كيف نميز بين سفراء الإمام المهدي (عج) الحقيقيين من المزيفين ؟

, منذ 5 شهر 387 مشاهدة

أحمد الشبلي 

تعتبر المرحلة الزمنية التي عاصرها الامام الهادي (ع) مرحلة مفصلية وخطرة في نفس الوقت، حيث سرح الإمام (ع) مع أسرته من مدينة جده الطيبة ليوضع تحت الإقامة الجبرية في العاصمة الجديدة للسلطات العباسية سر من رأى (سامراء) ومن المعلوم ان هذا الوضع الجديد يتطلب تعاملاً خاصاً من قبل الامام مع شيعته، فكانت الطريقة الأنسب هي أن يجعل الامام وسيطاً بينه وبين أتباعه يكون حلقة وصل بين الطرفين، فكان لزاماً والحال هذه أن يكون الشخص الذي يمثل حلقة الوصل ذو مؤهلات عالية جداً، فمن المتوقع أن تلقي السلطات القبض عليه ليلقى مصيره الذي لا يختلف عليه إثنان بأنه سيكون القتل، فاضطلع بهذه المهمة الثقة النبيل عثمان بن سعيد العمري، حيث كان يدخل على الامام بصفة تاجر سمن (زيت) ليوصل له رسائل شيعته وكذا الحقوق المالية المتعلقة بذممهم، وكان الامام يوصل توجيهاته وارشاداته بذات الطريقة، وكانت طريقة التواصل هذه ثقافة جديدة ستنعكس على كيفية تعاطي الشيعة مع ائمتهم (ع) من الامام الهادي نزولاً، فصحيح ان من أسس لها هو الامام الهادي (ع) لكن سيستمر شكل التعامل عينه مع الامام العسكري (ع) بسبب الظروف ذاتها، ولهذه التجربة الجديدة شكل فائدة ـ على الرغم من صعوبتها ـ حيث أنها تولد انطباعاً عاماً عند الشيعة في احتمالية عدم التلقي المباشر من المعصوم، مما يهيئ الأرضية المناسبة لفكرة الغيبة.

الامام المهدي (عج) والوسيط (السفير) :

بعد استشهاد الامامين العسكريين (ع) وصلت الامور ذروتها، فالسنوات الخمس الأخيرة التي سبقت شهادة الامام العسكري (ع) كانت السلطات قد اشاعت جواً رهيباً من المداهمات والتفتيش بين الفينة والأخرى لدار الإمام العسكري (ع)، بحثاً عن الامام المهدي (عج) فكان والده العسكري لا يظهره الا لمن قد وثق به ثقة مطلقة ليتعرف المشاهد على الامام المستقبلي، ولدحض فرية ان الامام العسكري (ع) قد مات ولم يعقب، فكانت الوساطة، أو ما عرف لاحقاً بــ (السفارة) هي الفكرة القديمة الجديدة، حيث أنها ـ في فترة تسلم الإمام المهدي (عج) للإمامة ـ أخذت طابعاً يختلف جذرياً عما كان عليه عهد أبيه وجده (ع) فكان السفير هو المتصدي المباشر لكل ما يحتاجه الشيعة من امامهم (عج) فكانت الرسائل التي يرسلها السفير يأتي الجواب من الإمام عليها بما يعرف بــ (الناحية المقدسة).

آلية إختيار السفير:

لقد وقع الإختيار على عثمان بن سعيد العمري ليكون أول سفير للإمام المهدي (عج) من السفراء الأربعة، ولأن الإمام (عج) غائب عن الأنظار بسبب الظروف الأمنية فهو لا يستطيع أن يعين السفير أمام ناظر العامة فتكون طريقة التعيين متسمة بنوع من السرية، وهذه الحالة تفتح شهية المتربصين وأصحاب المطامع أن يدعوا هذا المنصب الخطير لعدة اعتبارات منها المادية والاجتماعية، فكان لزاماً أن توضع آلية دقيقة تعين المحق من المبطل، إذ لا يكفي أن يدعي شخص ما أنه سفير للإمام ويلزم الناس بتصديقه وإن كان ثقة، فمحمد بن علي الشلمغاني لم يكن رجلاً من السوقة أو رجلاً من العاديين، وإنما كان عالماً من علماء الطائفة، بل كان وجهاً من وجوه المذهب، الا ان ادعائه السفارة لم يلق أذاناً صاغية لما يقوله، فما هو الفرق بين ادعائه السفارة وبين ادعاء العمري أو النوبختي ؟

هناك عدة ضوابط يميز بها المدعي من المحق اعتاد الشيعة في تلك الفترة تطبيق هذه الضوابط على كل من يدعي أنه حلقة الوصل بين الامام (عج) وبين شيعته.

1 ـ النص المباشر من الإمام المهدي (عج) على شخص معين يكون هو المعني بما يصل من الامام لشيعته أو العكس.

قال الشيخ الطبرسي :

ولم يقم في أمر السفارة إلاّ بنص من قبل صاحب الزمان (ع)[1].

وقال الشيخ المامقاني: وإن جلالة شأن هذا الرجل (محمد بن عثمان) وعلو قدره ومنزلته في الإمامية أشهر من ان يحتاج إلى بيان وإقامة برهان، وقد مرّ في أبيه ما ينص على وكالته حتى في حياة أبيه عن مولانا العسكري (ع) وسفارته عن الحجة (عج)[2].

2 ـ ظهور المعجزة :

وهذا الشرط يعتبر أساسياً ومتسالماً عليه عند الشيعة، حيث أنهم لم يقبلوا إدعاء المدعين مالم يظهروا تلك العلامة التي لا تقبل الإنطباق على المبطلين، فمن المعلوم أن المعجز معناه التصرف بالنواميس الطبيعية للكون وبالتالي فهذا الأمر مختص بالله تعالى، وقد يفوض هذه السلطة لعبد من عباده من ذوي المناصب الآلهية تدعيماً للحجة، ولما كانت السفارة من بين تلك المناصب، فكان لزاماً على السفير إظهار ما يعجز عنه عامة الناس.

وهاك بعض الشواهد:

1 ـ الشيخ الطوسي وكان هذا السفير (العمري) يخرج لهم التوقيعات من الإمام (ع) بنفس الخط الذي كان يخرج في حياة الحسن (ع) بالمهمات في أمر الدين والدنيا، وفيما يسألونه من المسائل بالأجوبة العجيبة[3].

ومن طرائف ما يذكر ـ في هذا الباب ـ أن الحلاج قد ادعى أنه سفير الامام فطالب ابا سهل النوبختي بالتسليم له فأرسل إليه أبو سهل رضي الله عنه :

إني أسألك أمرا يسيرا يخف مثله عليك في جنب ما ظهر على يديك من الدلائل والبراهين وهو أني رجل أحب الجواري وأصبو إليهن ولي منهن عدة أتخطاهن والشيب يبعدني عنهن وأحتاج أن أخضبه في كل جمعة وأتحمل منه مشقة شديدة لأستر عنهن ذلك وإلا انكشف أمري عندهن فصار القرب بعدا والوصال هجرا وأريد أن تغنيني عن الخضاب وتكفيني مئونته وتجعل لحيتي سوداء فإنني طوع يديك وصائر إليك وقائل بقولك وداع إلى مذهبك مع ما لي في ذلك من البصيرة ولك من المعونة[4].

2ـ الشيخ الطبرسي: ولم تقبل الشيعة قولهم (السفراء) إلا بعد ظهور آية معجزة تظهر على يد كل واحد منهم من قبل صاحب الأمر عليه السلام، تدل على صدق مقالتهم، وصحة بابيتهم[5].

3 ـ السيد حسن الصدر: قال عن محمد بن عثمان بن سعيد :

إنه من ولد عمار بن ياسر، وإنه من أوليائه الصالحين وعباده المخلصين، عالم بالله وبأحكامه، تشرق عليه أنوار الملكوت، جالس على كرسي الاستقامة، لا نظير له في عصر العلوم والمعارف؛ وإنه حجة المولى على الشيعة، وعلى يده ظهرت الكرامات[6].

توثيق السفراء من قبل الأئمة (ع):

من المعلوم أن التوثيق إنما يُحتاج اليه في التثبت من نقل الخبر، فاذا عرف الشخص بأنه ثقة أمكن للسامع أن يتلقى عنه دون فحص، وأما السفراء فأنهم في اعلى درجات الوثاقة إضافة الى الأمانة، حيث ورد في الأخبار المعتبرة تزكية الإمامين الهادي والعسكري (ع) لهم، وإليك شواهد:

عن أحمد بن إسحاق بن سعد القمي قال: دخلت على أبي الحسن علي بن محمد صلوات الله عليه في يوم من الايام فقلت : يا سيدي أنا أغيب وأشهد ولا يتهيأ لي الوصول إليك إذا شهدت في كل وقت ، فقول من نقبل ؟ وأمر من نمتثل ؟ فقال لي صلوات الله عليه : هذا أبو عمرو الثقة الامين ما قاله لكم فعني يقوله ، وما أداه إليكم فعني يؤديه .

فلما مضى أبو الحسن (ع) وصلت إلى أبي محمد إبنه الحسن العسكري (ع) ذات يوم فقلت له عليه السلام مثل قولي لأبيه ، فقال لي : هذا أبو عمرو الثقة الامين ثقة الماضي وثقتي في المحيا[7].

وقد ذكر اسحاق بن اسماعيل النيسابوري أن الإمام العسكري أرسل اليه كتاباً، جاء فيه:

فلا تخرجن من البلدة حتى تلقي العمري رضى الله عنه برضاي عنه، وتسلم عليه وتعرفه ويعرفك فانه الطاهر الامين العفيف القريب منا والينا، فكل ما يحمل الينا من شيء من النواحي فاليه المسير آخر عمره[8].

ومن هاتين الروايتين نتحصل على فائدة مهمة، وهي:

إن التوثيق الصادر من الإمامين العسكريين (ع) لم ينقله أحد السفراء حتى يعترض على وثاقتهم، بأن من ينقل توثيقه بنفسه فلا عبرة في توثيقه، فيقطع بوثاقتهم وأمانتهم، وأن ما يصدر منهم صادر عن الإمامين العسكريين (ع).

التسالم عليهم من قبل الخاص والعام في الطائفة:

لقد كان السفراء الأربعة محط اهتمام عند الخاص والعام من الشيعة، ولذلك لم يعارضوا فيما يوصلوه الى الامام (عج) أو ما يوصله الامام بواسطتهم (الناحية المقدسة) الى الناس وما ذاك الى لمعرفة استقامتهم وديانتهم، مع أن الشيعة ردوا على كثير من المدعين ولم يقبلوا دعواهم، وقد ورد في بعضهم اللعن من قبل الإمام (عج) ومن هؤلاء:

١ ـ أحمد بن هلال العبرتائي،

٢ ـ محمد بن نصير النميري.

٣ ـ محمد بن علي بن بلال البلالي

٤ ـ محمد بن علي بن أبي العزاقر الشلمغاني

٥ ـ أبو محمد الحسن السريعي أو الشريعي.

٦ ـ الحسين بن منصور الحلاج

ومع أن الشيعة في بعض الأحيان كانوا يتصورون أن السفير من غيرهم إلا أنه لا ينفك أن يتبين العكس، مما يعني أن الأمر محصور بيد الإمام المهدي (عج).

روى جعفر بن محمد بن قولويه القمي يقول : سمعت جعفر بن أحمد بن متيل القمي يقول : كان محمد بن عثمان أبو جعفر العمري رضي الله عنه له من يتصرف له ببغداد نحو من عشرة أنفس وأبو القاسم بن روح رضي الله عنه فيهم ، وكلهم كانوا أخص به من أبي القاسم بن روح حتى أنه كان إذا احتاج إلى حاجة أو إلى سبب ينجزه على يد غيره لما لم يكن له تلك الخصوصية ، فلما كان وقت مضي أبي جعفر رضي الله عنه وقع الاختيار عليه وكانت الوصية إليه قال : وقال مشايخنا : كنا لانشك أنه إن كانت كائنة من أمر أبي جعفر لا يقوم مقامه إلا جعفر بن أحمد بن متيل أو أبوه لما رأينا من الخصوصية وكثرة كينونته في منزله ، حتى بلغ أنه كان في آخر عمره لا يأكل طعاما إلا ما أصلح في منزل جعفر بن أحمد بن متيل وأبيه بسبب وقع له ، وكان طعامه الذي يأكله في منزل جعفر وأبيه . وكان أصحابنا لا يشكون إن كانت حادثة لم تكن الوصية إلا إليه من الخصوصية، فلما كان عند ذلك وقع الاختيار على أبي القاسم سلموا ولم ينكروا ، وكانوا معه وبين يديه كما كانوا مع أبي جعفر رضي الله عنه ، ولم يزل جعفر بن أحمد بن متيل في جملة أبي القاسم رضي الله عنه وبين يديه كتصرفه بين يدي أبي جعفر العمري إلى أن مات رضي الله عنه[9]


[1] الاحتجاج: 297.

[2] تنقيح المقال: ٣/١٤٩.

[3] الغيبة للطوسي: ٢٢٣.

[4] الغيبة 401 ـ 402.

[5] الاحتجاج: 297.

[6] تأسيس الشيعة: ٤١١.

[7] الغيبة 364.

[8] اختيار معرفة الرجال 849 ـ  الشيخ الطوسي

[9] الغيبة: 379.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0581 Seconds