ما هو دور الخضر قبل ظهور الإمام المهدي (عج) وبعد ظهوره ؟

, منذ 10 شهر 943 مشاهدة

شاءت الأقدار أنْ يصبح المتبوع تابعاً، وأنْ يلوذ غائب بغائب، قد استكملت حلقات الكمال، وبلغت الأدوار الختام، وانكشف سرٌّ من أسرار صاحب العمر المديد، وكما قال الإمام الرضا (عليه السلام): «وَسَيُؤْنِسُ اَللهُ بِهِ وَحْشَةَ قَائِمِنَا فِي غَيْبَتِهِ، وَيَصِلُ بِهِ وَحْدَتَهُ».

ولن يكون الخضر (عليه السلام) وحده في هذه المهمَّة، وإنَّما سيكون واحداً ضمن مجموعة، فقد قال الإمام الباقر (عليه السلام): «وَمَا بِثَلَاثِينَ مِنْ وَحْشَةٍ»(1)، ومن بين هؤلاء الثلاثين الخضر (عليه السلام).

وقفة تأمُّل:

نظرة واحدة لركب الحجَّة المنتظَر (عجّل الله فرجه) يمكن أنْ نرجع منها بكنز معرفي ثمين.

سنشاهد في الركب شخصين عظيمين، يسيران معه، ويأتمران بأمره، وهما بعض جنوده.

لقد عرضت الروايات صوراً سيراها الحاضرون في عصر الظهور، وسيكون في بعضها روح الله (عليه السلام) مقتدياً بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في صلاته، ومنتظراً لأوامره، وفي بعضها الآخر سترى الخضر (عليه السلام) حافًّا به، يرفع به الله وحشته.

ولا تعجل على الحكم على ما طرحته بين يديك، وهلمَّ إلى الروايات فاقرأها متأمِّلاً.

لقد روى البخاري في صحيحه أنَّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) قال: «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ»(٢).

وروي عن حذيفة أنَّه قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «فيلتفت المهدي، وقد نزل عيسى (عليه السلام)، كأنَّما يقطر من شعره الماء، فيقول المهدي: تقدَّم، صلِّ بالناس، فيقول عيسى: إنَّما أُقيمت الصلاة لك، فيُصلِّي عيسى خلف رجل من ولدي، فإذا صُلِّيت قام عيسى حتَّى جلس في المقام، فيُبايعه، فيمكث أربعين سنة»(3).

تأمَّل - عزيزي القارئ - في الرواية، وتوقَّف عند كلمة (فيُبايعه)، فإنَّها تحمل دلالة أوسع ممَّا يُصوِّره الاقتداء في الصلاة، إنَّها البيعة، وما البيعة إلَّا دليل الاتِّباع والاقتداء.

وأمَّا الخضر (عليه السلام) فقد تكفَّلت رواياتنا بالحديث عنه، فنصَّت على كونه مؤنساً للإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، ومؤتمراً بأوامره.

لقد جمعت رواية واحدة بين الخضر وعيسى (عليهما السلام)، وهما يأتمران بآمر واحد، وقد سبق أنِ اجتمع مع موسى (عليه السلام)، فلم يستطع معه صبراً، فلقد كُلِّف كلُّ واحدٍ منهما بأمر يختلف عن الآخر، فذاك ابن عمران (عليه السلام) قد كُلِّف بنظام تشريعي، وهذا الخضر (عليه السلام) قد كُلِّف بأمر تكويني، فموسى (عليه السلام) قد كُلِّف بالظواهر، والخضر (عليه السلام) قد كُلِّف بالبواطن.

الباطن والظاهر والتكوين والتشريع خطَّان متناسقان، يوصلان الإنسان إلى الكمال، ولكلِّ خطٍّ رجاله، والمهمُّ في الأمر أنَّ رجال الخطَّين التشريعي والتكويني سيصبحون منقادين لآمرٍ واحدٍ، وهو الإمام المهدي (عجّل الله فرجه).

حقًّا لقد طأطأ كلُّ شريف لشرفكم، وحقًّا إنَّ الطير لينحدر من قمَّتكم كليلاً.

إنَّ التفكُّر في هذه الصورة يكفي الباحث في معرفة عظمة أهل البيت (عليهم السلام)، ويوقفه على شيء ممَّا حازوه من الشرف.

وسيتَّضح أنَّ الوصول إلى هدف الأنبياء - وهو إقامة العدل في كلِّ شبر من الأرض - يستلزم هذه القيادة المتعدِّدة الجهات، بحيث ينطوي تحتها الخطَّان.

وستنفتح نافذة نشرف من خلالها على أهمّيَّة البحث عن تفضيل أهل البيت (عليهم السلام)، وسنرى أنَّه ليس أمراً ترفيًّا، بل هو أمر متعلِّق بالواقع الذي يعيشه الإنسان، ويؤمل الخروج منه إلى عالم من السعادة والعدالة.

تعقيب:

إنَّ من دواعي إبقاء شخصيَّة بهذا العمر الطويل إيجاد البرهان الحيِّ على إمكانيَّة بقاء الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) مدَّة طويلة.

فأنت ترى بوضوح وجود عناصر مشتركة بين الشخصيَّتين، وتجد نقاط التقاء كثيرة بينهما، ويمكن أنْ نشير إلى بعضها:

- العمر الطويل.

- الغيبة عن الأنظار.

- الظهور لبعض الناس حينما تقتضي المصلحة.

- الغيبة الفجائيَّة عمَّن يلتقي معه.

- السرّيَّة في التحرُّك والعمل.

- التشابه في بعض الأعمال، كإرشاد الحائر.

وقد أشار الأئمَّة (عليهم السلام) إلى وجود نوع من التشابه بين الشخصيَّتين، بل وأصبح طول عمر الخضر (عليه السلام) دليلاً على عمر الحجَّة المنتظَر (عجّل الله فرجه)، فقد روي عن سدير الصيرفي أنَّه قال:

دَخَلْتُ أَنَا، وَاَلمُفَضَّلُ بْنُ عُمَرَ، وَأَبُو بَصِيرٍ، وَأَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ، عَلَى مَوْلَانَا أَبِي عَبْدِ اَلله اَلصَّادِقِ (عليه السلام)، فَرَأَيْنَاهُ جَالِساً عَلَى اَلتُّرَابِ، وَعَلَيْهِ مِسْحٌ خَيْبَرِيٌّ مُطَوَّقٌ بِلَا جَيْبٍ، مُقَصَّرُ اَلْكُمَّيْنِ، وَهُوَ يَبْكِي بُكَاءَ اَلْوَالِهِ اَلثَّكْلَى، ذَاتِ اَلْكَبِدِ اَلْحَرَّى، قَدْ نَالَ اَلْحُزْنُ مِنْ وَجْنَتَيْهِ، وَشَاعَ اَلتَّغَيُّرُ فِي عَارِضَيْهِ، وَأَبْلَى اَلدُّمُوعُ مَحْجِرَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ:

«سَيِّدِي، غَيْبَتُكَ نَفَتْ رُقَادِي، وَضَيَّقَتْ عَلَيَّ مِهَادِي، وَاِبْتَزَّتْ مِنِّي رَاحَةَ فُؤَادِي. سَيِّدِي، غَيْبَتُكَ أَوْصَلَتْ مُصَابِي بِفَجَائِعِ اَلْأَبَدِ، وَفَقْدُ اَلْوَاحِدِ بَعْدَ اَلْوَاحِدِ يُفْنِي اَلْجَمْعَ وَاَلْعَدَدَ...»، إلى أنْ قال: «إِنَّ اَللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَدَارَ لِلْقَائِمِ مِنَّا ثَلَاثَةً أَدَارَهَا فِي ثَلَاثَةٍ مِنَ اَلرُّسُلِ (عليهم السلام):

- قَدَّرَ مَوْلِدَهُ تَقْدِيرَ مَوْلِدِ مُوسَى (عليه السلام).

- وَقَدَّرَ غَيْبَتَهُ تَقْدِيرَ غَيْبَةِ عِيسَى (عليه السلام).

- وَقَدَّرَ إِبْطَاءَهُ تَقْدِيرَ إِبْطَاءِ نُوحٍ (عليه السلام).

وَجَعَلَ لَهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عُمُرَ اَلْعَبْدِ اَلصَّالِحِ - أَعْنِي اَلْخَضِرَ (عليه السلام) - دَلِيلاً عَلَى عُمُرِهِ»(4).

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الغيبة للطوسي (ص ١٦٢/ ح ١٢١)؛ ورواه عن أبي عبد الله (عليه السلام) الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ ص ٣٤٠/ باب في الغيبة/ ح ١٦)، والنعماني (رحمه الله) في الغيبة (ص ١٩٤/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٤١).

(٢) صحيح البخاري (ج ٥/ ص ٤٠١/ ح ٣٠٨٧)؛ ورواه مسلم في صحيحه (ج ١/ ص ٩٤).

(3) البيان في أخبار صاحب الزمان (عليه السلام) (ص ٤٩٧).

(4) كمال الدِّين (ص ٣٥٢ - ٣٥٤/ باب ٣٨/ ح ٥٠)، الغيبة للطوسي (ص ١٦٧ - ١٦٩/ ح ١٢٩).

المصدر : رَجُلُ الغيب دراسة تُعنى بحياة الخضر (عليه السلام) ـ تأليف : عارف آل سنبل

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0477 Seconds