لماذا تأخر الظهور ؟ قراءة في مسؤولية الأمة وإشكالية التمهيد لدولة العدل الآلهي

, منذ 19 ساعة 41 مشاهدة

 

فلسفة الغيبة وأسباب تأخر الظهور

 

تتمحور العلة الأساسية لغيبة الإمام المهدي (عليه السلام) حول الخوف على نفسه من القتل، وهو السبب المبيح للغيبة والاستتار وفقاً لما قرره السيد المرتضى؛ إذ إن بقاء الإمام حياً ضرورة لاستمرار اللطف الإلهي، لأنه لا يوجد بعده من يقوم مقامه في باب الإمامة وحفظ الشريعة. وقد أكد الإمام الباقر (عليه السلام) هذا المعنى في رواية زرارة حين سُئل عن سبب الغيبة قبل قيامه، فأجاب بأنه يخاف، وأوضح زرارة أن المراد هو الخوف على نفسه من القتل؛ فلو ظهر الإمام في ظل ظروف العداء المستمرة لأقدموا على قتله إطفاءً لنوره، مما جعل الاستتار تدبيراً لحفظه.

 

تتجاوز أسباب الغيبة مجرد الخوف الشخصي لتشمل حكمة إلهية تتعلق بتهيئة الأمة؛ حيث بين الإمام الجواد (عليه السلام) أن القائم سمي بالمنتظر لأن له غيبة يكثر أيامها ويطول أمدها، فينتظر خروجه المخلصون وينكره المرتابون ويستهزئ بذكره الجاحدون. وتوضح تحليلات الغيبة أن هذا التمحيص الطويل في ظروف الاختبار والتمحيص ينتج العدد الكافي من الأفراد المخلصين الكاملين الذين يمتلكون الوعي والقدرة على غزو العالم بالعدل وتولي شرف القيادة في اليوم الموعود.

 

إن تأخر الظهور مرتبط بوقوع الغيبة التامة التي لا ظهور فيها إلا بإذن الله تعالى، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جوراً. وقد أوضح الإمام المهدي (عليه السلام) في توقيعه الأخير للسفير الرابع أن انقطاع السفارة يعني دخول الأمة في مرحلة الغيبة الكبرى، حيث لا يصح لأحد ادعاء المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة. هذا الإغماض في تاريخ الظهور يمثل استراتيجية إلهية تهدف إلى إبقاء القواعد الشعبية في حالة انتظار دائم، مما يحفز الفرد على السلوك الصالح وتقويم النفس خشية فوات فرصة النصرة عند الظهور المفاجئ.

 

تؤدي الغيبة الكبرى وظيفة تربوية شاملة للأجيال، حيث تساهم المدة الطويلة في إكمال التربية الفكرية والعاطفية للأمة، وتدريبها على فهم الأطروحة العادلة الكاملة والتضحية في سبيلها. هذه التربية لا تقتصر على الممحصين فحسب، بل تشمل سائر الأفراد على مختلف مستوياتهم، مما يجعل الأمة على مستوى فهم القوانين والمفاهيم التي ستعلن في الدولة العالمية. وبذلك، فإن التمحيص الإلهي يمثل شرطاً ضرورياً لإيجاد اليوم الموعود، حيث لا تنطلق التجارب والمحن إلا من طاعة الحق والإخلاص له، وهو ما يمهد الطريق لاستتباب العدل الكامل في الأرض.

 

خلاصة القول إن تأخر الظهور ليس ناتجاً عن غياب الإمام فحسب، بل هو نتيجة لتضافر أسباب موضوعية وذاتية؛ فمن جهة، يمثل الاستتار ضرورة لحفظ الإمام من القتل في ظل غياب البديل الذي يحمل أعباء الإمامة، ومن جهة أخرى، يمثل طول الغيبة مرحلة تمحيص ضرورية لتربية الأمة وتصفية صفوفها من المرتابين، وإعداد القاعدة الشعبية الواعية التي ستتولى مهام الدولة العالمية. إن هذا التخطيط الإلهي يربط الظهور بامتلاء الأرض جوراً وبلوغ الأمة مستوى الاستعداد المطلوب، مما يجعل من الانتظار فعلاً إيجابياً يغير من واقع الفرد والمجتمع تمهيداً لليوم الموعود.

 

مسؤولية الأمة والتمهيد لدولة العدل الإلهي

 

يرتبط تأخر ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) بانتفاء الظروف الموضوعية والشرائط اللازمة لتحقيق الثورة العالمية، حيث يؤكد الدليل العقلي أن انتصار هذه الثورة لا يعتمد على المعجزة الخارقة للسنن الطبيعية، بل يتوقف على وجود مجتمع إسلامي مؤهل يتحمل مسؤولية التمهيد. إن غياب الظهور رغم الحاجة البشرية الملحّة إليه يكشف عن عدم اكتمال الأسباب الإيمانية والسياسية والجهادية، مما يجعل من قيام تجربة إسلامية واعية تسبق الظهور ضرورة حتمية لإعداد الكوادر القيادية والقواعد الشعبية القادرة على استيعاب القوانين الجديدة ومواجهة التحديات الدولية.

 

تتحدد شرائط الظهور في أربعة مرتكزات أساسية: وجود الأطروحة العادلة، والقيادة الحكيمة، والعدد الكافي من المخلصين، والقواعد الشعبية الواعية. وبحسب التحليل العقائدي، فقد تحقق الشرطان الأول والثاني بوجود الأطروحة الإسلامية ووجود الإمام القائد، بينما يظل الظهور معلقاً بتحقق الشرطين الثالث والرابع. إن مسؤولية الأمة تكمن في بلوغ مستوى عالٍ من الوعي والتضحية، وهو ما يمثل شرطاً واقعياً لا يمكن لليوم الموعود أن يتحقق بدونه.

 

يعد الإصلاح العام الذي تضطلع به الأمة أوسع وأهم من الإصلاح الشخصي، فهو يمثل الاجتماع على الطاعة والوفاء بالعهد المأخوذ على الأتباع في امتثال أوامر الإسلام. هذا التضامن الاجتماعي والجهاد المشترك ضد الظلم هو الذي يربي الوعي ويخلق الإرادة الجماعية اللازمة للظهور. ويشير النص المنسوب للإمام المهدي (عليه السلام) إلى أن ما يؤخر اللقاء هو ما يصدر عن الأمة من تقصيرات ومعاصٍ وعدم شعور بالمسؤولية، مما يجعل من إناطة الغيبة بذنوب الناس وعصيانهم سبباً مباشراً في استمرارها، فمتى انتفت هذه الموانع تحول حال الغيبة إلى الظهور.

 

خلاصة القول إن تأخر الظهور ليس ناتجاً عن غياب الإرادة الإلهية، بل عن عدم اكتمال القابلية في الأمة للقيام بدورها التمهيدي. إن التكليف الشرعي يفرض على القواعد الشعبية المهدوية كفالة بعضها بعضاً والالتزام بالحقوق المالية والاجتماعية، لضمان الصمود أمام الحصار الاقتصادي والسياسي الذي يفرضه الظالمون. وبذلك، فإن التمهيد لدولة العدل الإلهي يتطلب تحولاً نوعياً في سلوك الأمة وعقيدتها، بحيث تصبح على مستوى المسؤولية التي تؤهلها لاستقبال الإمام، وهو ما يمثل الشرط الأساسي الذي يربط بين عمل الأمة وبين تعجيل السعادة بلقاء القائد الموعود.

 

الخلاصة :

 

يقوم تحرير محل النزاع في أسباب تأخر الظهور على التمييز بين أصل علة الغيبة وبين الشروط الموضوعية للظهور؛ إذ يقرر الشريف المرتضى أن العلة الأساسية للغيبة هي الخوف على النفس من القتل لعدم وجود من يقوم مقامه في حفظ الشريعة والدين إن قُتل، بخلاف الأنبياء والماضين الذين كان يقوم غيرهم مقامهم.

ويضاف أن التخطيط الإلهي قائم على استراتيجية التمحيص والاختبار لإنتاج العدد الكافي من المخلصين وتكامل التربية الفكرية والعاطفية للأمة. كما أورد الشيخ الصدوق عن الصقر بن أبي دلف عن الإمام الجواد عليه السلام تسميته بالمنتظر لطول أمد غيبته ليمحص المخلصون، وأكد التوقيع المنسوب للإمام المهدي للشيخ السمري أن وقوع الغيبة التامة وانقطاع السفارة معلقان بإذن الله بعد طول الأمد وقسوة القلوب، ليبقى المكلفون في حالة انتظار دائم تحفزهم على التقوى والسلوك الصالح.

 

وعلى مستوى مسؤولية الأمة، يقتضي الدليل العقلي الحاكم بعدم تحقق الانتصار بالإعجاز المحض توقف الثورة العالمية على أسباب طبيعية وظروف موضوعية وإيمانية وسياسية. وتتلخص شرائط الظهور الأربعة في وجود الأطروحة العادلة الكاملة، والقيادة الحكيمة المتمثلة بالإمام المهدي، وتوفر العدد الكافي من المخلصين، إلى جانب وجود القواعد الشعبية الواعية والمضحية؛ وفي حين تحقق الشرطان الأولان، يبقى تحقق الشرطين الأخيرين مرهوناً باستجابة الأمة ووعيها وتضامنها.

وتوضح النصوص الشريفة والتوقيع الصادر عن الإمام المهدي أن التقصيرات والمعاصي وعدم التضامن على الطاعة والوفاء بالعهد يمثل المانع المباشر لتعجيل اللقاء وتحقيق دولة العدل الإلهي، حيث نص على أنه لا يحبس الإمام عن شيعته إلا ما يتصل به مما يكرهه منهم.

 

 

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0374 Seconds