هل سيظهر الإسلام على جميع الأديان في زمن الإمام المهدي (عج) ؟

, منذ 1 شهر 55 مشاهدة

لا يخفى أن القرآن الكريم والسنة النبوية صنوان لمشرع واحد، وعقيدة المسلمين بالمهدي المتواترة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بلا شك ولا شبهة قد أيدها القرآن الكريم بجملة من الآيات المباركة التي حملها الكثير من المفسرين على المهدي المبشّر بظهوره في آخر الزمان.

وإذا ما تواتر شيء عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلابد من التسليم بأن القرآن الكريم لم يهمله بالمرة وإن لم تدركه عقولنا؛ لقوله تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلِمينَ[1]).

إذن استجلاء هذه العقيدة من الآيات المباركة منوط بمن يفهم القرآن حق فهمه، ولاشك بأن أهل البيت (عليهم السلام) هم عدل القرآن بنصّ حديث الثقلين المتواتر عند جميع المسلمين، وعليه فإن ما ثبت تفسيره عنهم (عليهم السلام) من الآيات بالمهدي لابد من الاذعان إليه والتصديق به.

وفي هذا الصدد قد وقفنا على الكثير من أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) المفسرة لعدد من الآيات المباركة بالإمام المهدي (عليه السلام).

وسوف لن نذكر منها إلا ما كان مؤيداً بما في تفاسير أصحاب المذاهب الاُخرى ورواياتهم.

1 ـ فمنها: ما نمهد له بالقول: إن أعداء هذا الدين من أهل الكتاب والمنافقين والمشركين ومن والاهم (يريدون أَن يطفئوا نور الله بأَفواههم ويأْبى الله إلا أَن يتم نوره ولو كره الكافرون[2]).

فهذه الآية قد بينت لنا أن حال هؤلاء كحال من يريد بنفخة فم إطفاء نور عظيم منبث في الآفاق، ويريد الله تعالى أن يزيده ويبلغه الغاية القُصوى في الاشراق والاِضاءة.

وفي هذا منتهى التصغير لهم والتحقير لشأنهم والتضعيف لكيدهم، لان نفخة الفم القادرة على إطفاء النور الضعيف ـ كنور الفانوس ـ لن تقدر على إطفاء نور الاسلام العظيم الساطع.

وهذا من عجائب التعبير القرآني، ومن دقائق التصوير الالهي، لما فيه من تمثيل فني رائع بلغ القمة في البيان، ولن تجد له نظيراً قط في غير القرآن.

ثم تابع القرآن الكريم ليبين لنا بعد هذا المثال، إرادة الله عزَّ وجل الظهور التام لهذا الدين رغم أنوفهم، فقال تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودِين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون).

والمراد بدين الحق هو دين الاِسلام بالضرورة، لقوله تعالى: (ومن يبتغ غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه وهو فِي الآخرة من الخاسرين[3]).

وقوله تعالى: (ليظهره على الدين كله)، أي: لينصره على جميع الاديان، والضمير في قوله تعالى: (ليظهره) راجع إلى دين الحق عند معظم المفسرين وأشهرهم، وجعلوه هو المتبادر من لفظ الآية.

 

وهذه بشرى عظيمة من الله تعالى لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بنصرة هذا الدين وإعلاء كلمته، وقد اقترنت هذه البشرى بالتأكيد على أنّ إرادة أعداء الدين إطفاء نور الاِسلام سوف لن تغلب إرادته تعالى إظهار دينه القويم على سائر الاَديان، ولو كره المشركون.

والاظهار في الآية لا يراد به غير الغلبة والاستيلاء، قال الرازي في

تفسيره: «واعلم أن ظهور الشيء على غيره قد يكون بالحجّة، وقد يكون بالكثرة والوفور، وقد يكون بالغلبة والاستيلاء. ومعلوم أنّه تعالى بشر بذلك، ولا يجوز أن يبشّر إلاّ بأمر مستقبل غير حاصل، وظهور هذا الدين بالحجة مقرر معلوم، فالواجب حمله على الظهور بالغلبة[4]».

ولا يخفى أنّ تلك الغلبة على الاَديان الاُخرى قد تحققت في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخير دليل على ذلك أنّهم دفعوا الجزية للمسلمين عن يدٍ وهم صاغرون، ولا يخفى أيضاً أنّ تلك الغلبة والنصرة كانت بما يتناسب وصيرورة الاِسلام ديناً قوياً مهاب الجانب وذا شوكة.

ولكن واقعنا اليوم ليس كذلك، والذين دفعوا لنا الجزية بالأمس قد سيطروا اليوم على مقدساتنا، والعدو أحاط بنا، وغُزِينا في عقر ديارنا، مع ما يلاحظ من نشاط التبشير لأديان أهل الكتاب على قدمٍ وساق.

وإذا كنا نعتقد حقاً بأنّ القرآن الكريم صالح ليومه وغده؛ فهل يكون معنى ظهور الدين على سائر الاَديان منطبقاً على واقع الاِسلام اليوم الذي يكاد يكون مطوقاً بأنظمة المسلمين وسياساتهم ؟ وهل لتلك البشرى من مصداق واقعي غير كثرة من ينتمي إلى الاِسلام مع ما في هذه الكثرة من تضاد وتناقض واختلاف في العقائد والاَحكام ؟!

هذا مع أن المروي عن قتادة في قوله تعالى: (ليُظهِرَهُ عَلى الَّدينِ كُلَّه) قال: «هو الاَديان الستة: الذين آمنوا، والذين هادوا، والصابئين، والنصارى، والمجوس، والذين أشركوا.

فالأديان كلّها تدخل في دين الاِسلام، والاِسلام يدخل في شيء منها، فإنّ الله قضى بما حكم وأنزل أن يُظهر دينه على الدين كلّه ولو كره المشركون[5]».

وفي تفسير ابن جزّي: «وإظهاره: جعله أعلى الاَديان وأقواها، حتى يعم المشارق والمغارب[6]». وهذا هو المروي عن أبي هريرة كما نصَّ عليه جملة من المفسرين[7].

وفي الدر المنثور: «وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، والبيهقي في سننه عن جابر رضي الله عنه في قوله تعالى: (ليظهره على الدين كله) قال: لا يكون ذاك حتى لا يبقى يهودي ولانصراني صاحب ملّة إلاّ الاسلام[8].

« وعن المقداد بن الاَسود قال: «سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «لا يبقى على ظهر الاَرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله كلمة الاسلام، إما بعز عزيز، وإما بذلٍ ذليل.

إما يعزهم فيجعلهم الله من أهله فيعزّوا به، وإما يذلهم فيدينون له[9]».

ومن هنا ورد في الاَثر عن الاِمام الباقر عليه السلام أن الآية مبشّرة بظهور المهدي في آخر الزمان، وأنه ـ بتأييد من الله تعالى ـ سيظهر دين جده (صلى الله عليه وآله وسلم) على سائر الاَديان حتى لا يبقى على وجه الارض مشرك. وهو قول السدي المفسر[10].

قال القرطبي: «وقال السدي: ذاك عند خروج المهدي، لا يبقى أحد إلاّ دخل في الاِسلام[11]».


[1] النحل: 89.

[2] التوبة: 32.

[3] آل عمران: 85.

[4] التفسير الكبير : الرازي 16: 40.

[5] الدر المنثور : السيوطي 4: 176.

[6] تفسير ابن جزي: 252.

[7] تفسير الطبري 14: 215، والتفسير الكبير 16: 40، وتفسير القرطبي 8: 121، والدر المنثور 4: 176.

[8] الدر المنثور 4: 176.

[9] مجمع البيان 5: 35.

[10] مجمع البيان 5: 35.

[11] تفسير القرطبي 8: 121، والتفسير الكبير 16: 40 ومجمع البيان 5: 35.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0338 Seconds