تمهيد
تُعدّ قضية علامات الظهور في الفكر الإمامي واحدة من أكثر القضايا إثارةً للبحث؛ لما لها من اتصال مباشر بالعقيدة المهدوية وبوظيفة المؤمن في زمن الغيبة. غير أن الإشكال لا يكمن في أصل الإيمان بها، بل في المنهج الذي تُقرأ به:
هل تُفهم بوصفها أخباراً غيبية تُتناقل بلا تمحيص؟
أم نصوصاً تحتاج إلى غربلة سندية، وتحليل دلالي، وربطٍ مقاصدي ضمن النسق العقدي العام؟
إن القراءة المنهجية تقتضي الجمع بين علمين أساسيين: علم الكلام لتحديد الإطار العقدي الحاكم، وأصول علم الرواية (الدراية والرجال) لضبط القيمة الإثباتية للنصوص. ومن دون هذا الجمع، تتحول العلامات من عنصر وعيٍ إيماني إلى مادة ارتباك اجتماعي أو إسقاطات سياسية متعجّلة.
أولاً: الإطار الكلامي لعلامات الظهور
1. موقع العلامات في البنية العقدية
في علم الكلام الإمامي، الإيمان بالإمام المهدي عليه السلام أصلٌ مندرج ضمن الإمامة، لا ضمن الفروع التاريخية. أما العلامات فليست أصلاً مستقلّاً، بل تابعة لثبوت القضية الأساسية.
الإمام الغائب هو:
محمد بن الحسن المهدي
أما أبرز ما يُسمّى بالعلامات الحتمية فقد وردت في كلمات الأئمة عن:
• السفياني
• اليماني
• الخسف في البيداء
(وإن اختلفت طبيعة ذكر كلٍّ منهم في النصوص).
2. هل العلامات شرطٌ في الإيمان؟
كلامياً، لا يتوقف الإيمان بالإمام على معرفة التفاصيل الجزئية للعلامات. فالمناط هو ثبوت الإمامة بالنص والعقل. أما العلامات فهي:
• إما كواشف تمهيدية لمرحلة التحول التاريخي الكبرى.
• أو ابتلاءات تمييزية لفرز الوعي من الاندفاع.
ومن هنا، لا يجوز تحويل العلامات إلى عنصر “تشخيص زمني حتمي”، لأن ذلك يؤدي إلى الجزم بما لم يجزم به الشارع.
ثانياً: علامات الظهور في ضوء أصول الرواية
1. التمييز بين الحتمي وغير الحتمي
الروايات تقسم العلامات إلى:
• حتمية: كخروج السفياني، والصيحة، وقتل النفس الزكية، وخسف البيداء.
• غير حتمية: وهي كثيرة ومتفاوتة الثبوت.
لكن الحتمية هنا لا تعني القطع العقلي بوقوعها تفصيلاً، بل تعني – وفق فهم العلماء – أنها غير قابلة للبداء بحسب ظاهر الروايات، مع بقاء أصل مبدأ البداء ثابتاً في العقيدة الإمامية.
2. إشكالية السند
المدوَّن في كتب مثل:
• الغيبة للنعماني
• الغيبة للطوسي
• كمال الدين للصدوق
يتضمن طيفاً واسعاً من الأسانيد:
• الصحيح
• الموثَّق
• الضعيف
• المرسل
ولهذا فالتعامل العلمي يقتضي:
1. عدم البناء العقائدي على خبرٍ ضعيف.
2. عدم إسقاط الخبر لمجرد ضعفٍ محتمل إن عضدته قرائن متعددة.
3. اعتبار التواتر المعنوي معياراً في بعض العلامات الكلية.
ثالثاً: الإشكالية الدلالية وتحليل النص
1. النص الرمزي والنص الحرفي
بعض الروايات ذات طابع تصويري (كذكر الرايات السود أو الاختلافات السياسية)، وهنا يبرز سؤال:
هل يُقصد بها توصيف جغرافي تاريخي محدد؟
أم إطار رمزي لحركة اجتماعية؟
علم أصول الفقه يقرر أن الأصل في الكلام الحقيقة، لكن مع قيام القرينة، يُحمل على المجاز.
ولذلك لا يجوز الجمود على ظاهر قد يكون استعارياً.
2. إسقاط العلامات على الوقائع المعاصرة
أحد أخطر الأخطاء المنهجية هو:
تحويل كل حدثٍ سياسي إلى علامة ظهور.
وهذا مخالف لقاعدة أصولية مهمة:
العبرة بثبوت الموضوع لا بمجرد المشابهة.
فالمشابهة لا تكفي لتحقيق الانطباق. وإلا لأُعلنت ساعة الظهور عشرات المرات عبر التاريخ، كما حصل في فترات الاضطراب الكبرى.
رابعاً: الوظيفة التربوية لعلامات الظهور
1. العلامات كمنظومة ابتلاء
من منظور كلامي، الإيمان بالغيب عنصر امتحان:
(الذين يؤمنون بالغيب).
العلامات تختبر:
• ثبات العقيدة
• الاتزان في الفهم
• عدم الاندفاع خلف الدعوات الزائفة
وهنا تظهر قيمة التحذير من المدّعين عبر التاريخ الذين استغلوا الحماس الشعبي.
2. منع التوقيت
ورد في الروايات النهي الصريح عن التوقيت.
روى النعماني عن محمّد بن مسلم، قال: قال أبو عبد الله (الصادق) (عليه السلام):
(يا محمّد، مَن أخبركَ عنّا توقيتاً، فلا تهابَنَّ أن تُكذّبه، فإنّا لا نُوَقِّت لأحدٍ
وقتاً)[1].
وروى الطوسي عن الفُضَيل، قال: سألتُ أبا جعفر (الباقر) (عليه السلام): (هل لهذا الأمر وقت ؟ فقال: كذب الوقّاتون، كذب الوقّاتون، كذب الوقّاتون) [2] .
خفاء وقت ظهوره (عليه السلام):
لقد أخفى الله تبارك وتعالى وقت ظهور وليّه(عليه السلام)، ليكون المؤمنون منتظرين له (عليه السلام) في جميع أوقاتهم، وقد روي في ( الإقبال ) عن الإمام الصادق (عليه السلام)
أنّه قال لحمّاد بن عثمان: (وتوقَّعْ أمرَ صاحبِك ليلَكَ ونهارك، فإنّ الله كلَّ يومٍ هو في شأن، لا يَشغَلُه شأنٌ عن شأن..)[3].
وهذا يعكس مبدأً عقدياً مهماً:
فيتضح أن الغاية من الانتظار ليست حساب الزمن، بل صناعة الإنسان الصالح.
فالانتظار حالة إصلاح ذاتي واجتماعي، لا حالة ترقب تقويمي.
خامساً: العلاقة بين العلامات وسنن التاريخ
وفق الرؤية الكلامية، الظهور ليس حدثاً مفاجئاً خارج قوانين التاريخ، بل هو:
• ذروة تراكم الظلم.
• ومرحلة نضج إنساني لقبول العدل الشامل.
وبذلك يمكن قراءة العلامات بوصفها:
مؤشرات تحوّل حضاري عالمي، لا مجرد حوادث متفرقة.
فخروج شخصية كالسفياني – مثلاً – يمكن فهمه ضمن سنّة تصاعد الاستبداد قبيل انهياره، وهي سنة قرآنية عامة.
سادساً: ضوابط القراءة المنهجية
1. عدم الخلط بين العقيدة والتفاصيل الإخبارية.
2. التحقق السندي قبل البناء التحليلي.
3. التمييز بين القطعي والظني.
4. رفض الإسقاط السياسي المتسرع.
5. ربط العلامات بالمقصد الكلي: إقامة العدل العالمي.
خاتمة
إن قراءة علامات الظهور قراءةً منهجيةً علميةً تعيدها إلى حجمها الطبيعي:
ليست مادة تخييل،
ولا أداة تسييس،
ولا جدول توقيت.
بل هي جزء من منظومة الابتلاء الإلهي، ومقومٌ من مقومات الوعي العقدي، ومحرِّكٌ أخلاقي نحو التهيؤ لمرحلة العدالة الكبرى بقيادة الإمام الغائب الحاضر في مشروع الله.
والمنهج العلمي الرصين لا يلغي الإيمان بالغيب، بل يحميه من السطحية، ويجعله إيماناً واعياً قائماً على الدليل، محكوماً بالقواعد، منضبطاً بميزان العقل والنص.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] الغَيبة للنعماني:ص300.
[2] الغَيبة للشيخ الطوسي:ص426.
[3] إقبال الأعمال للسيد بن طاووس: ج1،ص368.