولم يصبر كما أمر.

ومن رواياته في ذلك: ما رواه عن الإمام الصادق (ع) عن الإمام علي (ع)، قال: وليبعثَنّ الله رجلاً من وُلدي فى آخر الزمان، يُطالب بدمائنا، و ليُغيّبنّ عنهم، تمييزاً لأهل الضلالة حتى يقول الجاهل: ما لله في آل محمد من حاجة

2 ـ النعماني و علّة أن لا تكون عليه بيعة:

في الخبر السابع و الأربعين من باب: ما روى في غيبة الإمام المنتظر (عج) روى بسنده عن الكُناسي عن الإمام الباقر (ع) قال: «إنّ لصاحب هذا الأمر غيبتين (و) لا يقوم القائم ولأحد في عُنقه بيعة».

ثم روى ما رواه الكليني عن هُشام بن سالم عن الصادق قال: «يقوم القائم وليس لأحد في عُنقه عقد ولاعهد ولابيعة».

3 ـ النعماني و علّة الخوف على النفس:

و الأخبار الأربعة أو بالأحرى الأسناد الأربعة لخبر زرارة عن أحدهما (ع) التي رواها الكليني في «الكافي» رواها النعماني في غيبته وزاد عليها طريقين آخرين.

ذكر ثلاثة طرق لخبر المفضّل بن عمر عنه (ع) قال: «إذا قام القائم تلا هذه الآية: ( ففررتُ منكم لمّا خِفْتُكُم )،(7) ثم علّق عليها قال: هذه الأحاديث مصداق قوله: اِنّ فيه سُنّةً من موسى و أنه خائف يترقّب».

4 ـ كراهية التوقيت؟

مرّ أن الشيخ الكليني في «الكافي» عقد ثمانية أبواب لصاحب الزمان (عج) سادسها بعنوان: (باب كراهية التوقيت)، روى فيه خبرين عن الإمام الباقر(ع) و خمسة أخبار عن الإمام الصادق (ع) في نفى التوقيت لظهوره (عج)، و يبقى أنه لماذا عبّر عنه بالكراهية دون الحرمة؟

عسى ولعلّه ورد في بعض الأخبار عنهم (ع) و بالخصوص في خبرين عن الصادق (ع)، ذكرهما النعماني في الباب نفسه وأولهما الخبر 86 عن الكليني ـ وليس في الكافي ـ بسنده عن علي بن أبي حمزة البطائني، عنه (ع) قال:

لابدّ لصاحب الأمر من غيبة.. و ما بثلاثين من وحشة.

و الثاني هو الخبر التسعون بسنده عنه(ع) قال: القائم من ولدي يُعمّر عمر الخليل: مائة و عشرين سنة ويظهر في صورة شاب ابن اثنين وثلاثين سنة.

ثم علّق عليهما فقال: إن قولهم الذي يُروى عنهم في الوقت إنّما هو على جهة التسكين للشيعة والتقريب للأمر عليها; اِذ كانوا قد قالوا:

إنّا لا نوقّت، و مَنْ روى لكم عنّا توقيتاً فلا تصدقوه (بل) ولا تهابوا أن تُكذّبوه ولا تعملوا عليه.

ثم عنون النعماني باباً بعنوان: ما جاء في المنع عن التوقيت و التسمية لصاحب الأمر (ع)، أورد فيه خمسة عشر خبراً، السبعة الأخيرة منها هي التي أوردها شيخه الكليني في باب كراهية التوقيت من «الكافي».

سادسها: ما رواه بسنده، عن الحسن بن علي بن يقطين، عن أخيه الحسين عن ابيهما عن الإمام الكاظم (ع) قال: يا علي، إن الشيعة تُربّى بالأماني منذ مئتيّ سنة.

وكان ابوه يقطين من موالي بني العباس فقال لابنه علي:

ما بالنا قيل لنا فكان، وقيل لكم فلم يكن؟!

فأجابه علىّ ابنه قال: إن الذي قيل لنا ولكم كان من مخرج واحد، غير أنّ أمركم حضر فأعطيتم محضه فكان كما قيل لكم، و إن أمرنا لم يحضر فعلِّلنا بالأماني إذ لو قيل لنا، إن هذا الأمر لا يكون إلا إلى مئتي سنة أو ثلاثمائة سنة ليئست القلوب وقست، ولرجع عامة الناس عن الإيمان إلى الإسلام، ولكن قالوا: ما اسرعه وما أقربه تألّفاً لقلوب الناس و تقريباً للفرج.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0372 Seconds