كيف كان الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يجيب على أسئلة الشيعة ؟

, منذ 7 شهر 336 مشاهدة

تناولت التوقيعات الخارجة من الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وبنوع من الجدّيَّة قضايا الأُمَّة، سواء ما يرتبط فيها بمستوى العلاقات الاجتماعيَّة أو القضايا السياسيَّة أو الفكريَّة.

فأمَّا على مستوى العلاقات الاجتماعيَّة، فقد تناولت النصوص المشاكل العائليَّة ومحيط الأُسرة، كتيسير الشفاء لأمراض مزمنة، وطلب الولد، وسؤال الدعاء لأُمور هامَّة، واستئذان بالسفر، أو الخروج إلى الحجِّ، أو التزويد بالأكفان والأحناط، وغيرها من الأُمور.

وأمَّا على الصعيد السياسي، فقد تناولت النصوص تحذير السفراء والوكلاء وأصحاب الأئمَّة (عليهم السلام) من الوقوع في قبضة السلطات وشراكها، وكيفيَّة استلام الأموال أو إرسالها إلى الإمام (عجَّل الله فرجه)، أو صرفها في مجالات سياسيَّة ومشاريع عامَّة يعود نفعها على الأُمَّة.

وأمَّا على الصعيد الثقافي، فقد وردت النصوص عنه (عجَّل الله فرجه) في حلِّ المشاكل المزمنة المتعلِّقة بالمذهب، ومواجهة الهجمة الثقافيَّة وتيَّار الانحراف في السلطة والمجتمع.

وهناك عدَّة ملاحظات حول التوقيعات:

الملاحظة الأُولى: تشابه خطِّ الأئمَّة (عليهم السلام):

لقد كان معظم أصحاب الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) يعرفون خطَّه وكذا خطَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، حيث كان هناك تشابهاً في القلم بالغلظة والرقَّة، فقد كتب أحمد بن إسحاق الأشعري القمِّي رسالة إلى الإمام العسكري (عليه السلام) أعرب فيها عن رغبته في معرفة خطِّه (عليه السلام) ليأمن التدليس والتزوير من قِبَل بعض المشعوذين، فأجابه الإمام (عليه السلام): «يَا أَحْمَدُ، إِنَّ اَلْخَطَّ سَيَخْتَلِفُ عَلَيْكَ مِنْ بَيْنِ اَلْقَلَمِ اَلْغَلِيظِ إِلَى اَلْقَلَمِ اَلدَّقِيقِ، فَلَا تَشُكَّنَّ»(1).

وقال الطوسي (رحمه الله): وهكذا كانت التوقيعات الخارجة من الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) إلى سفرائه وخواصِّ أبيه بالأمر والنهي والأجوبة عمَّا يسأل الشيعة عنه إذا احتاجوا إلى السؤال بالخطِّ الذي كان يخرج في حياة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)(2).

الملاحظة الثانية: كيفيَّة استلام التوقيعات:

لم تكن طريقة استلام التوقيعات واضحة، بل وحتَّى اللقاءات التي دارت بين السفراء والإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فقد تطول المدَّة ثمّ يحصل اللقاء، روى الطوسي بإسناده عن عَبْدِ اَللهِ بْنِ جَعْفَرٍ اَلْحِمْيَرِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عُثْمَانَ - العمري - (رضي الله عنه)، فَقُلْتُ لَهُ: رَأَيْتَ صَاحِبَ هَذَا اَلْأَمْرِ؟! قَالَ: نَعَمْ، وَآخِرُ عَهْدِي بِهِ عِنْدَ بَيْتِ اَللهِ اَلْحَرَامِ، وَهُوَ يَقُولُ: «اَللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي»(3).

وقال العمري أيضاً: وَرَأَيْتُهُ (صَلَوَاتُ اَللهِ عَلَيْهِ) مُتَعَلِّقاً بِأَسْتَارِ اَلْكَعْبَةِ فِي اْلمُسْتَجَارِ، وَهُوَ يَقُولُ: «اَللَّهُمَّ اِنْتَقِمْ لِي مِنْ أَعْدَائِكَ»(4).

الملاحظة الثالثة: مدَّة خروج التوقيعات:

اختلفت النصوص حول مدَّة خروج التوقيعات الصادرة من الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) إلى سفرائه، وكانت تخرج على أشكال عديدة:

أ - التوقيع الشفوي:

فقد كان يخرج التوقيع أحياناً شفويًّا إلى السائل وإفهامه أنَّه من الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).

روى الطوسي (رحمه الله) أنَّ رجلين دخلا على ابن روح النوبختي - السفير الثالث للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) - ومعهما أخرس، فطلبوا منه الدعاء بالشفاء للأخرس، فأجابهم ابن روح قائلاً: إِنَّكُمْ أُمِرْتُمْ بِالْخُرُوجِ إِلَى اَلْحَائِرِ، فذهبوا إليه وشُفِيَ الأخرس بمعجزة الإمام (عجَّل الله فرجه)(٥).

ب - التوقيع بنحو الرسالة المستعجلة:

فقد خرج توقيع منه (عجَّل الله فرجه) لابن روح النوبختي عام (٣١٢هـ) من شهر ذي الحجَّة وهو في السجن في لعن ابن أبي العزاقر الشلمغاني المدَّعي للسفارة كذباً عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بسرعة فائقة لا تُتصوَّر، وَاَلْمِدَادُ رَطْبٌ لَمْ يَجُفَّ(6).

ج - التوقيع الغيبي:

ومرَّة يخرج التوقيع منه (عجَّل الله فرجه) وقد خطر السؤال في ذهن السائل فيُخبِره الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بما في ضميره ووجدانه، ولم يكن يعرف ذلك أحد غيره.

روى الطوسي (رحمه الله) توقيعاً صادراً من الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) لسفيره محمّد بن عثمان العمري، جاء فيه: قال أبو الحسين الأسدي: فَوَاَلَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بِالْحَقِّ بَشِيراً لَقَدْ نَظَرْتُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي اَلتَّوْقِيعِ فَوَجَدْتُهُ قَدِ اِنْقَلَبَ إِلَى مَا وَقَعَ فِي نَفْسِي(7).

د - التوقيع بعد ساعات:

ومرَّة كان يخرج التوقيع منه (عجَّل الله فرجه) بعد ساعات قليلة من تقديم الأسئلة له (عجَّل الله فرجه).

فقد روى الطوسي (رحمه الله) بإسناده عن الصفواني، قال: وَحَضَرَتْ صَلَاةُ اَلظُّهْرِ، فَصَلَّيْنَا هُنَاكَ، وَرَجَعَ اَلرَّسُولُ - وهو خادم أسود لمحمّد بن الفضل -، فَقَالَ: قَالَ لِي - ابن روح النوبختي: اِمْضِ، فَإِنَّ اَلْجَوَابَ يَجِيءُ، وَقُدِّمَتِ اَلمَائِدَةُ، فَنَحْنُ فِي اَلْأَكْلِ إِذْ وَرَدَ اَلْجَوَابُ فِي تِلْكَ اَلْوَرَقَةِ مَكْتُوبٌ بِمِدَادٍ عَنْ فَصْلٍ فَصْلٍ(8).

هـ - التوقيع بعد ثلاثة أيَّام:

ومرَّة أيضاً كان يخرج التوقيع منه (عجَّل الله فرجه) بعد ثلاثة أيَّام من تقديم الأسئلة له.

فقد روى الطوسي (رحمه الله) بإسناده عن عليِّ بن الحسين بن بابويه القمِّي أنَّه قال: سألت ابن روح النوبختي بالتوسُّط عند الإمام (عجَّل الله فرجه) ليدعو الله تعالى له في أنْ يرزقني ولداً، فأنهى ذلك إليه، فأخبره بعد ثلاثة أيَّام أنَّه قد دعا لعليِّ بن الحسين (رحمه الله)، فَإِنَّهُ سَيُولَدُ لَهُ وَلَدٌ مُبَارَكٌ يَنْفَعُ اَللهُ بِهِ، وَبَعْدَهُ أَوْلَادٌ(9).

و - التوقيع على مجموعة أسئلة:

ومرَّة يخرج التوقيع منه (عجَّل الله فرجه) على مجموعة أسئلة عُرِضَت عليه في ورقة واحدة.

فقد روى الطوسي (رحمه الله) بإسناده عن أبي غالب الزراري، قال: فَحِينَ جَلَسْنَا عِنْدَ أَبِي جَعْفَرٍ، أَخْرَجَ اَلدَّرْجَ وَفِيهِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ قَدْ أُجِيبَ فِي تَضَاعِيفِهَا(10).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكافي (ج ١/ ص ٥١٣/ باب مولد أبي محمّد الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام)/ ح ٢٧).

(2) راجع: الغيبة للطوسي (ص ٣٥٦/ ذيل الحديث ٣١٨).

(3) الغيبة للطوسي (ص ٢٥١ و٣٦٤/ ح ٢٢٢ و٣٣٠).

(4) المصدر السابق.

(٥) الغيبة للطوسي (ص ٣٠٩/ ح ٢٦٢).

(6) الغيبة للطوسي (ص ٤٠٩ و٤١٠/ ح ٣٨٤).

(7) كمال الدِّين (ص ٥٢٢/ باب ٤٥/ ح ٥١).

(8) الغيبة للطوسي (ص ٣١٦/ ح ٢٦٤).

(9) الغيبة للطوسي (ص ٣٢٠/ ح ٢٦٦)؛ ورواه الصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٥٠٢/ باب ٤٥/ ح ٣١).

(10) الغيبة للطوسي (ص ٣٠٤/ ح ٢٥٦).

سفراء الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بين الحقائق والأوهام ـ تأليف: ضياء الدِّين الخزرجي

 

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0676 Seconds