المنقذ أو المخلص في الديانات السماوية الثلاث

, منذ 1 شهر 32 مشاهدة

المحامي أحمد حسين يعقوب
شاع الاعتقاد بحتمية ظهور المنقذ (المهدي) وانتشر في كافة أرجاء المعمورة، وأخذ أشكالا مختلفة، ولكنها تتعلق بالمآل بذات الفكرة. وسلمت بفكرة ظهوره كافة التيارات الكبرى في كافة المجتمعات البشرية القديمة.
وأجمعت على حتمية هذا الظهور الطلائع المستنيرة من أتباع الديانات السماوية الثلاث، وعلى الأخص الديانة الإسلامية، والطلائع المستنيرة من أتباع الملل الأخرى الشائع بين الناس بأنها غير سماوية.
فعلى الرغم من اختلافهم في المنابت والأصول واختلاف عقائدهم وتوجهاتهم وأديانهم، ومصادر معارفهم، إلا أنهم قد اتفقوا على حتمية ظهور المنقذ، وأن هذا المنقذ مختلف ومميز من جميع الوجوه، وآمنوا بقدرته على الإنقاذ، واعتقدوا بأن عهده هو عهد العدل والكفاية والعزة، تلك هي الفكرة الرئيسة التي لا خلاف عليها، والتي شاعت وانتشرت على مستوى العالم، وطوال التاريخ البشري. وتوارثتها الأجيال جيلا بعد جيل.
ويتعذر على أي باحث منصف، في مجال الفكر السياسي العالمي أن يتجاهل حجم ومدى شيوع هذا الاعتقاد وانتشاره، حيث يجد له موقعا في كافة العقائد والأديان..
حقيقة هذا الاعتقاد
من العسير على أي باحث موضوعي، بل على أي إنسان سوي الفطرة أن يتصور ولو للحظة واحدة بأن هذا الإجماع العالمي على الفكرة الرئيسة، قد حدث جزافا أو أنه وليد وهم أو خرافة أو أسطورة، أو أن هذا الإجماع كان صدفة!! لأن الثابت بأن هذا الاعتقاد بالفكرة الرئيسة له منابع ومصادر دينية وعقلية وتاريخية وواقعية تؤكده وتؤيده، وتجمع عليه وتنفي بالضرورة صلة هذه الفكرة الرئيسة بالوهم أو بالأسطورة أو بالصدفة، ومن الممكن حدوث زيادة أو نقصان أو اختلاط الاجتهاد بالتفاصيل، أما الفكرة الرئيسة المتمثلة بظهور المهدي المنقذ، فهي فكرة أصيلة وصحيحة ومتواترة، ويعتقد بها أتباع الديانات السماوية الثلاث، كما يعتقد بها غيرهم من أتباع الملل الأخرى الشائع بيننا، بأنها غير سماوية، ويعتقد بها عقلاء وفلاسفة العالم، ويرسلها الجميع إرسال المسلمات، ويعتبرها أتباع كل عقيدة جزءا لا يتجزأ من عقيدتهم، تقرأ معها، وتحسب عليها. تلك هي طبيعة القوة التي يتمتع بها هذا الاعتقاد.
تعدد أشكال ونماذج هذا الاعتقاد
مع أن كافة العقائد والديانات السماوي منها وغير السماوي قد أجمعت على حتمية ظهور المهدي المنقذ، وعلى تميز هذا المنقذ، وقدرته الفائقة على الإنقاذ، وأن عهده الزاهر هو المأمول، إلا أنها اختلفت في التفاصيل، وهذا الاختلاف ناتج عن وضوح فكرة الظهور أو غموضها في أذهان معتنقيها، فبعضهم يرى بأن مهمة المهدي تنحصر في إنقاذ هذا المجتمع أو ذاك فهو منقذ خاص لجماعة من الناس من حيث المبدأ!! بينما يرى البعض الآخر، بأن مهمة المهدي منصبة على إنقاذ العالم كله إنقاذا شاملا، وإقامة دولة عالمية، تصبح أقاليم العالم كله ولايات لها، وأبناء الجنس البشري، بمختلف ألوانهم وأعراقهم رعايا لها، وأصحاب القوة والأمانة من رجال العلم ونسائه هم قادة تلك الدولة وأمرائها. دولة عالمية تحقق العدل المطلق، والرخاء التام، والاكتفاء الذي لا عوز معه، والسعادة لجميع أبناء الجنس البشري، ولم نر مثل هذه الرؤيا الشمولية إلا في الإسلام، ربما لأنه آخر الأديان، ولأنه المرشح بطبيعته ليكون الدين العالمي الأوحد..
وكما اختلفت العقائد والديانات، بحجم ومدى عملية الإنقاذ، اختلفت أيضا في تحديد من هو المهدي بالفعل ؟ وأين يظهر ؟ ومتى يكون زمن ظهوره ؟
ويكمن سر هذا الاختلاف في أن هذه التساؤلات من تفاصيل الفكرة الرئيسة، وأن هذه التفاصيل قد خضعت للزيادة والنقصان وللاجتهاد لدى الأغلبية من أتباع الملل الأخرى، وبالتالي تعدد منابع ومراجع المعلومات التي بنيت تلك التفاصيل على أساسها، أو لعدم وثوق بعضها. فقد اكتفت الديانة اليهودية، أو ما وصل إلى علمنا منها على الأقل، بتأكيد الفكرة الرئيسة، والإشارة العامة إلى أصول المهدي، وأنه من نسل إسماعيل، وأنه أحد اثني عشر عظيما، وأشارت أيضا إلى الظروف والمخاطر التي أحاطت بولادة هذا المنقذ العظيم، وصرحت بأن الله تعالى قد غيب هذا المنقذ ليحفظه، ثم يظهر في اللحظة المناسبة، وبالرغم من إجمال تلك المعلومات، إلا أنها على جانب كبير من الأهمية، كما سنرى. أما الديانة المسيحية فقد أشارت إلى عهد الظهور، وأبرزت من هذا العهد ظهور السيد المسيح، فركزت عليه تركيزا خاصا، وأهملت ما سواه.
أما الديانة الإسلامية، وهي أحدث وآخر الديانات السماوية، فقد غطت نظرية ظهور المهدي تغطية كاملة، فعلى الرغم من المحنة التي تعرض لها الحديث النبوي، حيث منعت كتابته وروايته مدة طويلة من الزمن، إلا أن ما وصلنا من الأحاديث النبوية قد وصف المهدي وصفا دقيقا، وحدد علامات ظهوره تحديدا واضحا، ووصفت مهمته موضوعيا كما سنرى.
وهذا الاختلاف بين العقائد والأديان على التفاصيل بعد الاتفاق على الفكرة الرئيسة أفرز نماذج وأشكالا متعددة، للاعتقاد بالمهدي المنتظر، أو المنقذ الأعظم، وسنستعرضها بما أمكن من الإيجاز طمعا باستكمال دائرة البحث.

 

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 2.6710 Seconds