لماذا أخفى الله المهدي قراءة في فلسفة الغيبة وسر الانتظار

, منذ 8 ساعة 40 مشاهدة

مقدمة

تُعد قضية غيبة الإمام المهدي (عج) واحدة من أعمق القضايا العقائدية المحورية في مدرسة أهل البيت، حيث ترتبط بشكل وثيق بأسس مفهوم الإمامة وفلسفة اللطف الإلهي الممتد عبر تاريخ الرسالات. إن التعامل مع هذه القضية لا يقف عند حدود الإقرار بالواقعة التاريخية، بل يتجاوزه إلى محاولة فهم الإشكالية الهيكلية الكامنة وراء استتار الإمام عن الأنظار، والأسباب الموجبة لهذا التدبير الرباني الذي يحفظ المشروع الإلهي الخاتم. 
تهدف هذه المقالة إلى تفكيك أبعاد الغيبة ومسوغاتها العقلية والنقلية، ومناقشة الجدلية القائمة بين الأسباب المعلنة والحكمة المكتومة، مع تسليط الضوء على الوظيفة التربوية للتمحيص الإلهي، وكيفية تحول مفهوم الانتظار من حالة انفعالية سلبية إلى استراتيجية بناء ومقاومة وتغيير حضاري شامخة تتجسد في واقع الأمة. 

الدلائل العقلية والمقتضيات العقدية لضرورة الغيبة

تتجلى العلة الأساسية والمباشرة لغيبة الإمام المهدي (عج) في ضرورة حفظه من القتل والذبح على أيدي السلطات الجائرة، كما صرحت بذلك النصوص الواردة عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)؛ إذ إن هذا الخوف لم يكن خوفاً شخصياً مجرداً، بل كان ضرورة موضوعية لحماية الإمام الذي ادخرته الإرادة الإلهية لتحقيق الهدف الأسمى ببسط العدل العالمي. وفي هذا السياق، يقرر علماء مدرسة أهل البيت أن الإمام لو ظهر قبل نضوج الظروف الموضوعية وتكامل الوعي البشري، لكان مصيره الشهادة والقتل كما حدث لآبائه الطاهرين، مما يعني ضياع الفرصة التاريخية لإقامة دولة الحق وإهدار الحجة الإلهية الخاتمة التي لا بديل عنها ولا يوجد من يقوم مقامها في حمل أعباء الإمامة، فكانت الغيبة تدبيراً يمنع انقطاع مشروع التغيير الإلهي. 

ويرتبط هذا التقدير الإلهي بمبدأ "اللطف الإلهي"؛ فكما أن وجود الإمام لطف وتصرفه لطف آخر، فإن غيبته تمثل لطفاً ثالثاً ي صيانة الحجة. وعند اختبار هذا التدبير عبر التاريخ، نجد أن الغيبة ليست بدعاً مستحدثاً في مسار الحجج الإلهية، بل هي سنة ربانية جارية لها نظائرها في غيبات الأنبياء السابقين كالنبي موسى في الميقات، والمسيح عيسى عن أنظار أعدائه، والنبي يونس عن قومه (عليهم السلام). إن هذه الشواهد تؤكد أن الاستتار كان دائماً وسيلة لحماية المشاريع الهادية من الإجهاض المبكر، وأن عدم إحاطة العقل البشري بجميع التفاصيل لا يقدح في صحة هذا التدبير، بل يحتم التسليم بحكمة الخالق الرصينة أمام القصور الإنساني. 

وتكتمل الأبعاد السياسية والعقدية للغيبة برفع التكليف السياسي القسري عن كاهل الإمام؛ فقد صرح الإمام المهدي (عج) في توقيعه لإسحاق بن يعقوب بإن آباءه قد وقعت في أعناقهم بيعات لطواغيت زمانهم بحكم الظروف القاهرة، بينما يخرج هو حين يخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقه. إن هذا التحرر المطلق يمنح القيادة الإلهية استقلالية تامة وحرية كاملة في الحركة عند الظهور، بعيداً عن أي التزام أو مهادنة يفرضها الأمر الواقع، مما يضمن التأسيس التام لحكومة العدل الإلهي المطلق. 

الجدلية بين الحكمة والعلة وغموض السر الإلهي

يرد في البحث العقدي تساؤل يخص الجمع بين الروايات التي تعلل الغيبة بأسباب المباشرة ك الخوف من القتل، وبين النصوص التي تؤكد أنها سر من أسرار الله تعالى لا ينكشف مغزاه التفصيلي إلا بعد الظهور. يفكك العلماء هذا التعارض الظاهري بالتمييز الدقيق بين "العلة" المقترنة بالسبب المباشر و"الحكمة" المعتمدة على الغاية والمصلحة؛ فالقول بأن الغيبة سر إلهي لا ينفي وجود أسباب معلومة، بل يعني أن ما أعلن كحفظ النفس والتحرر من البيعة هو جزء يسير من حكمة إلهية أعمق وأشمل لا يحيط بها العقل البشري إحاطة كاملة، وما أُذن بكشفه إنما جاء لرفع الحيرة والتثبيت العقدي. 

وبالرغم من خفاء الشخص في عصر الغيبة، فإن ذلك لا يعني انقطاع المدد واللطف الرباني عن الأمة؛ إذ يُشبه الانتفاع بالإمام الغائب بالانتفاع بالشمس إذا غيبها السحاب عن الأبصار. فالإمام يمثل أماناً لأهل الأرض كما النجوم أمان لأهل السماء، ووجوده المستمر يشكل فيضاً معنوياً يرفع اليأس عن نفوس المؤمنين ويمنحهم قوة الصمود والاستمرار في مواجهة الظلم والفساد، استناداً إلى أمل صادق بظهور المصلح العالمي الذي سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً. 

الوظيفة التربوية للتمحيص والاختبار في عصر الغيبة

تؤدي الغيبة وظيفة تربوية واختبارية شاقة للأمة، حيث تُشكل محطة صقل روحي ونفسي تُفرز المخلصين وتغربل الصفوف؛ إذ يرتد أقوام تحت وطأة الشكوك والابتلاءات ويثبت آخرون على طريق الولاية. إن الإرادة الإلهية تقتضي تشديد هذا التمحيص لفرز القاعدة المؤمنة الواعية وتعميق إخلاصها، لتكون على المستوى القيادي المطلوب لإدارة العالم في اليوم الموعود، وتجاوز مجرد التمني إلى تحقيق الجاهزية الفعلية.

إن هذا التمحيص ليس غاية بحد ذاته، بل هو الأداة الأساسية لإيجاد "شرط الظهور" المتمثل في وجود القاعدة الرسالية المستعدة للتضحية؛ ومن ثم فإن هذا الفهم يغير زاوية النظر لدى المؤمنين، فينقل تركيزهم الفكري والعملي من الانشغال بالتساؤل المجرد عن "متى الظهور" إلى التركيز على "كيفية الإعداد". وبذلك يتحول كل يوم في عصر الغيبة إلى فرصة حقيقية للبناء الذاتي والتربية الأخلاقية والجهادية، استعداداً للحظة التي يشاء الله فيها الفرج. 

فلسفة الانتظار بوصفه استراتيجية بناء ومقاومة

بعيداً عن الفهم السلبي القائم على التواكل والانكفاء، يُعد انتظار الفرج في المنظور الإسلامي أفضل العبادات وروحاً إيجابية عالية تدفع نحو التغيير؛ فالمنتظر الحقيقي يُوصف بأنه كالشاهر سيفه بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، في حالة جهاد دائم ضد الباطل. 
تشكل هذه العقيدة قوة تعبئة واستراتيجية مواجهة شاملة تمنح المؤمنين حصانة ضد السقوط أمام الاستكبار، وتحولهم إلى طاقة صدامية ترفض الخضوع للأنظمة الجائرة وتستعد قتالياً وروحيّاً لليوم الموعود. 

تتجلى إيجابية الانتظار عملياً في كونه محركاً للبناء الاجتماعي والسياسي، ومعالجاً لمشاعر القنوط والانهزام التي فرضتها ظروف الظلم والاضطهاد. إن هذا المفهوم يدفع المؤمنين نحو الالتفاف حول القيادة الروحية المتمثلة في المرجعية الدينية النائبة عن الإمام في عصر الغيبة، والتي أفرزت قيادات تتسم بالزهد والتقوى والعلم، مما ينظم الأمة ويجعلها كالبنيان المرصوص. إن الانتظار يتجسد في ممارسات يومية تشمل التربية الأخلاقية، والتبشير بعهد العدل، والدعاء بالفرج، والعمل الميداني وفق منهج أهل البيت لإقامة مجتمع صالح ومستعد. 
خاتمة

حاصل القول، إن غيبة الإمام المهدي (عج) تمثل حقيقة عقائدية متكاملة تتظافر فيها أبعاد اللطف الإلهي، والحماية للمشروع الخاتم، والتحرر من السلطات الجائرة، مع الحكمة الربانية الغيبية التي تقاس على غيبات الأنبياء السابقين. وقد أثبت التحليل أن الغيبة ليست حالة تعطيل للمسار الرسالي، بل هي مرحلة إعداد وتربية واختبار ناضج لغربلة صفوف الأمة وتجهيز القاعدة الواعية القادرة على حمل أعباء الدولة العالمية. وفي هذا الإطار، يبرز الانتظار ليس كموقف حيادي منتظر، بل كفعل إيجابي واستراتيجية مقاومة وبناء تربط الأمة بمرجعيتها ورسالتها، وتحول الأمل بظهور المصلح إلى حركة بناء يومية توحد الجهود حتى يأذن الله تعالى بظهور وليه ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً. 

 

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.1056 Seconds