ما هو الضمان لنجاح النظام السياسي للإمام المهدي (عج) ؟

, منذ 7 شهر 345 مشاهدة

الشيخ حيدر السندي

لو فرضنا أن الإمام المهدي(ع) مجرد زعيم ذكي وعبقري وليس مسدداً بعلم خاص ولا يدرك الغيب، فإن هذا لا يجعل نجاحه في تأسيس دولة عالمية مزدهرة أمراً مستبعداً ، إذ من المعقول أن يكون خروجه بعد فشل جميع الأنظمة وهلاك كثير من الناس بسبب الطغيان و القهر و يأس الناس من الحكومات المتعارفة، وبحثها عن بديل مهما كان شكله ما دام خير من النظام السائد والمتعارف ، فيكون خروج الإمام (ع) بعد خبرة التاريخ ومعاصرة النظم و ملاحظة ما يتمناه الناس بقوة بما يجعلهم يهرولون نحو باب النجاة الذي فتحه له  ، فيكون مع الطليعة المخلصة وعامة الناس في مقابل بعض المتمصلحين والمتجبرين ، ويسهل عليه القضاء عليهم و إحقاق الحق  ، وقد بينت الروايات حال زمن ظهوره و أنه حال سيء جداً فعن علي (ع) قال: لا يخرج المهدي حتّى يبصق بعضكم في وجه بعض[1].

وعن عمّار بن محمّد، عن عمر بن علي أنّ عليّا(ع) قال: تكون فتن، ثمّ تكون جماعة على رأس رجل من أهل بيتي ليس له عند الله خلاق فيقتل أو يموت، فيقوم المهدي[2].

و عن ابن عبّاس، قال : قال رسول الله (ص) في حديثه عن زمن خروج الإمام (ع):  يكون ذلك إذا رفع العلم ، وظهر الجهل ، وكثر القرّاء ، وقلّ العمل ، وكثر القتل، وقلّ الفقهاء الهادون، وكثر فقهاء الضلالة والخونة، وكثر الشعراء، واتّخذ امتك قبورهم مساجد، وحلّيت المصاحف، وزخرفت المساجد، وكثر الجور والفساد، وظهر المنكر وأمر أمتك به ونهوا عن المعروف، واكتفى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء وصارت الامراء كفرة، وأولياؤهم فجرة، وأعوانهم ظلمة، وذوو الرأي منهم فسقة[3] ..

و عن أبي عبد الله الحسين بن علي (ع) قال: لا يكون الأمر الّذي ينتظرون (ينتظرونه ـ خ) ـ يعني: ظهور المهدي عليه‌ السلام ـ حتّى يتبرّأ بعضكم من بعض، ويشهد بعضكم على بعض بالكفر، ويلعن بعضكم بعضا، فقلت: ما في ذلك الزمان من خير، فقال (ع): الخير كلّه في ذلك الزمان، يخرج المهدي فيرفع ذلك كلّه[4].

و عن حذيفة وأبي موسى سمعا رسول الله (ص) يقول: إنّ بين يدي الساعة لأيّاماً ينزل فيها الجهل، ويكثر فيها الهرج، قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: القتل[5].

و إذا كان هذا حال  الواقع المعاش يوم خروجه ، تدهور عام في الحقوق والعلاقات الاجتماعية، و ضعف في الوضع الاقتصادي، فإن من الطبيعي أن يتمسك الناس بمن يرفع  مطالبهم بإخلاص ويبرهن عليها عملاً و يحقق نجاحات مستمرة في الوقت الذي لا يُرى منه مناقضة في مقام العمل.

ومن لا يؤمن بالماورائيات لا يسعه أن ينكر امكان تحقق نجاح قائد يملأ الدنيا إلا إذا جرب مراراً العيش في ظروف ذلك القائد ووجد تكرر الفشل، أما والتجربة لا تكشف حال المستقبل ، ولا حال القائد ومقدار حكمته، ولا تعرف المناصرين له في ما سوف يأتي من الزمان فكيف للتجريبي أن يصل إلى النفي و عدم الإمكان؟!

القائد الناجح يدير ببصيرة ضمن طاقم إداري مصطفى:

النقطة الثانية: إن الروايات تحدثت عن وجود أعواد وأتباع للإمام المهدي (عج) فمن المتوقع أنه سوف يؤسس بواسطة هؤلاء نظام عالمي يحفظ الخصوصيات الثقافية لكل بلد تحت إدارات متعددة تجتمع تحت إدارته الإسلامية العالمية العادلة.

فعن حذيفة عن النبيّ (ص) في قصّة المهدي (ع) وظهور أمره، قال : فتخرج الأبدال من الشام وأشباههم، ويخرج إليه النجباء من مصر، وعصائب أهل الشرق وأشباههم حتّى يأتوا مكّة، فيبايع له بين زمزم والمقام، ثمّ يخرج متوجّها إلى الشام، وجبريل على مقدّمته، وميكائيل على ساقته، يفرح به أهل السماء، وأهل الأرض، والطير، والوحوش، والحيتان في البحر، وتزيد المياه في دولته ، وتمدّ الأنهار[6]..

 فإن تعبير (وأشباههم) يدل على وجود أشباه للخارجين من الشام ومصر ، ولعلهم من كل بلاد الدنيا ، وقد بينت الروايات مقدار استجماعهم للأخلاق الفاضلة و مطابقة قولهم للفعل ، وشدة محبتهم لبعضهم البعض ،  وهذا ما يرغب الناس في اتباعهم و نصرة قائدهم.

فعن بريد العجلي ، قال : قيل لأبي جعفر الباقر (ع): إنّ أصحابنا بالكوفة جماعة كثيرة، فلو أمرتهم لأطاعوك واتّبعوك، فقال: يجيء أحدهم إلى كيس أخيه فيأخذ منه حاجته؟ فقال: لا، قال: فهم بدمائهم أبخل، ثمّ قال: إنّ الناس في هدنة ، تناكحهم ، وتوارثهم، وتقيم عليهم الحدود، وتؤدّي أماناتهم، حتّى إذا قام القائم (ع) جاءت المزايلة، ويأتي الرجل إلى كيس أخيه فيأخذ حاجته لا يمنعه[7].

 و لا يخفى أن القائد الذي يلتف الناس حوله ويحقق النصر بعد النصر يخافه أعداؤه، ولهذا روى الحرث بن يزيد أنه سمع ابن زرير الغافقي، سمع عليّاً (ع) يقول: يخرج (يعني: المهدي عليه‌ السلام) في اثني عشر ألفا إن قلّوا أو خمسة عشر ألفا إن كثروا، فيسير الرعب بين يديه، لا يلقاه عدوّ إلّا هزمهم بإذن الله، شعارهم: أمت أمت، لا يبالون في الله لومة لائم، فيخرج إليهم سبع رايات من الشام فيهزمهم... الحديث[8].

فإن من المحتمل أنه ينطلق في أماكن معينة ضمن عدد قليل ، ولكن بسبب وضوح الأفكار و سدادها وسهولة اقناع الناس بها ، يتسارع الناس للانخراط تحت حركته نفوراً من الوضع السائد المتأزم ، فيحقق (ع) النصر بعد النصر، فيخافه المنحرفون و بهذا يسهل عليه تحقق النظام العالمي، ثم يدار هذا النظام بمؤسسات مطورة في جميع الصعد بأكبر العقول البشرية، فالإمام (ع) فرد يحكم نظاماً يتكون من آلاف الناس، وليست حكومته الناجحة بهذه الصورة أمراً مستبعداً.


[1] كنز العمال: ج ١٤ ص ٥٨٧ ـ ٥٨٨ ح ٣٩٦٦٤.

[2] الفتن: ج ٥ ص ١٨٠ الباب المذكور ح ١٦.

[3] كمال الدين: ج١ ص ٢٥٠ ـ ٢٥٣ب٢٣

[4] عقد الدرر: ص ٦٣ و ٦٤ ب ٤ ف ١.

[5] الفتن: ج ١ ص ٩ ح ٤٨.

[6] الملاحم والفتن ص ٦٩ ب ١٤٦

[7] الاختصاص : ص ٢٤.

[8] الفتن: ب خروج المهدي

مواضيع قد تعجبك

Execution Time: 0.0235 Seconds