لماذا صار انتظار فرج الإمام المهدي (عج) أفضل الأعمال ؟

, منذ 3 شهر 203 مشاهدة

الشيخ إبراهيم الأنصاري البحراني

عندما نبحث في الأحاديث المختلفة الصادرة عن المعصومين (عليهم السلام) نستنتج أنَّ الأعمال كلَّها مع في فيها من الأهميَّة والاعتبار فهي في قبال الانتظار قليلة المستوى حيث أنَّ الانتظار هو:

(أفضل الأعمال[1])

بل جميع الأعمال العبادية مع ما لها من القدسيَّة والروحانيَّة فهي ليست راجحة على الإنتظار حيث أنَّه (أفضل عبادة الأمَّة[2]) والجدير بالذكر أنَّ هذه العبادة أعني الإنتظار قد دخلت في ساحة أهمّ العبادات وهو الجهاد في سبيل الله وصار (أفضل جهاد الأمة) كما في الحديث التالي الصادر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلَّم) حيث قال :

(افضل جهاد أمتي انتظار الفرج)

ومن زاوية عرفانية فللانتظار أيضاً مستوى رفيع من العرفان والروحانيَّة حيث صار(أحبَ الأعمال إلى الله) حتَّى وصل المنتظر إلى مستوى الشهيد في سبيل الله.

(.. قال أمير المؤمنين عليه السلام انتظروا الفرج و لا تيأسوا من روح الله فان احب الأعمال إلى الله عز و جل انتظار الفرج .... و المنتظر لأمرنا كالمتشحط بدمه في سبيل الله[3])

بل هناك أحاديث تؤكِّد على أنَّ (انتظار الفرج من الفرج) بل (انتظار الفرج من أعظم الفرج).

(...عن محمد بن الفضيل عن الرضا عليه السلام قال سألته عن شيء من الفرج فقال أليس انتظار الفرج من الفرج إن الله عز و جل يقول فانتظروا إني معكم من المنتظرين[4])

وهذا المعنى من الانتظار أعني انتظار الفرج قد أكتسب قسطاً من القدسية والاعتبار بحيث صار من علائم الإخلاص الحقيقي والتشيُّع الصادق ومن مميزات الدعاة إلى دين الله سراً وجهراً و قد ورد في الحديث

(..أولئك المخلصون حقا وشيعتنا صدقا والدعاة إلى دين الله سرا وجهرا..[5])

السرُّ في أهميَّة الانتظار:

لمعرفة السرّ في ذلك ينبغي لنا أن نتحدَّث بالتفصيل حول واقع الانتظار بذكر مقدَّمة مختصرة فنقول:

إن التقييم في القاموس الإلهي يختلف تماماً عن التقييم في القاموس المادِّي ومن الخطأ جداً محاولة تقييم القضايا المعنوية الراقية والمفاهيم الروحانية السامية بالمعايير الماديَّة حيث أن هناك بونٌ بعيد بينهما بل هما في طرفي النقيض وقد وصل التضادّ بينهما إلى مستوى بحيث لا يمكن أن ينقطع الإنسان إلى المعنويات إلا بالابتعاد الكامل عن المادِّيات و أعني بالابتعاد عنها هو عدم التوجُّه إليها وعدم انشغال الذهن بها.

هذا: ومفهوم الانتظار أعني انتظار فرجِ الله هو في الواقع يندرج تحت اسم من أسماء الله تعالى أعني "الكاشف" كما في الدعاء:

( يا صريخ المكروبين ويا مجيب المضطرين ويا كاشف الكرب العظيم) (يا كاشف الغم) (يا كاشف الكرب العظام).

وعلى ضوئه صار مفهوم الانتظار مفهوماً معنوياً إلهياً حيثُ أنَّه لا يمكن لشيءٍ أن يكتسب جانباً معنوياً ويشتمل على بعدٍ مُقدَّس إلاّ بارتباطه بالله سبحانه وبمقدار ظهور اسم الله فيه، فلنترك إذاً الساحةَ المادية ولنبحث عن الأفضلية في الساحة الإلهية المعنوية.

فنقول:

القرب إلى الله ميزان الأفضلية :

ثم لا يخفى على كلِّ من آمن بالله سبحانه أنه ليس في القاموس الإلهي إلاّ ميزان واحد، يقاس به الأفضلية وهو الميزان الحقيقي (وهو الحق) وغيره ليست بموازين بل يُترائى أنها موازين فلا حقيقة لها ولا ثِقل فيها قال تعالى:

(والوزنُ يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون[6]) (ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون[7]) (فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون[8]).

وهذا الميزان هو: "التقرب إلى الله سبحانه وتعالى" فيجب أن نبحثَ عن مستوى التقرُّب إليه تعالى في الانتظار وعلى ضوءه نقيِّم مستوى قدسيِّة الانتظار، حتَّى نعرف السرَّ في أفضليَّته على سائر الأعمال بل حتَّى العبادات بحيث صار المنتظر كالمتشحِّط بدمه في سبيل الله.

الرجاء بالله :

إنَّ من أهم نتائج انتظار الفرج تنميةَ روحيةِ الرجاء بالله في الإنسان المؤمن حيث يُشاهد أمامَه مجالاً وسيعاً من الفضل والكرم والخير الإلهي الذي سوف تظهر مصداقيَّتُها في تلك الدولة العظيمة المباركة وهي دولة المهدي المنتظر صلوات الله وسلامه عليه، تلك الدولة الكريمة التِّي يعزُّ الله بها الإسلام وأهلَه ويذلُّ بها النفاق وأهلَه، ومن الطبيعي لمن يمتلك هذه الرؤية أن يحتقر العالم الذي يعيشه بما فيه من المُغريات الخلاّبة الدنيوية والتسويلات الشيطانية، وهذا الأمر(أعني تحقير المظاهر الدنيويَّة) هو أوَّل خطوة يخطوها السالك إلى الله وهي (التخلية) التِّي تستتبعها (التحلية) ومثل هذا الإنسان المؤمن قد وصل بالفعل إلى مُستوى من العرفان والعبودية بحيث يكون لسان مقالِه حالِه وعملِه هو (صلِّ على محمدٍ و آل محمد وأثبتْ رجائك في قلبي و اقطعْ رجائي عمَّن سواك حتى لا أرجو إلا إيّاك[9] ..)

ثمَّ يترقَّى في العبوديَّة فيقول: (بسم الله الذي لا أرجو إلاّ فَضله) (يا من أرجوه لكل خير).

هذه الروحية إن تركَّزت في الإنسان المؤمن فسوف تُعمِّق جذورَها فتقمع جميعَ الأشواك والموانع الصادَّة ،لتنشرَ فروعَها الطيِّبة وثمارَها الجنيَّة في السماء حتَّى تؤتى أكلَها كلَّ حينٍ بإذنِ ربِّها. فكيف لا يكون الانتظار أفضلَ الأعمال بل أفضل العبادات؟! وهو الذي يُخيِّم على جميع الأعمال ويُلقى الضوء عليها.

أفضل الجهاد :

ما هو الأمر المتوقع من المجاهد في سبيل الله حين الجهاد؟ وما قيمة المجاهد لولا النيّةُ الصادقة التي تنصبُّ في سبيل الله؟

هذا الأمر بنفسه بل أعلى مستوى منه متوفِّر في المنتظر الحقيقي الذي يتمنَّى في كلِّ صباحٍ ومساءٍ أن يعيش في ظلِّ ذلك المعشوق روحي لتراب مقدمه الفداء ولسان حاله (..فأخرجني من قبري مؤتزراً كفني شاهراً سيفي مجرداً قناتي ملبياً دعوةَ الداعي في الحاضرِ و البادي[10]..) وهو بقربه إلى الله وشهوده مقام ربِّه صار كالمتشحِّط بدمه في سبيل الله شهيداً في سبيل الله ،وليس للشهيد خصوصيةٌ كمصداق بل الخصوصية والقيمة لمفهوم الشهادة التي تعني الوصول إلى الله و شهود وجه المحبوب، والمنتظِر يؤدِّي نفس الدور حيث يشاهد وجهَ ربه و هو في نفس الوقت يعايش الناس،وهذه الحالة هي التي تحقِّق فيه الصفاتِ الحسنة التي ذكرت في الأحاديث الشريفة على ما سيأتي عند بيان أخلاق المُنتظِر.

والحديث التالي قد بيَّن السر الذي رفع مستوى الانتظار إلى هذه الدرجة:

(عن أبي حمزة الثمالي عن أبي خالد الكابلي عن على بن الحسين عليه السلام قال تمتد الغيبة بولي الله الثاني عشر من أوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلَّم و الأئمة بعده يا أبا خالد إنَّ أهل زمان غيبته القائلون بإمامته المنتظرون لظهوره افضل أهل كل زمان لان الله تعالى ذكره أعطاهم من العقول و الإفهام و المعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزله المشاهدة وجعلهم في ذلك الزمان بمنزله المجاهدين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله و سلَّم بالسيف أولئك المخلصون حقا و شيعتنا صدقا و الدعاة إلى دين الله سرا و جهرا و قال: انتظار الفرج من اعظم الفرج[11]).

وماذا بعد الفرج ؟ إلا كشف الكربة عن وجه المؤمن برؤية الواقع و الأمر حينما تتحقق تلك الدولة العظيمة التي تملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئت ظلماً وجَوراً؟

فالانتظار إذاً له نتيجتان :

1-إنَّه بالفعل يُحقِّق {كشف الكربة} بنحو مجمل.

2-إنَّه عاملٌ جذري أساسي للفرج بظهوره سلام الله عليه حيث يسود الحكمُ الإلهي الأرضَ كلّها.

ووِزانُ الانتظار وزانُ النية التي هي خير من العمل حيث جاء في الحديث "نية المؤمن خير من عمله" لأن هذه النية من ناحية هي التِّي ترفع مستوى الإنسان ومن ناحية أخرى تلازم العمل بل توجده (قل كلٌ يعملُ على شاكلته[12])

وليعلمْ أنَّ تعجيل الفرج يتناسب مع الإنتظار شدَّةً وضعفاً. ومن هذا المنطلق نشاهد أن الآية الكريمة تصرح بقولها:

(..وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب[13]) فقربُ نصر الله متناسبٌ مع طلب النصر (متى نصر الله) وهذا الطلب الأكيد لا يحصل إلاّ بعد اليأس (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين[14])

 

[1] بحار الأنوار ج 10 ص 99.

[2] بحار الأنوار ج 52 ص 122.

[3] بحار الأنوار ج 52 ص 123.

[4]  بحار الأنوار ج52 ص128.

[5] بحار الأنوار ج 36 ص 387.

[6]  الأعراف : 8

[7]  الأعراف : 9

[8]  يونس : 23

[9] بحار الأنوار ج 86 ص 216.

[10] بحار الأنوار ج 53 ص 96.

[11] بحار الأنوار ج 52 ص 122.

[12] الإسراء : 84.

[13] البقرة : 214.

[14] يوسف : 110.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0338 Seconds