كيفية التعاطي العلمي الصحيح مع روايات عصر الظهور

, منذ 4 شهر 188 مشاهدة

لقد وقع خلط كبير لبعض الباحثين بالنسبة للتعاطي مع روايات علامات الظهور التي تسبق ظهور الإمام المهدي (عج) حيث قام هؤلاء البعض بإسقاط تلك الروايات إما على أشخاص أو ظواهر بما لا يتناسب معها، ومن غرائب هؤلاء أنهم اعتبروا انطباق ما ورد في تلك الروايات على أشخاص لم يعيشوا طويلاً حيث دهمهم الموت، أو ظواهر سرعان ما زالت، فوقعوا في حيص بيص، ولأجل عدم الوقوع في مثل ما وقع فيه هؤلاء لابد من تقديم قراءة صحيحة لروايات الظهور فنعطي عدة ضوابط:

الضابط الأول: حمل الألفاظ على معانيها الحقيقية:

إن المقرر لدى أهل المحاورة حمل الألفاظ على الحقيقة إلَّا أن تنصب قرينة من شأنها رفع اليد عن المعنى الحقيقي، والمصير إلى المعنى المجازي المتناسب مع القرينة، وهذا أصل لفظي مسلم، لا نزاع فيه بين العقلاء وأهل العرف، وهو جارٍ فيما نحن فيه.

فاليماني رجل من أهل اليمن، كما هو ظاهر لقب اليماني، والسفياني شخص من بني سفيان، والصيحة نداء عالي الصوت يكون من السماء، والخسف في البيداء هو خسف تكويني أرضي حقيقي، وهكذا في سائر العلامات التي تذكر.

نعم لا ينافي الحمل على الحقيقة، أن نقول: إنَّ السفياني لقب لذاك الرجل، الذي يكون من بني سفيان، واليماني أيضاً لقب لذاك الرجل الذي يكون من اليمن، فإنَّ احتمال ظهورهم بهذه الألقاب لا ينافي المعنى الحقيقي الذي بيناه.

ومن ذلك يتضح لك بطلان حمل هذه العلامات المذكورة في الروايات الشريفة على الرمزية؛ كأن يقال: السفياني ليس شخصاً؛ بل هو رمز لنهج فكري أُموي يستبيح الدماء ويفعل المحرمات، فإنَّ هذا الحمل مخالف للظاهر جدّاً، ولا يمكن المصير إليه إلَّا بقرينة.

الضابط الثاني: المنع من التوقيت:

وقد دلَّت روايات متعدِّدة عن أئمة الهدى (عليهم السلام) على منع التوقيت مطلقاً:

منها: خبر الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قلت له: لهذا الأمر وقت؟ فقال: «كذب الوقاتون، كذب الوقاتون، كذب الوقاتون[1]».

ومنها: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن القائم (عليه السلام)، فقال: «كذب الوقاتون، إنّا أهل بيت لا نوقت[2]».

ومنها: في الصحيح عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «من وقَّت لك من الناس شيئاً فلا تهابن أن تُكذِّبه، فلسنا نُوقِّت لأحد وقتاً[3]».

ويُمكن تصوير فائدتين لمنع التوقيت:

الفائدة الأُولى: منع الادِّعاءات لهذا المقام الشريف، فقد يدَّعي بعضٌ أن الوقت بعد سنة أو سنتين، فيصدقه الناس، ثم يجيء هذا البعض مدعياً مقام الإمامة فيضلل وتقع الفتنة ولا يُدرى أين الحق، فيكون منع التوقيت حصانة للناس من الانجرار خلف الدعاوى الكثيرة.

الفائدة الثانية: قد يقال: إن البداء يقع في الوقت، فلو وقَّت الناس لظهور الإمام (عليه السلام)، وكان توقيتهم مطابقاً للواقع، ثمّ وقع البداء في ذلك الوقت وتأخر الظهور، فإن هذا موجب للتكذيب بالإمام وبوجوده الشريف، فجاء المنع عن التوقيت مطلقاً لدفع ما يحتمل من الوجه الأوَل أو الثاني.

إشكال ورده:

وقد يُشكِل بعضهم فيقول: إنَّ المنع من التوقيت لا يتناسب مع ما جاء في بعض الروايات الشريفة من أنَّ السفياني يظهر في شهر رجب، وأنَّ اليماني والخراساني والسفياني يظهرون جميعاً في يوم واحد وشهر واحد وسنة واحدة، وأنَّ مدَّة حكم السفياني لا تتجاوز حمل امرأة، فهل هذا إلَّا توقيت؟

والجواب:

إنَّ المراد من التوقيت هو التوقيت بنحو التعيين كالتوقيت بالسنة الكذائية والشهر واليوم، كأن يقول: في السنة كذا في شهر كذا، وأمَّا أن يُحدَّد في شهر رجب، أو أنَّ الثلاثة يخرجون في يوم واحد، من دون تحديد السنة فلا يُعَدُّ توقيتاً.


[1] الكافي ١: ٣٦٨ : باب كراهية التوقيت: ح ٥.  

[2] الكافي ١: ٣٦٨ : باب كراهية التوقيت: ح ٣.

[3] الغيبة للطوسي: ٤٢٦: ح ٤١٤.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0210 Seconds