تعرف على خصائص المجتمع المهدوي

, منذ 6 شهر 273 مشاهدة

الشيخ أحمد سلمان 

يكاد يجمع المسلمون على أنّ أعظم مشروع إلهيّ لأهل الأرض هو قيام الدولة المهدويّة في آخر الزمان التي تتكفّل ببسط العدل في كلّ أركان المعمورة كما ورد في البشارة النبويّة: يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملأت ظلما وجورا.

وقد فصّلت الأحاديث والروايات الشريفة في تبيان معالم هذه الدولة العظيمة وذكر كلّ ما يتعلّق بحيثيّاتها بحيث يمكننا معرفة كلّ كبيرة وصغيرة حول هذا المشروع الإلهي المذخور للبشريّة، ومن هنا سنتحدّث اليوم عن معالم المجتمع الذي يكون تحت سلطان صاحب العصر والزمان.

وهنا قد يتساءل الإنسان: ما فائدة تعداد معالم هذا المجتمع والحال أنّنا لم نعشه، فلعلّ بيننا بين ظهور القائم عشرات أو مئات أو آلاف السنين؟! والجواب هو أنّ معرفة هذه الأمور تكون كاشفة عن مواطن الخلل في مجتمعاتنا، ومنه إلى حركة إصلاحيّة لهذا الخلل والتي تعتبر تمهيدا للإمام (عج) وانتظارا إيجابيا له.

خلوّه من التدين القشري: من أبرز سمات المجتمع المهدوي خلوّه من التديّن القشري، ومقصودنا من هذا الوصف هو التديّن الذي يكون مظهرياً لا جوهريّا فصاحبه يهتمّ بهندامه وبمظهره الخارجي ليشابه أهل الدين إلّا أنّ أفعاله وأقواله بعيدة كلّ البعد عن التديّن، بل البعض يتّخذ سيماء الصالحين ليخدع بها الناس، وقد ورد عن الإمام السجاد (ع) التحذير من هذا الأمر حيث قال: إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته وهديه وتمارت في منطقه وتخاضع في حركاته فرويدا لا يغرّنكم، فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب المحارم منها لضعف نيته ومهانته وجبن قلبه، فنصب الدين فخا لها، فهو لا يزال يختل الناس بظاهره، فإن تمكّن من حرام اقتحمه[1].

في زمن الإمام (عج) لا يبقى لهذا التديّن عين ولا أثر لأمرين:

الأمر الأوّل: هو الغربلة التي تقع في زمن الغيبة الكبرى عند قرب ظهوره المقدّس حيث يقع البلاء ويرفع هؤلاء أقنعتهم، وقد ورد عن الإمام الباقر (ع) أنه قال : لتمحصن يا شيعة آل محمد تمحيص الكحل في العين، وإن صاحب العين يدري متى يقع الكحل في عينه ولا يعلم متى يخرج منها، وكذلك يصبح الرجل على شريعة من أمرنا، ويمسي وقد خرج منها، ويمسي على شريعة من أمرنا، ويصبح وقد خرج منها[2].

الأمر الثاني: وهو ما يحصل في زمن ظهوره من محاربته لهذا النوع من أنواع النفاق لكون مصالح هؤلاء الدنيوية تجعلهم يقفون ضدّ حركة الإمام المهدي عجل الله فرجه، فيصطدمون معه منذ أوّل لقاء حيث ورد عن الباقر (ع): ويسير إلى الكوفة، فيخرج منها ستة عشر ألفا من البترية، شاكين في السلاح، قرّاء القرآن، فقهاء في الدين، قد قرّحوا جباههم، وشمّروا ثيابهم، وعمّهم النفاق، وكلّهم يقولون: يا بن فاطمة، ارجع لا حاجة لنا فيك[3].

ونحن من الابتلاءات التي ابتلينا فيها في مجتمعنا هو هذا النوع من التديّن الذي كنّا ولا زلنا نخدع به، فتقييمنا للمتديّن يكون بالنظر إلى مظهره الخارجي وإلى طريقة كلامه وإلى حضوره المساجد والحسينيات والمواسم بالرغم من أنّ الأئمّة قد حذّروا من هذا ونفوا كون هذه الأمور من مقاييس التديّن.

التركيز على تعليم الناس:

من أوائل الأمور التي سيقوم بها الإمام المهدي (عج) رفع المستوى العلمي للناس، وقد ورد النصّ على هذه الخطوة في بعض الروايات الشريفة: إذا قام قائمنا وضع الله يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم وكملت به أحلامهم[4].

والسبب في كون التعليم هو من أوائل خطوات بناء دولة العدل الإلهي هو أنّ الله لا يعبد بالجهل والأرض لا تعمر بالخرافة، ومن هنا كانت الكلمة الافتتاحية لدين الإسلام متضمّنة لكلّ ما يدلّ على العلم "إقرأ/علّم/القلم".

لكن من ينظر إلى حال المسلمين اليوم يجدهم في ذيل ركب العالم المتحضر في البحث العلمي والانتاج والاختراع، ولن يتغيّر حالهم ما لم يستقلوا في هذا الجانب ويصبحوا منتجين لا مستهلكين.

الاعتماد الكامل على الشباب:

هناك معلم آخر في الدولة المهدويّة وهي اعتمادها الكامل على الشباب، فقد ورد عن أمير المؤمنين (ع): إنّ أصحاب القائم شباب لا كهول فيهم إلّا كالكحل في العين، أو كالملح في الزاد، وأقل الزاد الملح[5].

بل حتى القائم (عج) يكون شاباً لا شيخاً كما يتوقّع البعض فقد روي أنّه: يظهر في صورة شاب موفّق ابن اثني وثلاثين سنة[6]، بل ورد أنّ رجوعه شابا من أعظم الابتلاءات: وإن من أعظم البلية أن يخرج إليهم صاحبهم شابا وهم يحسبونه شيخا كبيرا[7].

ومن الطبيعيّ جدّا أنّ الشاب يمكنه ركوب الصعاب والتحمّل المشاق بحيث تكون قدرته الانتاجيّة أكثر من الكهل، والأهمّ من هذا أنّ الشاب له قابليّة التغيير والتطوّر أكثر من غيره ولذلك القدرة الابداعيّة عنده تكون حاضرة بقوّة بخلاف غيره.

ورغم أنّ مجتمعاتنا أكثر المجتمعات فتوّة في العالم إلّا أنّها الأقلّ اعتمادا على الشباب، ودونك مؤسّساتنا الدينيّة كالمساجد والحسينيّات والمراكز حيث قلّما تجد شابّا بيده مقاليد الأمور، وكأنّ الأمر صار حكرا على الكهول والشيوخ!

الحوار كوسيلة للتغيير:

هذه الحركة الإصلاحيّة التي يقودها الإمام المهدي (عج) تقوم على ركيزة أساسيّة وهي "الحوار"، حيث يقدّم دعوة حوار إلى مخالفيه منذ أوّل يوم يظهر فيه حيث يقول: والله لكأني أنظر إليه وقد أسند ظهره إلى الحجر فينشد الله حقّه، ثم يقول: يا أيّها الناس، من يحاجّني في الله فأنا أولى الناس بالله، أيها الناس من يحاجني في آدم فأنا أولى الناس بآدم، أيها الناس من يحاجني في نوح فأنا أولى الناس بنوح، أيها الناس من يحاجني في إبراهيم فأنا أولى الناس بإبراهيم، أيها الناس من يحاجني في موسى فأنا أولى الناس بموسى، أيها الناس من يحاجني في عيسى فأنا أولى الناس بعيسى، أيها الناس من يحاجني في محمد فأنا أولى الناس بمحمد (ص) أيها الناس، من يحاجني في كتاب الله فأنا أولى الناس بكتاب الله[8].

للأسف الشديد فإنّ لغة الحوار شبه منعدمة في مجتمعنا حتى عند من يريد الإصلاح، دائما نجد أنّ الأسلوب الحاضر هو أسلوب الصدام والمواجهة والتسقيط، رغم أنّ الكلّ يجمع على أنّ هذا الأسلوب لا يؤدّي إلى نتيجة إيجابيّة بل إلى مزيد من الفرقة والشتات.

السلم الاجتماعي:

الأمر الأخير الذي نختم به هو تحقيق هذه الدولة المهدويّة للسلم الاجتماعي، ولا نريد من هذا التعبير تحقّق الأمن في الخارج فإنّ هذا متحقّق في كثير من الدول بل مرادنا الوحدة الاجتماعية التي يصنعها الإمام المهدي (عج) بحيث تجتمع قلوب الناس وتذهب البغضاء من بينهم، فقد ورد في الخبر عن النبي (ص): ولو قد قام قائمنا لأنزلت السماء قطرها ، ولا خرجت الأرض نباتها، ولذهبت الشحناء من قلوب العباد[9].

وهذا الأمر يعتبر من أهمّ ركائز المجتمع الناجح حيث أنّ ارتفاع معدّل الكراهة في أيّ مجتمع يعتبر خطرا عليه لكونه مؤدّيا إلى نتائج وخيمة جدّا من أخطرها تفرقة المجتمع وتفتيته.

ومن ينظر إلى حال مجتمعنا يبكي طويلا للحال الذي وصلنا إليه حيث تجد أنّ القلوب مليئة بالكراهية والنفوس مشحونة بالبغضاء والأرواح ملطّخة بالأحقاد، ولذلك تجد مجتمعنا مفرّقاً مفتتاً "تحسبهم جميعا وقلوبهم شتّى".

ولو سألنا أنفسنا: لو كان الإمام حاضرا بيننا هل سيرضى بهذا الحال؟

 سنجيب جميعا بالنفي!

لماذا إذن لا نسعى إلى تصفية القلوب؟

لماذا لا نتجاوز خلافتنا وننهي مشاكلنا؟

أختم بهذه الكلمة الموجودة في الرسالة التي بعث بها الإمام المهدي (عج) للشيخ المفيد رضوان الله عليه: ولو أن أشياعنا -وفقهم الله لطاعته- على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم، لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حق المعرفة وصدقها منهم بنا، فما يحبسهم عنّا إلّا ما يتّصل بنا ممّا نكرهه ولا نؤثره منهم.


[1] الاحتجاج 2/52.

[2] غيبة النعماني 214.

[3] دلائل الإمامة.

[4] الكافي 1/25.

[5] غيبة النعماني 330.

[6] غيبة النعماني 195.

[7] غيبة النعماني 194.

[8] غيبة النعماني 188.

[9] بحار الأنوار 10/104.

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0927 Seconds