هل الإمام المهدي من ولد العباس بن عبد المطلب ؟

, منذ 7 شهر 640 مشاهدة

السيد ثامر العميدي

نُسِبَ الامام المهديّ في مجموعة من الاَحاديث إلى العباس عمّ النبي (ص)، وسوف نستعرض جميع تلك الاَحاديث الواردة في كتب السنة، ليتضح أنها ليست من نمط الاَحاديث المتعارضة حقيقة مع كون المهدي من ولد فاطمة الزهراء عليها السلام ومن ذرية السبط الشهيد (ع).

وأنه لا يصحّ التمسك بها بتصريح أرباب هذا الفنّ من علماء أهل السنة لردّ الاحاديث الصحيحة بحجّة معارضتها لها، لثبوت ضعفها عندهم، واتّهام بعض رواتها بالكذب في كتب الرجال.

وأمّا ما قيل عن صحّة بعضها فلا يصحّ جعله معارضاً لغيره من الصحيح الثابت؛ لاَنّ من شرط التعارض هو التساوي في كل شيء بين المتعارضين، وليس الاكتفاء بشرط الصحة.

فقد يروى خبر ما بطريق معتبر، ولكن تشهد قرائن خارجية عنه بمخالفته للواقع.

وقد يروى خبر آخر بطريق واحد أو طريقين، ويُروى ما تعارض معه بعشرات الطرق، وعندها لا يصحّ اعتبارها من المتعارضَين على فرض وثاقة رواتهما؛ ذلك لاَنّ شهرة الخبر وكثرة رواته وتعدّد طرقه من المرجّحات على غيره المساوي له من حيث صحّة النقل، فالتعارض في مثل هذا يكون تعارض من حيث صحّة النقل لا غير، ولا تعارض بينها من حيث الشهرة وتعدد الطرق، ونحوهما من المرجّحات الاَُخرى.

فكيف الاَمر لو كان التعارض المدّعى بين الصحيح الثابت اتّفاقاً وبين الضعيف، أو الموضوع، أو المؤوّل بما يتّفق مع الصحيح؟!

وسوف نرى أن الاَحاديث التي نسبت الاِمام المهديّ إلى العبّاس بن عبد المطلب (ص) ,لا ترقى إلى مستوى الاَحاديث الاخرى المبيّنة أنّه من ولد فاطمة عليها السلام ، ولا تصل إلى ذلك المستوى من الثبوت، وهي:

1 ـ حديث الرايات السود:

روى أحمد في مسنده، عن وكيع، عن شريك، عن عليّ بن زيد، عن أبي قلابة، عن ثوبان، قال: « قال رسول الله (ص): إذا رأيتم الرايات السود قد أقبلت من خراسان فأتوها ولو حبواً على الثلج، فإنّ فيها خليفة الله المهديّ[1]» .

وفيه:

أ ـ ليس في هذا الحديث ما يدلّ على كون (خليفة الله المهدي) هو من ولد العباس كما ظن البعض أنّه المهديّ العباسي! لذِكر (الرايات السود) وإنْ كانت رايات بني العبّاس التي أقبلت من خراسان سوداً، ومع القول بصحّة الحديث فلا دليل في المقام على حصر الرايات السود برايات بني العباس.

ب ـ لو سلّمنا بصحّة الحديث، فلا دلالة فيه أيضاً على أنّ (خليفة الله المهديّ) هو المهديّ العبّاسي (ت 169 هـ)؛ لأنه لم يكن في آخر الزمان، ولم يحثُ المال حثواً، ولم يبايَع بين الركن والمقام، ولم يقتل الدجّال، أو ينزل نبيّ الله تعالى عيسى (ع) معه ليساعده على قتل الدجّال، ولم تظهر أدنى علامة من علامات ظهور المهديّ المتّفق عليها بين الفريقين .

ج ـ إنّ المهديّ العبّاسي حكم من سنة 158 هـ إلى سنة 169 هـ وهي السنة التي مات فيها، وفي ذلك دليل قاطع على أنه ليس المهديّ الموعود الذي يأتي آخر الزمان.

د ـ حديث أحمد ضعفه ابن القيم في «المنار المنيف» بعلي بن زيد، فقال: «وعليّ بن زيد قد روى له مسلم متابعة، ولكن هو ضعيف، وله مناكير تفرّد بها، فلا يحتجّ بما ينفرد به[2]» .

كما ضعف حديث ابن ماجة أيضاً بيزيد بن أبي زياد، ثم قال: «وهذا ـ أي حديث ابن ماجة ـ والذي قبله لم يكن فيه دليل على أنّ المهديّ الذي تولى من بني العباس هو المهديّ الذي يخرج في آخر الزمان...»[3] .

2 ـ حديث نصب الرايات السود بإيلياء:

وهذا الحديث أخرجه الترمذي في سننه بسنده، عن أبي هريرة، أنّه قال: قال رسول الله (ص) «تخرج من خراسان رايات سود، فلا يردّها شيء حتّى تُنصب بإيلياء[4]» .

والكلام فيه كالكلام في ما تقدّم عليه؛ إذ لا تصريح فيه بكون المهديّ عبّاسياً.

وقد أجاب ابن كثير عن هذا الحديث بعد أن أورده فقال: «هذا حديث غريب، وهذه الرايات السود ليست هي التي اقبل بها أبو مسلم الخراساني فاستلب بها دولة بني أُمية في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، بل رايات سود أُخرى تأتي بصحبة المهديّ ـ إلى أن قال: ـ والمقصود أنّ المهديّ الممدوح الموعود بوجوده في آخر الزمان يكون أصل خروجه وظهوره من ناحية المشرق، ويبايع له عند البيت، كما دلّ على ذلك نصّ الحديث، وقد أفردت في ذكر المهديّ جزءاً على حدة ولله الحمد[5]» .

 

3 ـ حديث: المهدي من ولد العبّاس عمي:

روى هذا الحديث ثلاثة نفر من الصدر الاَوّل وهم: كعب الاَحبار، وعثمان بن عفان، وعبدالله بن عمر.

أمّا حديث كعب الاَحبار، فقد رواه ابن حمّاد، عن الوليد، عن شيخ، عن يزيد بن الوليد الخزاعي، عن كعب، وفيه: «المهديّ من وُلْد العبّاس[6]» .

وأمّا حديث عثمان، فقد أورده محبّ الدين الطبري في «ذخائر العقبى» نقلاً عن أبي القاسم السهمي، عن عثمان، أنّه قال: «سمعت رسول الله «يقول: المهديّ من ولد العباس عمّي[7]» .

وأما حديث ابن عمر، فقد رواه ابن الوردي في «خريدة العجائب» مرسَلاً عن ابن عمر ولم يرفعه، قال: «رجل يخرج من وُلْد العبّاس[8]» .

وفي هذه الاَحاديث الثلاثة ما يأتي:

أمّا الاَوّل فلا حجة فيه أصلاً، إذ روي بلفظ مبهم (عن شيخ) فسنده منقطع اتّفاقاً؛ لاَنّ ما اشتمل سنده على لفظ مبهم يسمى بالمنقطع اصطلاحاً[9]

 

أمّا عن حديث ابن عمر فمثل الاَوّل في الوقف والاِرسال، ويزيد عليه بعدم التصريح بالمهدي، إذ قد تكون فيه إشارة إلى أنّ هذا (الرجل) الذي سيخرج من وُلْد العبّاس إنّما سيكون سفّاحاً لا مهديّاً، والمهمّ أن لا دلالة فيه على ما نحن فيه.

وأمّا عن حديث عثمان ـ وهو الحديث الثاني ـ فقد أجمع العلماء من أهل السُنّة على ردّه! وإليك التفصيل:

 

فقد أورده السيوطي في «الجامع الصغير» عن الدارقطني في «الاِفراد» وقال: «حديث ضعيف[10]» ، وقال المنّاوي في شرح الحديث: «رواه الدارقطني في الاِفراد، ثمّ قال: قال ابن الجوزي: فيه محمّد بن الوليد المقري؛ قال ابن عديّ: يضع الحديث، ويصله، ويسرق، ويقلب الاَسانيد والمتون. وقال ابن أبي معشر: هو كذّاب؛ وقال السمهودي: ما بعده وما قبله أصحّ منه، وأمّا هذا ففيه محمّد بن الوليد وضّاع، مع أنّه لو صحّ حُمِل على المهديّ ثالث العبّاسيّين[11]» .

 

4 ـ حديث أم الفضل:

وهو ما رواه الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد»، وابن عساكر في «تاريخ دمشق»، بإسنادهما عن أحمد بن راشد الهلالي، عن حنظلة، عن طاووس، عن ابن عبّاس، عن أُمّ الفضل بنت الحارث الهلالية، عن سعيد بن خيثم، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ، وهو حديث طويل جاء فيه: «... يا عباس! إذا كانت سنة خمس وثلاثين ومائة فهي لك ولوُلْدك، منهم السفّاح، ومنهم المنصور، ومنهم المهديّ[12]» .

وفي هذا الحديث جملة من الملاحظات في سنده ومتنه، وهي:

أ ـ قال الذهبي عن سند الحديث: «وفي السند أحمد بن راشد الهلالي، عن سعيد بن خيثم، بخبر باطل في ذِكر بني العبّاس من رواية خيثم عن حنظلة ـ إلى أن قال عن أحمد بن راشد: ـ فهو الذي اختلقه بجهل[13]» .

ب ـ في متن الحديث علّة قادحة واضحة تدل على جهل واضعه بالتاريخ، ولعلّها هي السبب في قول الذهبي: «اختلقه بجهل»، وهي أنّ العبّاسيّين قد ابتدأ حكمهم بسنة 132هـ باتّفاق جميع المؤرّخين، وليس بسنة 135هـ كما هو في المتن.

5 ـ حديث عبدالله بن عباس:

وهذا الحديث كحديث أُم الفضل، وفيه، عن ابن عبّاس أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال عن عمّه العبّاس: «هذا عمّي، أبو الخلفاء الاَربعين، أجود قريش كفاً، وأجملها، من ولده: السفاح، والمنصور، والمهدي، بي يا عمّ فتح الله هذا الاَمر، وسيختمه برجل من ولدك».

فقد أورده السيوطي في «اللآلي المصنوعة في الاَحاديث الموضوعة» وقال: «موضوع، المتّهم به الغلابي[14]» .

6 ـ حديث آخر لابن عباس:

روى الخطيب البغدادي في تاريخه بسنده، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال لعمّه العبّاس: «.. إنّ الله ابتدأ بي الاسلام وسيختمه بغلام من ولدك، وهو الذي يتقدم لعيسى بن مريم[15]» .

وهذا الحديث ضعفه الذهبي وقال عنه: «رواه عن محمّد بن مخلد العطّار، فهو آفته، والعجب أنّ الخطيب ذكره في تاريخه ولم يضعفه، وكأنه سكت عنه لانتهاك حاله[16]»!

 

[1] مسند أحمد 5 : 277.

[2] المنار المنيف: 137 ذيل الحديث 338.

[3] نفس المصدر.

[4] سنن الترمذي 4: 531 رقم 2269.

[5] النهاية في الفتن والملاحم 1: 55.

[6] الملاحم والفتن: 103.

[7] ذخائر العقبى: 206.

[8] خريدة العجائب وفريدة الغرائب: 199.

[9] مقدّمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح: 144.

[10] الجامع الصغير 2: 672 رقم 9242.

[11] فيض القدير شرح الجامع الصغير 6: 278 رقم 9242.

[12] تاريخ بغداد 1: 63، وتاريخ دمشق 4: 178.

[13] ميزان الاعتدال 1: 97.

[14] اللآلي المصنوعة في الاَحاديث الموضوعة 1: 434 ـ 435.

[15] تاريخ بغداد 3: 323، وأخرجه من طريق آخر بسنده عن عمّار بن ياسر وفي كلاهما محمّد بن مخلد العطّار.

[16] ميزان الاعتدال 1: 89 رقم 328.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0668 Seconds