الامامة المبكرة والعمر الطويل للمهدي(عليه السلام)

, منذ 3 اسبوع 22 مشاهدة

ترى مدرسة أهل البيت أن الامامة منصب الهي لا يتمتع به إلاّ من تكتمل لديه صفات أساسية تتلخص في العلم والعصمة ومجموعة من صفات الكمال لابد للقائد الربّاني من الاتّصاف بها ليحقق للشريعة أهدافها.

وهذه المواصفات إذا اجتمعت في انسان جعلته جديراً بها مهما كان عمره، فلا مانع من اجتماعها في طفل لم يبلغ الحلم. وقد تحقق ذلك في عدد من الأئمة الاثني عشر مثل: الامام محمد الجواد(عليه السلام) والامام علي الهادي (عليه السلام)، فقد نالا منصب الامامة في السابعة أو الثامنة أو التاسعة من عمرهم. والامام المهدي(عليه السلام) قد نال هذا الوسام الربّاني وهو في الخامسة من عمره المبارك. وقد صرّح القرآن بمثل ذلك بالنسبة لنبوة يحيى بقوله تعالى: (يا يحيى خُذ الكتاب بقوّة وآتيناه الحكم صبياً[1]).

وإذا نظرنا إلى الواقع التاريخي وجدنا أن المهدي(عليه السلام) خلف أباه الحسن العسكري في إمامة المسلمين وهو ابن خمس سنين.

إنّ ظاهرة الامامة المبكرة كانت ظاهرة واقعية في حياة أهل البيت(عليه السلام)وليست مجرد افتراض، فالحكام المعاصرين لكل إمام قد أدركوا ذلك بالفعل وحاولوا أن يقفوا أمام هذه الظاهرة الواقعية بكل ما يمكن لهم. وقد ثبت الأئمة أمام كل التحديات بل تحدّوا بعلمهم وفضلهم كل الشخصيات التي كانت ذات صدى علمي في العالم الاسلامي وغيره.

الغيبة الطويلة المستلزمة لعمر مفتوح مع انفتاح الزمن:

إن الاعتقاد بغيبة الامام المهدي(عليه السلام) عن الانظار واستمرارها إلى حين يأذن الله تعالى له بالظهور، يستلزم عمراً طويلاً ومفتوحاً مع انفتاح الزمن.

إن عمر الانسان وبقاؤه قروناً متعددة أمر ممكن منطقياً وممكن علمياً، ولكنه لا يزال غير ممكن عملياً، وبحسب الاسباب الطبيعية الاعتيادية، إلاّ أن اتجاه العلم سائر في طريق تحقيق هذا الامكان، وعلى هذا الضوء نتناول عمر الامام المهدي(عليه السلام)وما أحيط به من استفهام أو استغراب، فإن عمر الامام المهدي قد سبق العلم نفسه وليس ذلك هو المجال الوحيد الذي سبق فيه الاسلام حركة العلم.

ولكن لنفترض أن العمر الطويل غير ممكن علمياً، فماذا يعني ذلك؟ يعني أن إطالة عمر الانسان كنوح أو كالمهدي ـ قروناً متعددة، هي خلاف القوانين الطبيعية والعلم، وبذلك تصبح هذه الحالة معجزة عطلت قانوناً طبيعياً في حالة معينة، وليست هذه المعجزة فريدة من نوعها، وقد عطل هذا القانون للحفاظ على إبراهيم، فقيل للنار حين ألقي فيها إبراهيم: (قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم[2])، فخرج منها كما دخل سليماً لم يصبه أذىً، إلى كثير من القوانين الطبيعية التي عُطلت لحماية أشخاص من الانبياء والاولياء وهكذا يتضح أن العمر الطويل أمر ممكن ولو بنحو المعجزة، ولكن هل تحقق ذلك فعلاً في الامام المهدي أم لا؟ نجيب على هذا السؤال بالأدلة النقلية من الروايات الواردة عن الرسول الاعظم(صلى الله عليه وآله) والشواهد التاريخية.

أما الروايات فمثل قوله(صلى الله عليه وآله): (المهدي من ولدي تكون له غيبة إذا ظهر يملا الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً وظلماً[3]).

وقوله(صلى الله عليه وآله): (المهدي من ولدي اسمه اسمي وكنيته كنيني أشبه الناس بي خَلقاً وخُلقاً تكون له غيبة وحيرة تضل فيها الاُمم يقبل كالشهاب الثاقب يملاها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً[4]).

والتاريخ قد شهد بالغيبة الصغرى التي تعتبر تجربة عاشتها اُمة من الناس فترة امتدت سبعين سنة تقريباً، وهي تعبّر عن المرحلة الاُولى من إمامة القائد المنتظر(عليه السلام)وكانت فترة تمهيدية للغيبة الكبرى، ففي الغيبة الصغرى كان الامام(عليه السلام) يتصل بشيعته عن طريق وكلائه ونوابه الاربعة الذين أجمعت الشيعة على تقواهم وورعهم وهم كما يلي:

1 ـ عثمان بن سعيد العمري المتوفى سنة (280 هـ).

2 ـ محمد بن عثمان بن سعيد العمري المتوفى سنة (305 هـ).

3 ـ أبو القاسم الحسين بن روح المتوفى سنة (326 هـ).

4 ـ أبو الحسن علي بن محمد السمري المتوفى سنة (328 هـ).

وقد مارس هؤلاء الاربعة مهام النيابة بالترتيب المذكور، وكلما مات أحدهم خلّفه الاخر الذي يليه بتعيين من الامام المهدي(عليه السلام).

وكان النائب يتصل بالشيعة ويحمل أسئلتهم إلى الامام ويعرض مشاكلهم عليه، ويحمل إليهم أجوبته الشفهية أحياناً والتحريرية في كثير من الاحيان.

وكان أبو الحسن علي بن محمد السمري هو آخر النواب، وقد أعلن عن انتهاء مرحلة الغيبة الصغرى وابتداء الغيبة الكبرى التي لا يوجد فيها اشخاص معينون بالذات ليقوموا بالوساطة بين الامام وشيعته. كل هذا ممّا شهد به التاريخ وهل بالإمكان أن تعيش اُكذوبة سبعين عاماً ويمارسها أربعة على سبيل الترتيب كلهم يتفقون عليها؟


[1]  مريم: 12.

[2] الانبياء: 69.

[3] ينابيع المودّة: 448.

[4] ينابيع المودّة: 488 نقلاً عن فرائد السمطين.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 2.4075 Seconds