لماذا يختلف الشيعة والسُنة في تحديد هوية المهدي ؟

, منذ 10 شهر 398 مشاهدة

لا ريب في أن يقينية التواتر مبدأ كلي وعقلي ، ولا تستثنى منه هوية الإمام المهدي (عليه السلام) فكما توجب الأخبار المتواترة بشأن الأنبياء والرسل ، اليقين، وتدفع العقلاء إلى الإيمان بها، كذلك تؤكد الأخبار المتواترة وبشكل واضح لا لبس فيه على أن الإمام المهدي (عليه السلام) والمنقذ الموعود هو محمد بن الحسن العسكري (عليه السلام). فكيف يتحقق الإيمان بعيسى وموسى وكذلك بالنبي محمد (صلى الله عليه وآله) من خلال اعتماد الأخبار المتواترة ، بينما يواجه تواتر أخبار المهدي عجل الله تعالى فرجه الشك والتردد .

ستلاحظ في فصل الأحاديث الشريفة أن ما يزيد على سبعة آلاف راو قد اشتركوا في نقل أخبار وأحاديث المهدي.

كما أن ما يزيد عن ألف من هؤلاء الرواة ذكروا بأن المهدي هو محمد ابن الإمام الحسن العسكري.

ومعظم هؤلاء المؤكدين على هويته، هم من الصلحاء والأخيار، ومعروفون كثقات في المجتمع الإسلامي، وليس هناك أي احتمال بتواطئهم على الخبر الكاذب، فمن غير الممكن خلال تلك الفترة إيجاد اتصال بين هؤلاء الرواة الذين كانوا يتوزعون في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي كاليمن ، والحجاز ، والعراق ، وايران، والشام، ومصر وغيرها، ثم كيف يتفق جميع هؤلاء الرواة على قضية بهذه الحساسية والخطورة من دون أن ي من دون أن يطلع أحد من المسلمين آنذاك على ذلك ، ولا يعترض عليه فلا شك في أن جميع ما يُرمى به هؤلاء الرواة الثقات ، لا يخرج عن اطار الافتراء ، ويعبر عن سوء النوايا والتعصب المقيت.

فلابد من النظر إلى حقائق العالم نظرة محايدة ومنصفة، وليس من خلال افتراضات مسبقة ومغرضة فلا ريب في أن الذي يؤمن بأن الله تعالى قادر وحكيم ، وأن رسوله محمداً الله والأئمة الأطهار من آله ، عالمون بأسرار العالم ورموزه، ليس بوسعه أن يشك في جميع هذه الأحاديث والروايات ، ولا يمكنه أن يعرض عن الحق بشتى الذرائع والحجج كطول العمر ، فإنها ذرائع لا تنشأ إلا عن قصر النظر وانحراف الفكر .

خلال اجتماعي مع بعض الفلاسفة الغربيين في مبنى السفارة الإيرانية في سويسرا، تم التطرق إلى طول عمر السيد المسيح ، فقال هؤلاء الفلاسفة إن العلوم ليس بوسعها أن تعرف سوى بعض أسباب العالم، لكونها محدودة وذات أفق معين ، بينما أسباب طول عمر عيسى ، بيد الله. وهذه حقيقة ليس بوسع العالم الحقيقي تجاهلها .

على أية حال، أنّ هذا العدد الهائل من الأحاديث من جانب، وكثرة الرواة الثقات من جانب آخر ، يبددان أي شك وشبهة في موضوع الإمام المهدي وهويته، وهل هناك باحث منصف ونزيه بمقدوره أن يشك في قضية بهذا الوضوح ، وهذا التواتر ، وهذا العدد الكبير من الرواة الثقات والصالحين؟ اللهم أكرمنا بقلوب صافية ، وبصائر مجلوة ، وفطرة سليمة ، ومرائي نقية من  الرين والشك والغشاوة ، بحق محمد و عترته الطاهرة أكثر من ألف راوٍ نقلوا لنا أن المهدي هو ابن الإمام الحسن العسكري ، وراح ينقل هذا الخبر المتواتر من جبل لآخر. والكتب المعتبرة والمهمة ، مملوءة بأخبار وأحاديث المهدي ككتب الكليني، والصدوق، والشيخ المفيد، والشيخ الطوسي، والسيد المرتضى، والسيد الرضي وغيرهم من الوجوه البارزة التي يتق بها جميع المسلمين شيعة وسنة. كما نقل هذه الأحاديث الحمويني الشافعي صاحب کتاب «فرائد السمطين، وغيره من أعلام أهل السنة كالكنجي الشافعي وأمثاله طبعاً معظم محدثي أهل السنة ، يشيرون إلى الإمام المهدي كابن للنبي (صلى الله عليه وآله) وعلي وفاطمة أو للحسين بن علي عليهم السلام.

إذن فالمهدي كابن للنبي (صلى الله عليه وآله) و الحسين بن علي (عليهما السلام)، أمر صحيح ومسلّم به في التراث الإسلامي : وكابن للإمام الحسن العسكري ، أمر متواتر وقطعي لدى جميع الشيعة وبعض أهل السنة .

السؤال الذي يطرح نفسه هو كيف اختلف المسلمون في هوية الإمام المهدي ، ولماذا يشير إليه معظم أهل السنة كابن للنبي والإمام الحسين فحسب وسكتوا عن الإفصاح عن هويته بشكل دقيق ؟ وكيف يمكن تفسير هذا السكوت؟

وللإجابة على هذا التساؤل ، نقول: روى الفريقان الشيعة والسنة ، الأحاديث عن الرسول محمد وأئمة أهل البيت . كما روى الشيعة عن السنة ، والسنة عن الشيعة. ويشير الإمامية في كتب الحديث والدراية إلى نوعين من الحديث: الحديث الصحيح ، والحديث الموثق ويريدون بالحديث الموثق ، الحديث الذي يرويه الثقات من أهل السنة ، بينما يريدون بالحديث الصحيح ، الحديث الذي يرويه الثقات الشيعة. ويقول علماء الحديث الشيعة بصراحة إن الحديث الموثق مقدم على حديث الشيعي الإمامي إذا لم تحرز عدالته وحينما يتعارض حديثان أحدهما عن سني ثابت صدقه مع آخر عن شيعي غامضة عدالته ، يؤخذ بحديث الراوي السني وتشير هذه الحقيقة العلمية إلى عدم تعصب الفقهاء والرواة الشيعة في المسائل العلمية والدينية. كذلك يتفق علماء السنة بكثير من الرواة الشيعة . ونقلوا أحاديث كثيرة عن أئمة أهل البيت والرواة الشيعة .

من الواضح أن الحركة الثقافية التي بدأها الإمامان الباقر (عليه السلام) والصادق (عليه السلام) كانت تشق طريقها بعيداً عن أي لون من التعصب والجمود، وذات طابع علمي وموضوعي أصيل. غير أن القوى الحاكمة سعت فيما بعد جاهدة كي تحذف الأحاديث الشيعية والرواة الشيعة، وتحول دون امتداد الأحاديث التي تُروى عن أئمة أهل البيت إلى الأوساط الدينية والفكرية، في محاولة منها لتنفيذ أغراضها السياسية باسم الإسلام والثقافة الإسلامية. وقد قال الإمام علي (عليه السلام) في ذلك: « وليس الإسلام لبس الفرو مقلوباً »(1).

ظهرت فيما بعد مذاهب أخرى كالمالكية والحنفية ، والحنبلية، والشافعية . وانبرت لمجابهة ومنافسة المذهب الجعفري وأخذت القوى الحاكمة آنذاك سواء كانت أموية أو عباسية ، للتعبير عن عدائها لآل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله) وشيعتهم ومواليهم بشتى الأساليب والصور وحاولت خلال ذلك أن تفرغ عقيدة المهدي الموعود الذي بشر به الإسلام، من أهل البيت (عليه السلام) من محتواها الحقيقي وتنسبها إلى نفسها. ويشهد التاريخ على هذه الحقيقة المرة حتى أن مناوئي أهل البيت قد أشاروا إلى هذا المكر واللعب السياسي.

ـــــــــــــــــــــــــــ

(۱) شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد المعتزلي :۷ ۱۹۱ الخطبة رقم (۱۰۷) وهي خطبة طويلة من خطب الملاحم، والمقطع المذكور في آخرها، ونهج البلاغة شرح الشيخ محمد عبده : ٢٠٦ - ۲۰۹ / الخطبة رقم (۱۰۸) وعيون الحكم والمواعظ / علي بن محمد الليثي الواسطي ٣٠٤ / ٥٤١٤.

المصدر: مجموعة مقالات مؤتمر الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) ومستقبل العالم (٢) - بشارة الأمان بموعود الأديان، آية الله الشيخ محمد امامي كاشاني، ص292-295.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0565 Seconds