لهذه الأسباب غاب الإمام المهدي (عج)

, منذ 1 شهر 58 مشاهدة

من المسائل التي يسأل عنها أهل الخلاف في غيبة صاحب الزمان وحل الشبهات فيها بواضح الدليل ولائح البرهان وهي سبع مسائل.

مسألة قالوا :ما الوجه في غيبته (عليه السلام) عن الاستمرار والدوام حتى صار ذلك سببا لإنكار وجوده ونفي ولادته وكيف يجوز أن يكون إماما للخلق وهو لم يظهر قط لأحد منهم وآباؤه (عليه السلام) وإن لم يظهروا الدعاء إلى نفوسهم فيما يتعلق بالإمامة فقد كانوا ظاهرين يفتون في الأحكام لا يمكن أحد نفي وجودهم وإن نفي إمامتهم ؟ 

الجواب : قد ذكر الأجل المرتضى (قدس الله روحه) في ذلك طريقا ولم يسبقه إليها أحد من أصحابنا فقال إن العقل إذا دل على وجوب الإمامة فإن كل زمان كلف فيه المكلفون الذين يقع منهم القبيح والحسن وتجوز عليهم الطاعة والمعصية لا يخلو من إمام لأن خلوه من الإمام إخلال بتمكينهم وقادح في حسن تكليفهم ثم دل العقل على أن ذلك الإمام لا بد أن يكون معصوما من الخطأ مأمونا من كل قبيح وثبت أن هذه الصفة التي دل العقل على وجوبها لا توجد إلا فيمن تدعي الإمامية إمامته ويعرى منها كل من تدعى له الإمامة سواء.

فالكلام في علة غيبته وسببها واضح بعد أن تقررت إمامته لأنا إذا علمنا أنه الإمام دون غيره ورأيناه غائبا عن الأبصار علمنا أنه لم يغب مع عصمته وتعين فرض الإمامة فيه وعليه إلا لسبب اقتضى ذلك ومصلحة استدعته وضرورة حملت عليه وإن لم يعلم وجهه على التفصيل لأن ذلك مما لا يلزم علمه وجرى الكلام في الغيبة ووجهها مجرى العلم بمراد الله تعالى من الآيات المتشابهات في القرآن التي ظاهرها الجبر والتشبيه فإنا نقول إذا علمنا حكم الله سبحانه وأنه لا يجوز أن يخبر بخلاف ما هو عليه من الصفات علمنا على الجملة.

أن لهذه الآيات وجوها صحيحة بخلاف ظاهرها وتطابق مدلول أدلة العقل وإن غاب عنا العلم بذلك مفصلا فإن تكلفنا الجواب عن ذلك وتبرعنا بذكره فهو فضل منا غير واجب علينا وكذلك الجواب لمن سأل عن الوجه في إيلام الأطفال وجهة المصلحة في رمي الجمار والطواف وما أشبه ذلك من العبادات على التفصيل والتعيين فإنا إذا عولنا على حكمة القديم سبحانه وأنه لا يجوز أن يفعل قبيحا فلا بد من وجه حسن في جميع ذلك وإن جهلناه بعينه فليس يجب علينا بيان ذلك الوجه وفي هذا سد الباب على مخالفينا في سؤالاتهم وقطع التطويلات عليهم و الإسهابات.

إلا إنا نتبرع بإيراد الوجه في غيبته (عج) على سبيل الاستظهار وبيان الاقتدار وإن كان ذلك غير واجب علينا في حكم النظر والاعتبار فنقول الوجه في غيبته هو خوفه على نفسه ومن خاف على نفسه احتاج إلى الاستتار فأما لوكان خوفه على ماله أو على الأذى في نفسه لوجب عليه أن يحمل ذلك كله ليروح عليه المكلفون في تكليفهم وهذا كما نقوله في النبي (صلى الله عليه واله) في أنه يجب عليه أن يحمل كل أذى في نفسه حتى يصح منه الأداء إلى الخلق ما هو لطف لهم وإنما يجب عليه الظهور وإن أدى إلى قتله.

كما ظهر كثير من الأنبياء وإن قتلوا لأن هناك كان في المعلوم أن غير ذلك النبي يقوم مقامه في تحمل أعباء النبوة وليس كذلك حال إمام الزمان (عليه السلام) فإن الله تعالى علم أنه ليس بعده من يقوم مقامه في باب الإمامة والشريعة على ما كانت عليه واللطف بمكانه لم يتغير فلا يجوز ظهوره إذا أدى إلى القتل وإنما كان آباؤه (عليهم السلام) ظاهرين بين الناس بعيونهم يعاشرونهم ولم يظهر هولان خوفه (عليه السلام) أكثر لأن الأئمة الماضين من آبائه (عليهم السلام) أسندوا إلى شيعتهم أن صاحب السيف هو الثاني عشر منهم.

وأنه الذي يملأ الأرض عدلا وشاع ذلك في مذهبهم حتى ظهر ذلك القول بين أعدائهم فكان السلاطين الظلمة يتوقفون عن إتلاف آبائه لعلمهم بأنهم لا يخرجون ويتشوقون إلى حصول الثاني عشر ليقتلوه ويبيدوه، ألا ترى أن السلطان في الوقت الذي توفي فيه الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) وكل بداره وجواره من يتفقد حملهن لكي يظفر بولده وبقيته كما أن فرعون موسى لما علم أن ذهاب ملكه على يد موسى (عليه السلام) منع الرجال من أزواجهم ووكل بذوات الأحمال منهن ليظفر به وكذلك نمرود لما علم أن ملكه يزول على يد إبراهيم (عليه السلام) وكل بالحبالى من نساء قومه وفرق بين الرجال وأزواجهم فستر الله ولادة إبراهيم وموسى (عليه السلام) كما ستر ولادة القائم (عليه السلام) لما علم في ذلك من التدبير وأما كون غيبته سببا لنفي ولادته فإن ذلك لضعف البصيرة والتقصير عن النظر وعلى الحق فيه دليل واضح لمن أراده ظاهر لمن قصده.

قال الفقير إلى الله تعالى علي بن عيسى أثابه الله تعالى ومما يؤيد ما ذكره الشيخ عن السيد رحمهما الله تعالى أن النبي (صلى الله عليه واله) احتمل الأذى في نفسه الكريمة وكُذب فيما ادعاه وبالغ كفار قريش واليهود في ذمه والوقيعة فيه بأنواع من الأذى حتى قال ما أوذي نبي مثل ما أوذيت وكان يحتمل ذلك ويصبر عليه فلما أرادوا قتله وإعدامه أمره الله بالهجرة ففر إلى الغار ونام علي (عليه السلام) على فراشه وإنما لم يصبر ولو قتل كما صبر غيره من الأنبياء وقتلوا لأنه كان (عليه السلام) خاتم الأنبياء ولم يكن له بعده من يقوم مقامه في تأدية الرسالة والتبليغ فلهذا غاب عنهم وهذه أشبه الأحوال بحال الإمام (عليه السلام) في غيبته والعجب إخلال السيد (رحمه الله) به مع دلالته على ما أصله .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كشف الغمة في معرفة الائمة ج4 ص302-312 ـ  ابو الحسن علي بن عيسى الأربلي

 

 

 

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0322 Seconds